ابراهيم شبوح : العمل الرائد في الجماليات الإسلامية

 

هيأني تقديم الأميرة الدكتورة وجدان علي المركز لكتاب الدكتور شربل داغر «مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية» (عن «المركز الثقافي العربي» بالاتفاق مع «الجمعية الملكية للفنون الجميلة» في الأردن)، لأن أحس بأني أمام عمل مميز في موضوع محبب، نشأتُ عليه مريداً متصوفاً، واستغرق مني عمراً تعلمت فيه أوجه التيه كيف تكون.
وتصادى مع نفسي ما قرأته، فقد كنت منذ الدراسة شديد التمرد على مدرسة البطائقيين الاستشراقية، التي تقف عند الوصف المادي وقياس الأبعاد، وبسط الاحتمالات في مُنْتَمى الصانع العقائدي، والتمحل في اصطناع النسبة إلى الموقع الذي يفترضون أنه ينتمي إليه. كانت تلك السطحية الغائمة تطمس حس الأذهان، وتشير بصمت بائس إلى ما يفتقر إليه عالم الآثار من ثقافة موسوعية، تبدأ باللغة وآدابها، وتمتد على الثقافة الإسلامية وعصورها التاريخية التي خلفت ذلك التراث.
إن دافع تأليف كتاب الدكتور داغر موقف فكري نقدي رائد، وهو مراجعة لعلم نشأ ضمن ما يُصطلح عليه قديماً بـ«الفنون المستطرفة» أو «الفن الإسلامي» في مدارس الاستشراق، عندما اكتشف الغرب الشرق؛ ولم يتطور بعد أكثر من قرن على يد أبنائه، بل نُقِل بالترجمة والاختصار، وتقيد بالمناهج ذاتها. وهذا المنزع التكاملي الذي يتلمسه الدكتور شربل داغر في اللغة ويتعامل مع التراث المادي بربطه ببيئته من غير أن يجتثه من أصوله، يسمح برؤية أعمق ويكشف عن جوانب الحسن الكاملة في تكامل الأشياء وانتظامها وتعاملها وتداخلها. وهو صيحة ترتفع لأول مرة في كتاب جريء، يتجه إلى شواهد التدليل والإثبات وفق منهج صعب، أكد فيه المؤلف قيمة الاستدلال على كل خطوة خطاها وهو يعبد لها الطريق.
إن الإحساس بهذا التقطيع والتمزيق لوحدة التراث الفني مع عصره وثقافته كان قائماً عند قلة من دارسي التراث الأثري وفنونه، وقد طبقوا تجارب عملية في نظرية الربط والتكامل، وتحرروا من جمود واقتسار النظريات السائدة في تفسير الأشياء، ولم يفرغ ولم يجرؤ أحد على هذا الاختراق الذي يكوِّن كتاب «مذاهب الحسن» طليعته.
وكان الجديد في هذا العمل أنه التمس آفاقه من اللغة عند أقدم معاجمها، وبهذا تأخذ النتائج التي سيصل إليها معنى التأصيل، والتنبه إلى معاجم الدلالات التي كانت تعبيراً عن مجالات من الجمال وتذوقه، وعن «العلاقات بين المعجمي والفني في التجربة التاريخية العربية -الإسلامية وتصوراتها الجمالية».
منذ بدء قراءة «مذاهب الحسن» أدركت أن وراء هذا العمل جهد كبير، وأنه يتميز بكثافة معرفية تدعو إلى تركيز التأمل، وإلى التوقف المتقطع أمام القضية التي يثيرها الكتاب ويهدف لتجليتها، وتُعد في جوهر مضامين الحضارة الإسلامية.
وأعترف - وأنا المقصر - أن شربل داغر قد أغرق في استخدام المصطلح الدلالي الحديث للغة، فكثف من الحواجز التي تحول دون القراءة المسترسلة، أمام الذين عرفوا عن الحضارة الإسلامية وجذورها، وعن منطلقاتها الأولى التي تساوقت مع اللغة الدلالية المعبرة عن ذلك الانبعاث الناشىء، أو المغرق في الجاهلية أحياناً، ولكنهم لم يتصلوا بمدارس الألسنية الحديثة وغموضها الذي تستعصي ألغازه على غير أهلها.
