صار الفن تعبيرا وسؤالا عن ذاته، ولم يعد الفن مقاما مطمئنا للعين. إنه سؤال شائك لا يفتأ يعيد تدوير وطرح نفسه أمام كل جواب ممكن، كأن كل الأجوبة غير مقنعة أو كلها صائبة، فتحتمل أن تقيم في اللانهائية. حيث كلما تأملنا ما يجري في المعارض والفضاءات، برز الإشكال الذي يعاد تدويره دائما منذ عصر "بليني الأكبر" (القرن الأول الميلادي): هل "مات الفن" فعلا، أم أنه عاد إلى ولادة لا تهدأ؟ حين نقرأ أن اللوحة [القماش على الحامل] التي سيطرت لخمسة قرون فقدت مكانتها كأيقونة الفن وملاذه، نفهم أن الأمر لا يتعلق بزوال، وإنما بانتقال، فكل عمل جديد يكشف أن الحدود لم تعد منغلقة، وأن مجالات التعبير خرجت إلى فضاءات لا عهد للفن بها من قبل. فما يتبدى أمامنا اليوم كون التجربة الفنية أضحت ضربا من الحياة، لم تعد مجرد موضوع للجمال.. إذ تتقاطع مع المؤسساتي والذاتي ومع التقنية والسوق، وكذلك الزوال والاستهلاك والانفلات، بالإضافة إلى قضايا الهنا والآن (الهجرة، الجندر، التعدد الهوياتي والثقافي، الحرب، الذكاء الاصطناعي...) وهموم الإنسان المعاصر، لتعيد طرح السؤال حول إمكان تحديد ماهية الفن في الراهن.

هذه الأبعاد وغيرها هي ما يعمل المفكر الجمالي والكاتب اللبناني شربل داغر على مقاربتها في مؤلفه النقدي الصادر مؤخرا، سبتمبر 2025، عن دار خطوط وظلال (الأردن)، "نقد الفن المعاصر: التجليات، التعبيرات، التداول". حيث يقول داغر: "لم يعد العمل الفني يولي استثارة الانفعال أي أهمية، منصرفا إلى جعل الفن مادة للتفكر، للمراجعة، في أعمال باتت تحيد عن أساسيات التصوير في قديمه، و'حديثه'" (ص. 23). إذ يدفعنا بهذا القول إلى معاودة النظر في المرجعيات المؤطرة لتعريف الفن، والمشهد الفني الراهن.. فلم يعود ممكنا الاكتفاء بالتصنيفات التي قسمت الفن إلى رسم وتصوير صباغي ونحت. فما يظهر اليوم يدفعنا إلى مغادرة هذه الحدود، لأن العمل الناشئ يتخذ شكلا آخر: تركيبيا، أدائيا، رقميا... لا يقاس بالمعايير القديمة، ولا يدخل في امتحان "الجميل" وحده" (ص. 6). ولأن الفن صار يتصل بتجارب تتجاوز اللوحة إلى الصورة المتحركة واحتفالية العرض والحدث العابر والفضاء التفاعلي، فإن الخطاب الذي يتناوله ينبغي أن يغير أدواته وأن يفتح أفق النظر على ما هو حادث، لا على ما رسخ في القواميس الأكاديمية. عندها يصبح كل عمل معروضا بوصفه فنا ما دام يقترح تجربة لها أثر وتداول، لا ما دام مطابقا لتعريف سابق. ههنا نلمح التحول الذي يجعل المعاصر لا يعني مجرد امتداد زمني، بقدر ما يعني إعادة ترتيب العلاقة بين الفن ونظامه، وبين العمل ومتلقيه، وبين الفنان ومؤسساته.

تتصل هذه المسألة بالزمن ذاته، فالفن الذي قيل عنه إنه "قد انتهى" يثبت حضوره بطرق أخرى. إذ يغدو وجوده مثل زمن مركب، مستقبل سبق حضوره، ما سماه الكاتب بـ "المستقبل المسبوق" (ص. 13)، أي أن العمل يولد في الحاضر بوُعود لم تأت بعد، ويُرى كما لو أنه صيغ ليكون ذا أثر لاحق، لا مجرد موضوع في اللحظة. يتحرك الفن المعاصر، بهذا المعنى، داخل زمن مزدوج، ليعيد صوغ الماضي ويقترح صيغا افتراضية للمستقبل، فيكون العمل نفسه وعدا وتجربة في آن. وهكذا يغدو كل عرض فنا بما يَعِدُ به، لا بما هو عليه فقط.

