كتب شربل داغر شعرا داخل القصيدة وخارجها ، وأنشأ – على مدار عقود من الزّمن – نصوصا طافحة بالفكرة واللّون واللّغة والخطوط ، وبنى " أنطولوجيا شعريّة " مُغايرة خرجت بالشّعر من فنّ مَحضٍ إلى فنّ مُركّب ، ومن الجماليّ الخالص حيث التلقّي ، معه ، عقل واحد ، إلى الجماليّ الفلسفيّ ، أين ينفتح هذا العقل الواحد على عقولٍ شتّى ، ولذلك انتصر شربل داغر في كلّ ما كتب إلى التفكير والتّأويل لبناء شعر عربيّ جديد منفتح على الفنون جميعها وناقدٍ يدفع بالثّقافة العربيّة صوب العقل والاجتهاد بدل النّقل والاقتصاد.
حاورت "العرب" شربل داغر ، من أجل سبر أغوار هذه الفلسفة الجماليّة الممتدّة في الزّمن .. وفي الفكرة.
- كيف تصف مسارك الشّعري من "فتات البياض" إلى دواوينك الأخيرة؟ هل تراه تراكما هادئا أم قِطع شعريّة متجاورة ؟
= يضعني السؤال في موقع الناقد، أو الدارس، لشعري عبر مجموعاتي الشعرية المختلفة، من أولها حتى الأخيرة منها. هذا ما يتاح لي بصورة تلقائية عندما أعد أنطولوجيات أو مختارات لشعري، لإصدارها هنا أو هناك. هذا السؤال صعب، إذ إن الشاعر لا يخطط تماماً لمساره الشعري، ولا لمجوعة أو أخرى من شعره، حتى حين يتخذ فيها ولها خيارات بعينها، لجهة ما قد يبدأ به، أو ما يريد التوجه صوبه. ذلك أن الشاعر منغمس في القول الشعري، ويتجلى فيه أبعد من أي قرار أو وجهة، حتى لو طلبَها بمحض الإرادة.
لا أتهرب من السؤال، إلا أنني أجد صعوبة في الإجابة. ما يمكنني قوله هو أنني لو عدتُ إلى مجموعتي الشعرية الأولى، "فتات البياض"، لوجدتُ في صفحة الغلاف الأخيرة كلاماً إيضاحياً عنها، يتحدث عن التخلص من "أسلوبية" سارية في كتابة هذه القصيدة قبل الثمانينيات من القرن الماضي، ويتحدث كذلك – في صورة إيجابية، هذه المرة - عن التوجه صوب "الكتابة المتعددة". لو جرى طرح السؤال : هل توافق على هذه الوجهة لشعرك في الوقت الراهن، لكنتُ أجبتُ بنعم، ولأضفتُ إليها المزيد.
هذا يعني أن توجهي الأول، أو خياري الابتدائي في كتابة هذه القصيدة عنى طلباً في التوجه، وطلباً في التطلع. وهو ما كنتُ أتبرم منه، في بداياتي، إذ وجدتُ في بعض شعر هذه القصيدة حينها مقادير من الغنائية ما كنتُ أستسيغها، ومقادير من الخطابية العالية في التوجه إلى مخاطَب في "موضوعات" سياسية و"وطنية" أليفة ومعتادة. لو سألتَني، اليوم، لأجبتُ بأنني لا زلتُ لا أستسيغ هذه، ولا أتقدم صوب مجالاتها. أما الطلب الآخر، وهو "الكتابة المتعددة"، فهذا ما تابعتُه في مجموعاتي، حتى إنني بلغتُ في إحداها، "ترانزيت"، التمسرح البصري؛ وهو ما تابعته في نصوص أقصر في مجموعاتي الشعرية الأخرى.
هذا يعني، في مجموعه، أنني لا زلت أمضي في ذلك الدرب القديم والبعيد، من دون أن تكون تنقلاتي فيه هي ذات الخطوات السابقة.