ولا شك أن قراءته المتكررة لـ«كتاب العين» قد انعكست على عمله إثراء وتدقيقاً وضبطاً وحصراً للمعاني، وجعلت قارىء الكتاب بحاجة أيضاً إلى أكثر من قراءة واحدة حتى يتعمق للإلمام بالكلي والجزئي.
وقد شدني في الكتاب منزع أحسبه يتصل بأسلوب الاستطراد والتمدد عند كبار المستطردين الهادفين، وعلى رأسهم شيخنا الجاحظ، ولكنه بمصطلح الحداثة المغاير والموازي يعتبر انطلاقاً من الكلمات إلى الأفكار وعوالمها الواسعة، وهو ما وسم مادة الكتاب.
أشير في البدء أيضاً إلي أن مرتكز ومنطلق «مذاهب الحسن» كان «كتاب العين»، المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي (- 170 هـ.)، وهو معجم اللغة العربية الأول، الذي كَثُر القول فيه منذ القديم، وأشار المؤلف إلى ذلك وبرره (ص 31)؛ وقد جاءت روايته الوحيدة عن تلميذ الخليل، الليث بن المظفر بن نصر بن سيار؛ وانبنت المواقف فيه على ما استفاد دارسوه من نقده الداخلي، فقد أيد جماعة نسبته للخليل ورَووه بالسند المتصل إليه (وكان الأندلسيون يفخرون بنسخة القاضي منذر بن سعيد البلوطي القرطبي التي كتبها في رحلته بالقيروان، وعورضت بنسخة شيخه أحمد بن محمد بن ولاّد النحوي بمصر).
وأنكر جماعة من كبار علماء العربية تلك النسبة، منهم الأخفش، وابن دريد، وابن جني، والقالي؛ ونقل الأزهري مادة «العَمْر» وهو ضرب من النخيل عن الليث، ثم غلط الليث في تفسيره وأبان عن وجه الصواب فيه، وعقب: بأن الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنخيل وألوانه، لو كان الكتاب من تأليفه ما فسر «العَمْر» هذا التفسير (ابن منظور، اللسان، مادة ع. م. ر.).
وكان الأزهري يرى أن الليث هو الذي صنع الكتاب لينْفُقَ ويُرْغَبَ فيه (المزهر، 1 : 39)، أما ابن النديم فقد أنكر أن يكون الخليل عمل هذا الكتاب (الفهرست، 42).
ويقول ابن فارس: «ما بلغنا أن أحداً ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها، فأما الكتاب المنسوب للخليل وما في خاتمته من قوله: هذا آخر كلام العرب، فقد كان الخليل أورع وأتقى لله من أن يقول ذلك، وأن الكتاب الموسوم، به من الإخلال ما لا خفاء به على علماء اللغة، ومن نظر في سائر الأصناف الحصيحة علم صحة ما قلناه» (المزهر، 1: 64 -65).
ويذكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي (316 - 379 هـ.) في مقدمة «مختصر العين»، التي تحدث فيها عن حذف حشوه وإسقاط فضول الكلام المتكرر فيه، أنه يربأ بالخليل عن نسبة هذا الخلل إليه... فقد كان جلة العلماء البصريين الذين أخذوا عن أصحابه وحملوا علمه عن رواته ينكرون هذا الكتاب ويدفعونه، إذ لم يرد إلا عن رجل واحد غير مشهور من أصحابه. وأكثرُ الظن فيه أن الخليل سبَّب أصله ورام تثقيف كلام العرب به، ثم هلك قبل تمامه، فتعاطى تمامه من لا يقوم في ذلك مقامه، فكان ذلك سبب الخلل الواقع به والخطأ الموجود فيه.