حين نتذكر دوشان وأعماله الأولى في العقد الثاني من القرن العشرين، نفهم أن تلك المبادرة التي أتت بالجاهز إلى فضاء العرض لم تكن لعبة عابرة، فقد كانت قلبا للمجال ذاته. إذ حولت الشيء العادي إلى علامة فنية عبر التسمية والقرار. فالفنان لم يعد ينجز عملا بيده، وإنما يعلن عملا فنيا عبر اصطفائه واقتراحه وإعلانه كذلك، "بفعل مشيئة الفنان نفسه، وبفعل قبول صالة عرض، أو جمعية فنانين، على استصدار بطاقة ثبوتية له، "بطاقة ميلاد" بوصفه من أعمال 'الفن'" (ص. 20). فتح هذا الفعل الباب لتحولات لا تزال تتردد حتى الآن، لأن الفن منذ ذلك الحين بات مشروعا لإعادة تعريف نفسه باستمرار، وصارت كل تجربة تحمل شبهة القطع مع ما قبلها، معيدة تأسيس العلاقة بين المفهوم والمادة. فإذا كان العمل الفني سابقا يقوم على المهارة اليدوية، فإن المعاصر يضع الفكرة في المقدمة، ويجعل من الشيء مادة لإثارة الفكر قبل أن يكون مادة لإمتاع الحواس.

جعل هذا الانقلاب الفن يتحرك داخل فضاء التداول أكثر مما يتحرك داخل فضاء الجمال وحده. السوق، المعارض، المؤسسات، كلها باتت عناصر في تشكيل معنى العمل، حتى أضحى الفن لا يقوم فقط بما يقدمه الفنان، وإنما أيضا بما يُتداول عنه، بما يُقال ويُكتب ويُسوّق. ولا يُعرّف العمل الفني في المعاصر بذاته فقط، ذ يُعرَّف أيضاً بما يُتداول حوله؛ أي بما في ذلك من خطابات بكل أصنافها وألوانها "الإستتيقية" أو "الفلسفية" أو غيرها، إلى حد لا انفصال بين العمل الفني وما يدار حول من خطابات، و"هكذا خرج الخطاب الجمالي من درس المتعاليات إلى درس التجارب والإنتاجات" (ص. 108). ومع هذا التحول، دخل الفنان في علاقة جديدة مع الجمهور، علاقة لا تقوم على قدسية أو تبجيل.. ولكن على العكس، تقوم على عقد تداولي يجعل اسمه ذاته علامة تجارية، ويحوّل التجربة إلى واجهة للتسويق، حيث قد تغدو الشهرة بديلا عن القيمة الفنية: صار الفنان نفسه "سلعة إلى جانب عمله" (ص. 71). وهنا يطرح السؤال: أين تكمن حقيقة العمل، في جوهره أم في أثره؟ في ما يقدمه كابتكار أم في ما يحدثه من ضجة واهتمام؟...

ولا يمكن فهم المعاصر بعده طورا تاريخيا فقط، لأنه يزعزع الفواصل التي ميزت بين الحداثة وما تلاها. فإذا كانت الحداثة ارتبطت بمشروع شمولي يتطلع إلى الطليعة وإلى تأسيس قطيعة مع الماضي، فإن المعاصر يكشف عن مشهد موزع، لا مركزي، يتغذى من العولمة ومن السوق الدولية، حيث المعارض الكبرى مثل البينالي والدوكومنتا صارت مسارح للتجارب التي تختبر معنى الفن (ص. 210). يقول في هذا الصدد المفكر جاك رانسيير: "لا يُعرّف المعاصر بالزمن، وإنما بالانقطاعات في توزيع الحسي" (تقاسم الحسّي، ص. 25). يغدو هنا الفن مختبرا سياسيا بقدر ما هو إستتيقي، إذ كل عرض يصبح موقعا لصراع حول من يملك الحق في تمثيل المعاصر، أي من يملك شرعية الحديث باسم الراهن.