- تجمع في مسارك بين الشّعر والبحث الأكاديمي والفنيّات البصريّة، كيف أسهم هذا التعدّد في تشكيل صوتك الشّعري؟
= هذه العناصر وغيرها اجتمعت مؤكداً في شعري، بمحض الإرادة أو بصورة انبثاقية غير مقصودة. هذه الذات الكاتبة، هذه الذات الشاعرة، تمضي في القول من دون فصام أكيد، ملتمة على كينونتها، على أن لها انشدادات وإمالات في التعبير، ما يلتقي ويتبلور في لحظة القصيدة، التي هي سابقة بمعنى ما، من جهة، ومقبلة على الانكشاف، من جهة أخرى. لهذا لا أتخلى عن أي من العناصر المذكورة في سؤالك وغيرها أيضاً، ولكنني لا أعلن عنها بوصفها مقاصد محكمة في تدبير القصيدة. هذا يعني – لو شئتُ التبسط في الإجابة – أن القصيدة لا تنتظم عندي من دون ما قاله الجرجاني في قديم البلاغة عن "الضبط والربط" في بناء القول. وهو يعني، في شعري، أن يكون للقصيدة، كيانٌ، بناءٌ، في اجتماعها وتشكلها وتجليها الأخير، أي ألا تكون مثل التسرب أو علو الصوت الانفعالي، والخطابي... وهو ما له ضرورة مزيدة، في تقديري،
مع القصيدة بالنثر، إذ إن خلوصها إلى هيئتها الأخيرة، قد تعني التفلت والتراكم من دون وجهة تأليفية، ولا جمالية. هذا ما تطلبه قصيدتي كذلك لجهة تكوينها البصري؛ وهو أبعد من البصري نفسه، إذ يعني – في قصيدتي – التطلع إلى بناء كيان، ما له مقصد يتعين في "إراءة" عالَم يتجلى في القصيدة، إلا أن له عناصر أخرى، مزيدة، في خروجها وانكشافها في لغة التعبير.
- يُنظر إلى شعرك بوصفه شعرا "تجريبيّا"، هل ترى التّجريب اختيارا واعيا أم نتيجة طبيعيّة للبحث في اللّغة؟
= جرى إطلاق غير صفة على شعري من قبل نقاد ودارسين، مثل الحديث عن : "التجريب"، أو عن شعر "مابعد حداثي"، أو عن "شعر اللحظة"، أو عن "شعر المشَّاء"، أو عن "شعر الحياة" وغيرها. وهي صفات لا أتبرم منها، وإن كنتُ لا أتبناها بالضرورة. هي تعني، في كل صفة على حدة، ما تلقاه هذا الدارس أو هذا الناقد في تعامله مع قصائدي. وهو ما لا يسعني رفضه، بالتالي، بل أقرُّ به، وأتعامل معه مثل معطى في مدونة شعري.
لو أردتُ الجوابَ على سمة "التجريب"، المذكورة حصراً في سؤالك، لقلتُ بأنني خضتُ في غمارها، في تجريب إمكاناتها وتعبيراتها، في شعري الأول. هذا ما يصح في عدة جوانب بينة في هذا الشعر : مثل تعويلي على حوار في قصيدة، وهو ما لم يكن معروفاً حينها إلا في المسرحية الشعرية؛ أو في تعويلي على حروف في الأبجدية العربية بوصفها دالاً ومدلولاً في مرامي القصيدة، أو في تعويلي على نبرة هازئة، أو نزقة في القول، أو في تبرمي، بل من سخريتي من "أسطورة البطل" الدرامية، الخلاصية وغيرها.
- كيف توازن بين انفتاح القصيدة على أشكال جديدة، وحفاظها على توتّرها الشّعري وطاقاتها الدّلاليّة ؟
= أرتاح للغاية في الحديث عن "انفتاح القصيدة"، ومنه على "أشكال جديدة"، وهو ما يناسب الكثير من قصائدي، على ما أعتقد. وهذا يعني، بالتالي، في كلامي عن شعري، أن الانفتاح يعني التعدد، وهو وجه ممكن لإحداث التوتر في تعبيرات القصيدة. فالتوتر يعبر عما هو أشد من النبض، ومن السريان، ومن التوجه الهانئ صوب ارتسامات متوقعة، أو مطلوبة للقصيدة. فما أتوجه صوبه يقع في الهجس، في التردد، في تنقلات غير محسوبة، ما يبقي القول الشعري في لحظة انبثاق، في إتيانٍ مقبل.
كما أن الحديث عن التوتر يناسب الحديث عن مفارقة الدلالة المألوفة لما اعتادت عليه، إذ إن القول الشعري يكون – في هذه الحالات أو اللحظات – في تدفقه، في تفتحه، في يقظة عالية لما هو عليه الانفعال في عيش الكينونة لوجودها.
- يحتلّ المكان حضورا لافتا في قصائدك ، هل هو خلفيّة سرديّة أم عنصر بنائيّ يُشكّل القصيدة من الدّاخل ،و هل تكتب المكان بوصفه ذاكرة شخصيّة أم تجربة إنسانيّة مشتركة؟
= هذا صحيح، إذ إن القصيدة لا تنبني في شعري – وهذا خيار ابتدائي – من دون أن تكون بناء في حد ذاته. وهذا ما انتفى كثيراَ في الشعر العربي القديم، أو في بعض الشعر العربي الحديث، إذ إن هذا الشعر يتعين في أشكال متعددة ومتباينة من التخاطب، بين الشاعر المتكلم والممدوح، وبين الشاعر المتكلم والمخاطبة الحبيبة، وبين الشاعر المتكلم والمخاطب الميت، وبين الشاعر المتكلم والمهجو، إلى غير ذلك. هذا ما نجد غيره في بعض الشعر الجاهلي، وفي بعض الشعر العباسي (مع بشار بن برد وأبي نواس وابن الرومي وغيرهم)، حيث نتحقق من أن القصيدة لا تتعين وحسب في مكانية بعينها (الصحراء والطلل، والمجلس، والحانة، ومشاهد الطبيعة وغيرها)، بل تسعى، في أحوال، إلى نظم القصيدة في مكانية موازية.