والزبيدي بهذا الجزء الثاني من قولته يتلاقى مع ما تشير إليه الدراسات الحديثة، وما أجمله خيرَ إجمال أحمد بن يحيى ثعلب (- 291 هـ.) في مقولته: «إن الغلط إنما وقع في «كتاب العين»، لأن الخليل رسمه ولم يحشه، ولو كان حشا ما بقي فيه شيئاً، لأن الخليل رجل لم يُرَ مثله. وقد حشا الكتاب قوم علماء، إلا أنهم لم يؤخذ منهم رواية، وإنما وُجِدَ بنقل الوراقين، فاختل الكتاب لهذه الجهة» (مراتب النحويين، 57). وسواء علينا أكان المعجم كله أو بعضه من عمل الخليل، فإن صعوبة استعماله وتوزع مداخله، يضعان بينه وبين الاعتماد عليه حداً أشار إليه داغر برفق (ص 32). وقد لخص حقيقة الصعوبة في استعماله أحمد بن ولاّد (- 332 هـ.): «كتاب العين لا يمكن طالب الحرف منه أن يعلم موضعه من الكتاب من غير أن يقرأه، إلا أن يكون قد نظر في التصريف، وعرف الزائد والأصلي، والمعتل والصحيح، والثلاثي والرباعي والخماسي، ومراتب الحروف من الحلق واللسان والشفة، وتصريفَ الكلمة على ما يمكن من وجوه تصريفها في اللفظ على وجوه الحركات، وإلحاقها بما تحمل من الزوائد، ومواضع الزوائد بعد تصريفها بلا زيادة. ويحتاج مع هذا إلي أن يعلم الطريق التي وصل الخليل منها إلى حصر كلام العرب، فإذا عرف هذه الأشياء، عرف موضع ما يطلب من كتاب العين».
إني أدرك حقيقة المشقة والجهد الذي تخطى به الدكتور شربل داغر كل هذه العوائق التي أحصاها ابن ولاّد، حتى يوالي متابعة وفحص »كتاب العين«، ويخرج بالنتائج التي خرج بها، وأعلم أن الخليل هدف في خطة الكتاب إلى حصر اللغة واستقصاء الواضح والغريب منها، وأرى ما أحيط به الكتاب من صعوبات أدركها الكاتب منذ البدء وآثره على استعمال «لسان العرب»، وأتساءل: لماذا لم يتلمس الدكتور داغر مجاله في معجم آخر، جمع ما تشتت في الكتب المتفرقة، وصحح ما فيها من أخطاء في تفسيراتها، وامتاد بالتنظيم وحسن ترتيب أبوابه ومواده وألفاظه في داخلها، مع وضوح المنهج، وأمانة التوثيق، هو «كتاب المخصص» لابن سيده الأندلسي (- 458 هـ.). لقد أقامه مؤلفه على الموضوعات وكان أشمل المعاجم في نوعه وأوسعها جمعاً لأعمال من تقدمه، بما في ذلك «الغريب المصنف» لأبي عبيد القاسم بن سلام.
إن لغة »المخصص« هي لغة «العين»، أي لغة تراث العربية التي هدفوا جميعاً إلى حصرها، ومؤلفه يبرز مصدر نقله الذي يُصَدِّره غالباً بنص «العين»، وقد نثره ابن سيده في عمله نثراً بعد أن ألف الأشباه ومختلف الدلالات والأفعال والصفات حول «الاسم الجامع»، بوصفه «نقطة ثقل وجذب»، كما يقول الدكتور داغر؛ وتتضح العلاقات الدالة على ترتيب المعاني في كل ذلك بصفة اندراجية متكاملة؛ فهو مدونة معجمية جامعة للفعل الإنساني، ولما يمحضه الإنسان لهذه الأفعال من صفات ونعوت.
إني مقتنع أن هذا العمل لو ارتكز على مثل «المخصص» فيما التمسه لأبرز نتائج لغوية حضرية أكبر مما وصل إليه.
وكنت أود لو استخرج الدكتور داغر آخر كل عرض نسقي للفصول الستة، جرداً معجمياً مباشراً يؤلف فيه حول «الاسم الجامع» ما يتصل به من أسماء وأفعال وصفات، ويمكن أن يُفرد ذلك منفصلاً في آخر الكتاب في صيغة قوائم مرتبة ومشروحة، حتى نرى نتائج هذا الجهد في غايته التي سعى إليها منذ البداية ودلل عليها حسب خطة المنهج.
ففي سياق تطبيق المنهج، كان البحث عن عناصره الغائبة بحثاً عينياً مسبق التصور، يمليه التمثل المكتمل لمختلف المكونات الأساسية للموضوع، ويدعو إلى البحث عنه في المعجم، كأن يُقال في فصل التصوير الإسلامي: «لا نجد في كتاب العين معلومات دالة على ممارسة التصوير في العهود الإسلامية» (ص 242). وقد خطى البحث إلى التصوير من خلال مادة «مثل»، وفيها «المثال»: «الذي يجعل مقداراً لغيره»، و«التمثيل»: «تصوير الشيء كأنك تنظر إليه»، و«التمثال»: «اسم للشيء الممثل المصور على خلقة غيره»؛ وكانت الأحاديث المنسوبة لرسول الله - وبعضها مما جاء في «الصحاح» - قاطعة في تحريم التصوير، بسبب قرب الناس من عهد الجاهلية ووثنيتها. ودلت الآيات القرانية التي جاء فيها الفعل «صور»، واسم الفاعل المصور»«، على أن هذا الفعل خاص بالخالق وحده، وقاصر على مجال يقع حارج النطاق الإنساني.