يكشف لنا كتاب داغر أيضا فقدان ما سماه والتر بنيامين "هالة" العمل، أي ذاك الحضور المتعالي الذي كان يميز اللوحة أو المنحوتة. فبفقدانه الهالة لم يعد العمل الفني هيناً بالخلود، إذ غدا عرضة للتكرار والاستعمال والتداول، ما قد "يمهد السبيل لبلوغ ديمقراطية ثقافية"، كما يذهب داغر (ص. 83). ومع ذلك، هذا الفقدان لم يقد إلى ديمقراطية كاملة في التلقي، إذ قاد إلى اندماج أعمق داخل آلية الاستهلاك الإعلامي، حيث الصورة تُستعمل وتُستعاد بلا توقف. بذلك صار الفن مهددا بأن يذوب في خطاب الموت ذاته، لأن الاندماج في وسائل الإعلام قد يحوّل العمل إلى صورة مستهلكة تفقد خصوصيتها. إلا أن في هذا الذوبان أيضا طاقة أخرى: أن يغدو العمل جزءا من الذاكرة الجمعية، وأن يشارك في بناء معانٍ جديدة عبر تكراره وانتشاره.

والتداول هنا لا يقتصر على السوق المادي وحده، كما يشمل فضاء الذاكرة الرقمية، حيث المتحف فضاء افتراضيا تتحرك فيه الصور وتُعاد إنتاج قيمتها (ص. 34–35)، متجاوزة كونها مبنى للعرض والحفظ. بهذا المعنى يغدو كل هاتف محمول متحفا صغيرا، وكل شاشة معرضا مفتوحا، تتجدد فيه الأعمال عبر نسخها ومشاركتها. في هذا الفضاء لا يعود الامتلاك الفني قائما على الحيازة المادية، ولكن على التداول والانتشار. وهكذا يتغير معنى الحفظ ذاته، إذ المتحف شبكة للعرض الدائم، لا مكانا لحراسة "الموتى" (بتعبير أندري مارلو).

وإذا عدنا إلى الحكم الجمالي الذي كان يتأسس على الانفعال أمام الجميل، فإننا نرى أن المعاصر يعيد صياغته بشكل مختلف. إذ الحكم هنا لم يعد يقترن بالطبيعة أو بالمطلق، وإنما بات محصورا في التجربة الفنية ذاتها، وفي ما يحدثه العمل داخل سياق عرضه، فالحكم الجمالي لم يعد يتجاوز المعرض إلى الطبيعة، وإنما استغرق في التداول الفني وحده (ص. 100). وهكذا يفقد الحكم شموله ليصير جزءا من آلية داخلية للفن، ما يعني أن الجمالية [الإستتيقا] القديمة لم تعد قادرة على تفسير الأداء أو الفيديو أو التجهيز. إنها أعمال تقاوم أن تُحصر في معايير الجمال وحدها، وتفرض علينا مقاربة جديدة تتعامل معها بوصفها تجارب مفتوحة.

وبالتالي، يكشف لنا الكتاب في أن الفن اندفع صوب منطق جديد، ولم يتوقف عند حدود الأكاديمية أو الذوق الموروث، إذ إنه تحول من كون الغرض الفني موضوعا للتمتع إلى كونه موضوعا للفكر عبر ما ينبني عليه من مفاهيم. في هذا المعنى، يكون العمل فنا لأنه يفتح أفق التفكير، أي لأنه يدعو إلى مراجعة ما كنا نعده بديهيا، لا لأنه يحقق متعة حسية فقط. إن ما يُطلب من المتلقي لم يعد محصورا في الانفعال أمام الجمال، فقد بات من الضروري المشاركة في إنتاج المعنى المرجأ على الدوام، سواء عبر الحضور في العرض، أو عبر التفاعل الرقمي، أو عبر إعادة تداوله. المعاصر بهذا المعنى يقاس بما يولده من أسئلة واستجابات، لا بما يحتوي العمل أو يعرضه فحسب.

(جريدة "العلم"، المغرب، 30 نيسان-ابريل 2026).