مثقف، مفكر، مبدع، أكاديمي رصين، أديب وشاعر وناقد وباحث ومؤرخ. كتب الشعر ودرّسه، كتب الرواية ودرّسها وحققها، درس فلسفة الفن وتاريخه، بين الفن الإسلامي والفن العربي الحديث، درس تاریخ بلدته تنورين، كتب بالعربية والفرنسية. أصدر أكثر من ٦٠ كتاباً وعشرات البحوث المحكّمة ومئات الدراسات والمحاضرات والاف المقالات الصحفية.

كان للحركة الثقافية - انطلياس شرف تكريمه عَلَم ثقافة في لبنان والعالم العربي - رعيل ۲۰۱۸.

وها هي الأمارات تكرمه وتهديه جائزة كبار نوابع العرب.

هذا هو الصديق شريل داغر الذي يجمعنا هذه العشية عند كتابين جديدين صدرا مؤخراً.

في "الخروج إلى الشارع" الذي هو أوسع من سيرة ذاتية. نجد فيه الإطار العائلي، ووصفاً للوضع الإكاديمي في كلية التربية وانحياز المؤلّف لأدونيس وميشال عاصي والمطران خضر وأنطون غطاس كرم وخليل حاوي، وخروجه من العائلة إلى عتمة الفضاء السفلي لكافيتريا كلية التربية التي أقام فيها واعتاد عليها مثلما اعتاد عليه ملتزم الكافيتريا أسعد سلامة وأخوه. له كما لغيره، زاوية جلوس فيها. والاجتماع حول طاولاتها قلما يكون بين أصدقاء أو زملاء، بل أقرب إلى حراس حدود وهمية.

 

ويقر بأنه تخرج منها أكثر مما تخرّج من صفوف الكلية. فضّلها على كلوني وباقي مقاهي باريس.

فيها خريطة حياته النضاليّة: رفاقه يذكرهم كلهم شابات وشباب خصوصياتهم ومقالبهم ومغامراتهم، اسمه الحركي (أياد) في التنظيم، يترقى من ناطق باسم لجان العمل الطلابي في كلية التربية إلى المسؤول الإعلامي في التنظيم. يدفع ربع ليرة كاشتراك يوزع المناشير النقابية والسياسية، يبيع نشرة "الحرية" يشارك في تنظيم التظاهرات، يصوغ مع رفاقه بعض الهتافات. ويذكرنا بتظاهرة المطار عندما سقط فيها أكثر من ٤٠ جريحاً (وقد سقط فيها هو جريحاً وأغمي عليه) وكذلك المظاهرات الطيارة.

 

يصف بدقة قاعة الجمعية العمومية حيث لم يبارح منصتها العالية أو مقاعدها الواطئة حتى خروجه النهائي من الكلية. يذكر حدة الكلام الذي يصل إلى حد التلاسن في أسرع وقت. يسرد الإنشقاقات التي حصلت في المنظمة وخلفياتها ويصف العلاقة مع باقي القوى، الحزب الشيوعي ومنظمة الطلاب الإشتراكيين وحركة الوعي وغيرهم، كما يصف دقائق المفاوضات في الإنتخابات الطالبية والتنسيق في الإضرابات والتظاهرات.

يعرض المؤلف بشجاعة علاقاته العاطفية مع ليلى، وكوليت، ونادية، ودوروسّا الألمانية في مؤتمر برلين للشبيبة، وماري التي كانت يمينية وتعرف عليها في نادي السينما والتي أصبحت لاحقاً زوجته وهي التي أنقذته من جحيم الحرب. هذه الحرب التي كان فيها شريل ولكنه دون تهيئة عسكرية ومن دون قطعة سلاح، وحتى لو حملوه فرداً لا يعرف استعماله ويبقى بدون رصاص. هي الحرب التي أجبرته على النوم والقيام في قلب جمهورية الفكهاني ويسجل المؤلف رفضه حمل اسم مستعار لا يبرز انتماءة الديني - كما فعل آخرون - ورغم خطفه مع مراسل صحفي فرنسي إلى مكتب فلسطيني والإفراج عنه فقد بقي مصراً على موقفه. وعندما هدد من قبل السوريين اضطر للهجرة بحراً من صور إلى قبرص وحتى الثياب التي كان يلبسها لم تكن له، ومن دون كتاب، سوى كتاب وحيد أصابه حريق خفيف في دفته الأخيرة، بعد أن سلمه أياه أحد المقاتلين أثر "غزوة مجيدة". خرج عارياً تماماً مثل لقيط فوق رصيف وماري هي التي أنقذته.