وانعكست العقيدة الجديدة بما اشتملت عليه من أوامر ونواهي على مسار الحياة وأسلوبها، فلم نقف في المعالم الدينية الباقية أثراً ونصاً على ما يُذَكِّر بأوثان الجاهلية وعبادتها؛ إلا أن النحت والتصوير باعتبارهما مجالاً جمالياً زخرفياً وتعبيراً عن ترف الحياة، لم يتوقف شيوعهما؛ ولعل قصر هشام بأريحا من أبدع الشواهد التي احتفظت بالبحوث البشرية والحيوانية، وبالصور التي مُثلت على الفسيفساء؛ ونذكر الرسوم المائية في قصير عميرة بلمساتها الهلينية، وقصر الحير الغربي، وما بقي من الوحدات النباتية في قبة الصخرة - لا مسجد الصخرة -، والقبة الحالية من عمل صلاح الدين الأيوبي، ونص التاريخ هو سنة 72 هـ.، وحوله أقدم تزييف، إذ اقتلع اسم الوليد واستبدل بالمأمون وبقي التاريخ بلا تغيير. ولم يتوقف هذا التيار الفني، فقد أبرزت حفريات سامراء مصورات جدارية مائية على الجص، ورسوماً بشرية على الخزف والعاج، وانتشرت هذه النماذج وأصبح لها تقاليد فنية واضحة في أهم حواضر العالم الإسلامي، خاصة أيام الفاطميين في مصر وصقلية؛ وقد كشفتُ في حفريات صبرة المنصورية، العاصمة الثانية التي أقامها الخليفة المنصور قبل انتقال المعز إلى مصر وتأسيس القاهرة، كشفتُ عن مجموعات من الخزف المصور بمشاهد الطراد والصيد، ومنحوتات جصية لوجوه آدمية وطيور وسباع؛ وتشير إلى أُسد النوافير التي ينطلق الماء من أفواهها بلا انقطاع، فقد كانت من العناصر الجميلة المحببة، استخدمت بنو خراسان على نافورة جامع الزيتونة بتونس في القرن السادس للهجرة، وقبله اتخذها صاحب قلعة بني حماد في أحد قصوره، وفيه يقول ابن حمديس ما يجعل خبره كالعيان:
وضراغمٍ سكنتْ عرينَ رئاسة تركت خرير الماء فيه زئيراً
فكأنما غشّى النُّضار جسومَها وأذابَ في أفواهها البلورا
أُسْدٌ كأن سكونها متحركٌ في النفس لو وجدت هناك مثيرا
وتخالُها والشمس تجلو لونَها ناراً وألسنُها اللواحس نورا
فأي تمازج وتوحّد بين الصورة والشعر والنفس! ومن أشهر الأسد التي بقيت قائمة إلى اليوم، أُسدُ نافورة قصر السباع يغرناطة.
ويبقى مجال آخر غير متناهي الأبعاد، وهو مجال المخطوط العربي المصور والمزوق الذي ترجع مزوقاته إلى تاريخ مبكر، بدءاً بالمصاحف الكريمة على الرق، تتصدرها إبداعات جمالية هندسية اصطلحوا عليها بالإذهاب الكبير، إلى مخطوطات العلوم التي نُقلت في الترجمة برسومها النباتية، ووصولاً إلى مدرسة بغداد ومبدعيها.