هذا ما اتسع بقوة أكبر مع القصيدة العربية الحديثة (مع التظاهرة، والمقهى، والغرفة، والشارع وغيرها)، بسبب من انفتاح هذه القصيدة على السرد، سواء السياسي والاجتماعي أو الفردي، ما أتاح البوح والتذكر في آن.
هذا ما يتعين في قصائدي، في ذلك الارتكاز المطلوب لعالمها، على أنه مكان قيد التشكل، بين أحواله واحتمالاته، بين ثبوته وتعاليه. فقصيدتي، إذ تدلف إلى مكان، تعايش وجوداً مغايراً لما هو عليه معتاد العيش فيه، أي تتطلع إلى عيش مختلف، يبسط السرير بطريقة مختلفة، ولا يبقي الوسادة "خالية"...
- كيف يتفاعل شعرك مع الواقع العربيّ اليوم ، بالتّسجيل الواقعيّ ، أم بإعادة خلقه شعريّا و هل ترى الشّعر قادرا على مساءلة العالم، أم أنّه أصبح عاجزا عن إحداث تأثير ما ؟
= أتابع بالطبع ما يجري، وهو ما يتجلى عند الإقدام على الكتابة، إذ تنبثق فيها مواجع أو مباهج، وتحققات مما يجري، وتطلعات إلى ما هو غيره. فالقصيدة ليست تسجيلاً لما يجري، ولا تفاعلاً تخاطبياً مع ما تستثيره الأحداث الجارية. فهي ليست ملحقاً، ولا تعليقاً، ولا عرضاً أو شرحاً لما يجري. إذ إن لها ما يؤسسها، ويبنيها، ويجعلها تتعالق مع خارجها، على أن لها كيانها القائم بنفسه.
وهذا يعني أن القصيدة تتساءل، ويؤرقها ليل المعنى، ما دامت تستطلع بعض المكنون، بعض الصمت، وتمضي في استحداث ما هو ممكن أو مرغوب في استعصاء الجاري. وهذا لا يعني أنها قادرة على إطلاق تظاهرة، أو أن تكون قذيفة في خسران السياسة، بل يعني أن لها قدرات في استثارة الانفعال، في استخلاص الإنساني من ركام الموت، وفي نشدان الحياة من أعمق حفرة متداعية.
-بعد هذه التجربة الشّعريّة الطّويلة ،ما الّذي مازال يُدهشك في الشّعر، ويدفعك إلى الكتابة رغم كلّ شيء؟
= تَصدر قريباً مجموعتي الشعرية التاسعة عشرة. ولو عدتُ إلى عدد مؤلفاتي لوجدتُ أن الشعر، تأليفاً أو في مختارات وأنطولوجيات، أو في ما تُرجم منه في أكثر من لغة وكتاب، أو في إنتاجات فنانين متعالقة مع قصائدي، يعد الأبرز في مجموع مؤلفاتي، عدا أنه هو الأبعد في تطلعي الأول إلى عالم الكتابة والتعبير.
فإذا كانت البحوث – على أنواعها – تتقدم وتتنوع وتتعدد، إلإ أنها قابلة للتوقف في أي لحظة، تبعاً لأي قرار. أما في الشعر، فالأمر مختلف. هذا ما عايشتُه بنفسي في ثمانينيات القرن الماضي، إذ توقفتُ عن كتابة الشعر لعدة سنوات، فإذا بي أتنبه إلى ما قاله لي، ذات يوم، الشاعر الصديق فاروق يوسف : "هناك شيء من الشعر يتسرى في كتابتك". هذا ما تحققتُ منه، في يوم آخر، عندما كنت أعد العدة لإصدار كتاب بالفرنسية عن الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، فإذا بي – من حيث لم أقصد – انسقتُ إلى كتابة قصيدة بالفرنسية، وهو ما لم أفعله في سابق حياتي، أو في تاليها. هذا ما أكشف عنه للمرة الأولى. وهو ما عايشتُه، وخبرته بشكل حميمي (إذا جاز القول) بعد عودتي إلى عالَم القصيدة، إذ أتنبه، في غير لحظة واعية لما أقدمتُ عليه عند كتابة هذه القصيدة أو تلك، أن القصيدة هي التي تلفظتْني في أحوال كثيرة...
(جريدة "العرب"، لندن، 5-2-2026)