 

انطلاقاً من هذا العرض الموجز لهذا الكتاب البالغ الأهمية، أسمح لنفسي أن أعلق ببعض الملاحظات:

 

۱ - شربل ينتمي إلى جيل حلم بتغيير جذري للمجتمع عن طريق الثورة نحو مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، وربط التغيير في لبنان بالقضية الفلسطينية.

٢ - بعد ٤٣ سنة يصرح شريل، "علاقتي بالسياسة الحزبية -لمدة ست سنوات- كانت نوعاً من الحلم.

الحلم بعالم مختلف إلا أن فيها - على ما تبينت كثيراً من التوهم".

٣ – "تبدّت لي -يقول شريل- فوق أكثر من حاجز عسكري، لبناني، وفلسطيني، إنني لست يسارياً، بل وليد مذهب بعينه ... تهاوت أحلام كثيرة، بل تمزقت وتحولت إلى جثة، مشوهة في حرب".

٤- "كنا يقول أيضاً - أشبه بمثقفين وكتاب لبيئات غير بيئاتنا ... بمعنى عدم التناسب بيننا وبينها"

ه - ذكر الصديق شريل إسمي وإسم حركة الوعي مرات عدة. حسبي أن أشير إلى أن احترامي لشربل، منذ تعرفت عليه، كان ثابتاً ولا يزال. ولقد كان التباين بيننا يرتكز على نقطتين جوهريتين:

أ-  لا أولوية على مصلحة لبنان الدولة والمجتمع، وتأييدنا لعدالة القضية الفلسطينية لا يجبرنا أن نكون أداة للفلسطينين، أو نتوهم أن التغيير في الوضع اللبناني يتم عن طريقهم.

ب- إن البُنية الطائفية المعقّدة في لبنان، لا تسمح بالتغيير العنفي للنظام بقدر ما تحصل عن طريق الضغط الديمقراطي المنظم. وما حصل ويحصل من تفكك المجتمع وانهيار الدولة كفيل بأن يعطينا العبر والدروس الغنية بمعانيها.

وعلى كل حال لا يمكننا إلّا أن نسجل الشكر العميق لمؤلِّف هذا الكتاب الغني بأدبه الرفيع، ودقة معانيه، وروحه النقدية الشجاعة. والأهمية الاستثنائية لهذا المؤلف حملتني أن أسجل تجربتي الشخصية في كتاب، آمل أن أستطيع إنجازه في مُقبِل الأيام.

 

ثانياً: "الثورات العربية والسلطنة العثمانية: استعصاء السياسة":

بالنسبة للكتاب الثاني يلاحظ المؤلف أن قيام الدول العربية يعود إلى عمليتين متوازيتين:

- استخلاصها من التاريخ العثماني

 

- معاينة حراكها الإجتماعي - السياسي

ويتوقف الكتاب عند العملية الثانية ساعياً إلى درس تغيراتها، مركّزاً على حراك العوام وإلى

بروزهم طرفاً في الصراع والتشكل .

يستهدف الكتاب إذن ابراز قوى "اكسترا عسكرية" من نخب ومجموعات تسعى إلى اكتساب موقع في أي مستوى من جهاز الحكم. وفي هذا السياق يركز على القوى المحلية (الأسر كالمعنيين والشهابيين وآل العظم الخ...)، وليس على القوة المركزية العثمانية (بقواها وأجهزتها) وليس على قوة المماليك.

على الصعيد الجغرافي ركز المؤلّف على ثلاث مجموعات: شبه الجزيرة العربية، ابتداءً من أواسط القرن الثامن عشر، وعلى القاهرة من نهاية القرن الثامن عشر أيضاً، وجبل لبنان ابتداء من مطالع القرن التاسع عشر.

وفي هذا السياق يتوقف الباحث عند ظاهرتين:

- قيام ثورات أو قومات" أو "عاميات" أو "هوجات" ضد الإدارات السياسية - العسكرية المحلية.

- والسعي إلى بناء إدارات سياسية جديدة.

والكتاب يتألف من أربعة أقسام وعشرة فصول مع مدخل وخاتمة.

ارتكز بحث الدكتور شريل على أكثر من ١٢٥ مصدراً ومرجعاً بالعربية والأجنبية. ولدي الكثير لأقوله عن هذا المؤلّف. لكن حدود إدارتي لهذه الندوة لا تسمح لي بمزيد من الوقت. ولكن حسبي الإشارة إلى أن المؤلف برهن أنه طويل الباع في عمق التحليل والفهم الدقيق الصعوبات الثورة في إطار المجتمعات العربية التي كانت تشكل جزءاً من السلطنة العثمانية.

 

  ( مداخلة الدكتور عصام خليفة، في ندوة نظمتها "الحركة الثقافية" - انطلياس في الخامس من شباط-فبراير 2026، بمشاركة : د. خالد زيادة، ود. محمد علي مقلد، ومؤلف الكتابين)