وعوداً إلى البدايات، أشير إلى جداريات دينية مبتكرة غاية في الأهمية، ويحتاج تفسير موضوعاتها إلى إعادة نظر، تلك هي لوحة الرواق الغربي في الجامع الأموي بدمشق، وقد نشر عنها دي لوريه (E. De lorey )، سنة ،1931 في مجلة «سوريا» (Syria )، وانتشر بين الدارسين أن المشاهد تمثل نهر بردى وعلى ضفافه القصور والدارات والجسور؛ فأي معنى لتكرار الطبيعة في موقعها؟ وقد مكنتني إقامتي بعض الوقت في دمشق خبيراً للآثار الإسلامية بعد التخرج من الجامعة، أن أكثر التردد على تلك الآبدة المتفردة، وأعيد تأمل الفسيفساء، وأشهد أعمال الترميم التي كانت تجري بعناية الوقف، وكنت معها على مبدإ الحسن بن هانىء:
يزيدك وجهُها حسناً إذا ما زدته نظراً
وقد خرجت بتفسير مغاير ناقشني فيه أستاذي المرحوم أحمد فكري، ثم قدمته في مؤتمر الآثار السادس بطرابلس في شهر أيلول-سبتمبر سنة 1971، في الأسبوع الثقافي التونسي السوري بدمشق سنة 1975، وخلاصة هذا التفسير بدون مقدماته: أن الوليد - كما يذكر المقدسي - دفعته مؤسسات بلاد الشام المدنية والحضارية القائمة أن يصنع شيئاً متفوقاً يتلاءم مع قوة الدولة الإسلامية، وكان بعمله هذا يخطط أول مسجد جامع للدولة، ملتمساً في تخطيطه الوظيفة الروحية التي وضع أساسها مسجد الرسول بالمدينة.
وكانت الكنائس الكبرى في أنطاكية والرها والقسطنطينة يتّبع في كسوتها الفنية التأزير المرتفع بمربعات الرخام الأبيض ذي العروق الزرقاء؛ يقطع ألواحاً فيكوِّن تقابُلها معينات زخرفية بديعة، ويكسى الجزء الأعلى بالفسيفساء التي تستمد موضوعاتها من العقيدة بدءاً بصورة السيد المسيح ومريم العذراء؛ فاتجه اختيار الوليد لتبني الوجهة ذاتها في زخارف المؤسسة الدينية الأولى: أزَّر أسفل الحوائط بالرخام، ووجد في تصور الجنة كما رُسمت في القرآن الكريم أحبَّ شيء إلى قلب المسلم، ولم تكن اللوحة الكبيرة الباقية وما وصفه الرحالة والجغرافيرن مما اندثر من فسيفساء الجامع، تخرج عن موضوع المشاهد الباقية، وفيها «غرفٌ من فوقها عرفٌ مبنية تجري من تحتها الأنهار» (الزمر، 20)، وضمَّنها «قصوراً» (الفرقان، 10)، وأشجاراً «مَعْروشات وغير مَعْروشات» (الأنعام، 141). وقد التمس الصانع الفنان في رسومه أرٍقى ما عُرف من عمائر الطراز الروماني والبيزنطي، واستعار بعض النماذج الصينية لرسم السقوف؛ والتزم في كل مشاهد المسجد خُلوها من الكائنات الحية.
ولم يصلنا ما يفسر المفاهية الحضارية لعصر بني أمية، فقد طُمست أيام العباسيين، وسَلِم لنا خبرٌ استخلصه الجاحظ في كتابه «البلدان»، وحفظ لنا سنده المؤرخ ابن عساكر عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبان (75 - 165 هـ.)، يقول: «ما ينبغي أن يكون أحدٌ أشدُّ شوقاً إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدها» («تاريخ» ابن عساكر، 2:14).
تنتثر خلل كتاب «مذاهب الحسن» إفادات جزئية وفروع صغيرة وشواهد ووثائق وإشارات اقتضت مني التوقف والمراجعة والتعليق، وكلها لا يمس بأصل النتائج التي ارتآها الكاتب داغر، ولا تغير من جوهر النص:
في الحاشية (6) من الصفحة (65) يذكر الكتاب: «الحجارةَ المثبتة بالمونة أو باللِّبن»، والمونة عامية من «المؤونة»، من مصطلح البنائين، وهي الأخلاط المكونة من الجير والرمل أو ما أشبه ذلك، لتثبيت الحجارة إلى بعضها، ولا يزال المصطلح مستعملاً عند بنائي مصر إلى اليوم.
أما «اللَّبِن» فليس هو الطين مطلقاً، وإنما هو قوالب يبنى بدل الحجر والآجر، ويُتخذ من الطين المخمر وقطع التبن لتحقيق التماسك، ثم يجفف في الشمس، وله أحجام تختلف بحسب الجهات والحضارات التي استعملته. ونص السمهوري عن بناء مسجد الرسول واضح في تحديد أساليب البناء باللبن ومصطلح كل طريقة.
وفي الفقرة الثانية من «نقد كتاب العين» (ص 462) تحدث الكاتب عن ضرورة «التأكد من تاريخ وضع «كتاب العين»، إذ بدا لنا أنه موضوع بعد العام 134 هـ. بكثير من السنوات، وهو تاريخ اتصال المسلمين بعد فتح أرمينية بالورق من الأسرى الصينيين، بدليل أن الكتاب يتحدث عن «الوراق» وعن «صناعة الورق» ما يفيد أنه معروف تماماً، وموسوم بـ«الصناعة» كذلك عند وضع المعجم» (ص 463).
وينقل ابن النديم ما يذكره أبو بكر بن دريد من أن الكتاب دخل البصرة سنة 148 هـ.، جاء به وراق من خراسان، وكان في ثمانية وأربعين جزءاً، وكان ابن دريد يعلم بالكتاب، وأنه في خزائن الطاهرية، حتى قدم به هذا الوراق. وقد سبق خبرُ الكتاب قدومَه إلى البصرة، كما يشير إليه النص.
لكن ربط تاريخ «كتاب العين» بمعرفة المسلمين للورق يحتاج إلى وقفة.
فقد كانت معركة أطلح على ضفاف نهر طراز سنة 134 هـ. بين العرب، بقيادة زياد بن صالح، وبين أمراء الترك وحلفائهم الصينييين، ونُقل الأسرى إلى سمرقند، وكان بين أهل الصين منهم من يصنع الكواغيد، فنشر صناعته التي أصبحت مما تشتهر به سمرقند، وكانت التسمية الأولى لهذا الحامل الجديد هي «الكاغد». وفي أخبار علماء سمرقند، نجد نسبة الكاغدي كثيرة الانتشار. وقد بقي مصطلح «الكاغد» ممثلاً للمادة في أقدم كتب علم الخطاطة، هو كتاب «عمدة الكُتّاب» الذي أُلِّف للأمير تميم بن المعز الصنهاجي، صاحب المهدية في القرن الخامس للهجرة، ويذكر ابن خلدون أنها «لما كثر التأليف والتدوين ورسائل السلطان وصكوكه، وضاق الرق عن ذلك أشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد، واتخذه الناس من بعد، وبلغت الإجادة فيه ما شاءت» (المقدمة، 470 - 471).
وهناك خبر غريب يحتاج إلى توثيق أكثر، يشير إلى صناعة الكاغد في تاريخ مبكر، وهو أن يوسف بن عمر المكي اتخذ «الكاغد» من القطن في حدود سنة 88 هـ. بالحجاز، وأن موسى ابن نصير اتخذه بالمغرب من الكتان والقنب؛ فهل كانت هذه محاولات صناعة منفردة نقلها من عَرف الصناعة من الصين، ولم تنتشر بعدهما (الكتاني، التراتيب الإدارية، 2: 242)؟
ومصطلح «الورق» الذي جاء في «كتاب العين» ودفع إلى هذا الافتراض التاريخي، هو الرِّق، فقد عرّف ابن منظور الورق بأنه «أُدُمٌ رقاق، واحدتها ورقة، ومنها ورق المصحف، وأوراقه صحفه» (اللسان، مادة و. ر. ق.)، والأُدُم جمع أديم، وهو الجلد ما كان.
وقد لازم الورق معنى الكاغد لخفته، وبقي الاسم عند المغاربة لوقت قريب، وانفرد الرق بمعنى الورق، وهو صفة للورق، بمعنى المرقق في صناعته.
وأشار داغر في طلائع الكتابة العربية المبكرة التي ظهر فيها الإعجام، بردية سنة 22 للهجرة. وأذكر أنها ظهرت لأول مرة في «الموسوعة الإسلامية» ضمن بحث فرعي عن الكتابة العربية كنبه المستشرق الألماني موريتس، مدير »دار الكتب المصرية« وقتها، وقد أظهر أ. جروهمان بعد عقود أن تلك البردية هي قطعة من بردية كبيرة عربية ويونانية اللغة، وأن تاريخها الحقيقي هو سنة 124 للهجرة.
وأشار داغر باقتضاب إلى مراحل إصلاح الخط العربي ذي الأصول النبطية، بدءاً بعمل الحجاج في التمييز بين الحروف المتشابهة بالنقط والإهمال، وكان قد تقدمه أبو الأسود الدؤلي الذي ابتدع نَقْط النحو، ثم جاء الخليل بحركاته الثمانية، ومع أن المصحف ذا الخط الكوفي ظل إلى القرن الرابع لا يستخدم غير نقط النحو، ويحافظ على صورته التي ظهر بها منذ القرن الأول، فإن حركات الخليل لم تُوجد على مصحف كوفي الخط قبل سنة 410 هـ.، حيث ظهرت بألوانها ووضوح رموزها من صاد الوصل وكلمة المد وواو الضم إلى آخر ذلك، ظهرت على مصحف كتب بالخط الريحاني كما سُمِّي في سجل قديم قريب العهد من سنة النسخ، وكتب هذا المصحف علي بن أحمد الوراق لحاضنة باديس بن المنصور الصنهاجي بالقيروان.
وذكر داغر مصحف إستانبول في مصاحف القرن الأول للهجرة، ومصحف سمرقند الذي يذكر أنه منقول من مصحف عثمان، وربما يعود إلى القرن الأول أو الثاني (ص 349 و347)، فهذان المصحفان - وقد فحصتهما - يرجعان إلى القرن الثالث، ولا يوجد من القرن الأول نص مؤكد، ولدينا من القرن الثاني بعض قطع صغيرة على البردي، وورقات عثر عليها في مجموعة سطح جامع صنعاء باليمن، على صدر الورقة الأولى من المصحف صورة قصر خيالي يذكِّر بقصور فسيفساء جامع دمشق، ويعود إلى أول القرن الثاني الهجري؛ وأوراق كتبت على الرق بالخط الحجازي المال، وقطعة كبيرة من مصحف حجازي مماثل محفوظ بـ«مركز رقادة» الذي يشتمل على مجموعة جامع القيروان.
ونشير إلى عدد من المصاحف ذات التاريخ المدلس، يشار في آخرها أنها بخط علي بن أبي طالب أو عبد الله بن سعد بن أبي سرج أو أنه نُقل عن مصحف الخليفة عثمان.
إن عمل الدكتور شربل داغر، بحسب ما يهدف إليه، بداية تمهد الطريق في مقطع مهم من مقاطع الفن هو اللغة.
ويأتي بعد ذلك ما يمكن أن يحقق وجود منهج تكاملي، لا يقف أمام الوصف والسرد المبتور الجامد للأشياء كما نرى ونقرأ، وإنما يمتد إلى بيئتها واستعمالاتها ومواد صناعتها وعلاقتها بما هو مدون من معرفة وفكر وأدب وفقه؛ ثم نقرأ من خلالها منزلة الإنسان فيما جوَّده من فن وإضافة من نفسه وعقله، وكيف طوع المواد بيده المتذوقة، ومدى معرفته بكيمياء عصره التي أفاد منها في خلط أصباغه وكيف كانت معرفته بالأكاسير ونِسَبها وعلاقتها بالنار ليصنع خزفه ذا البريق، والمتعدد الألوان.
وأن المخطوط ليس نصاً مسجلاً على حامل، وإنما هو معرفة وصناعة كانت لها مصانعها وأسواقها وتجارها وفنيوها من الحبَّارين والمزوقين، والمجلدين الذين يحدد شروطهم صاحب «عمدة الكتاب» المهدوي، فيذكر أن «ملتمس هذه الصناعة يحتاج إلى سرعة الفهم وجودة النظر وحلاوة اليد، وترك السرعة، والتثبت والتأني، وحسن الجلوس، وملاحة الاستمالة، وحسن الخُلق». ولكل فرع وتخصص شروط ذاتية وشروط عامة ومصطلح »صَنْعة« معجمي بأسمائه وأفعاله وصفاته وأدواته وآلاته.
إن محتوى هذا الكتاب ومنهجه والمجموعات الدلالية المكونة لحقل »الجمالية« الدلالي كما انتهى الكاتب إلى تأليفها، تقتضي وقفات طويلة للمدارسة الطويلة وتداعي البيانات في أكثر من مسار، لأن هذا العمل يكوِّن مدخلاً جديداً سيكون له أثر في تطوير الفكر الجاد الباحث في حقل دراسة علم الآثار الإسلامية وفنونها. وهذا العمل الجريء - بعلم كاتبه - بحاجة إلى طول النفس والإطلالة على آفاق أخرى، وأن يتصادى لدعوته المشتغلون الجادون من ذوي النمط الصعب في فهم مجال الفن الإسلامي.

(أمين عام المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، عَمان، "المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة"، 1999).