جميل قاسم : مذاهب الجمال المختلف
هل يقترن الحسن والجمال بعمله الأكاديمي (علم الجمال، الجماليات) أم أن الجمال هو الجمال الموجود في ظواهر ومظاهر الحُسن في كينونة الجمال، في الحجر والشجر، والزي، والشعار، ناهيك عن وجوده في ضروب الفن والأدب، كالكتابة، والشعر، والموسيقى، والرسم؟ وإذا كانت المصادرة العقلية-المركزية، الأكاديمية، تحصر الجمال والجمالية في نصاب علمه الفرعي، الرسمي، فبماذا عسانا نفسر وجود ظواهر الحسن الأخرى، في جمالية الوجود من الوجهة الأناسية (الأنتروبولوجية) المعاشة؟ هل يتعين الجمال بماهية الجمال وجوهره، أم بوجود الجمال وأعراضه الظواهرية؟ وإذا كانت نظرية بناء الأهرامات مفتقدة فهل ينفي هذا وجود الأهرامات الفعلي؟ وما المهم في الوردة الفكر أم العطر؟
رداً على هذه الأسئلة، يقدم د. شربل داغر، في ذهابه إلى الأشياء المباشرة، المعاشة، قراءة أناسية مضادة في كتابه «مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية» (المركز الثقافي العربي، 1998) تذهب من الواقع الأناسي والتاريخي إلى ماهية العلم، من الأناسي إلى الجماليات وليس من الجماليات إلى المعاش الأناسي، فتكون إشكالية الحسن - وهي التسمية العربية الكلاسيكية له - كامنة ومحايثة في جماليات المكان، والطبيعة، والوجود. فالجمال ليس الجمال بذاته، الماهوي، الجوهري، المثالي، الاكاديمي، وإنما هو متأثل ومتأصل في الحجر، والشجر، والزي والشعار، والصوت والصدى هذا ناهيك عن أشكال الجمال الأخرى.
والحال هذه إذا استبعدنا المثالية الجوهرية، والماهوية الأكاديمية، في تعريف الجمال بذاته en soi فلا بد أن نبحث عن الجمالية في موضوعات الجمال الظواهرية، في ظواهرية الجمال، في ذاتية الموضوعات الموجودة-في-العالم، والتاريخ، والطبيعة، والسلوك الأناسي والاجتماعي، في البحث عن المختلف الجمالي. والحكم الجمالي، مع تطور علوم الإنسان، أصبح مقترناً بالتجربة الانسانية، في أغوارها الثقافية المتأصلة، التي تضفي المعنى والقيمة على ماهية ومفهوم الجمال والحسن الجمالي. ولذلك فإن البحث عن الجمالية لم يعد يقتصر على البحث عن ماهية ما هو ممتع، وجيد، ومفيد، وسامٍ فقط، بل عما هو ظريف وعجيب وغريب ومختلف، وذو قيمة استيطيقية خاصة للجمال-في-ذاته.
إن عدم إدراك أفلاطون الفرق بين الحكم الأفهومي «اللوغوقراطي» والحكم الاستطيقي (الذوقي) هو الذي جعل بحثه عن ماهية الجمال في ما هو مفيد وجيد، ومناسب وممتع بلا طائل ولا متعة ولا فائدة. إلى أن جاء أرسطو فميز بين الحس والمحسوس والصورة والمادة، ففصل المقال الجمالي عن الأخلاق والسياسة والتاريخ، معتبراً آن الفن يقوم على الإزاحة والمتعة والدهشة، وليس الفضيلة، إلا إذا كانت الفضيلة، هي ذاتها متأتية عن الإحساس الجمالي والروحي والذوقي، في عملية التطهر والتسامي من خلال الفعل الفني والجمالي.
تأثرت النظرة الجمالية العربية في تاريخنا الفلسفي بهذه النزعة العقلاطية، اللوغوقراطية، فأدرج الفارابي وابن سينا وابن رشد الشعر في المنطق، وخلطوا التراجيديا والكوميديا بالهجاء والمديح الشعري.
واقترنت إشكالية الجمال بطغيان النظرة الواحدية والعقلاطية على مقولات الحسن ومقالاتها في علم الكلام. وفيما رأت الأشعرية مثلاً أن الحسن والقبح أمران ذاتيان مناطهما الشرع، رأت المعتزلة أن كل ما هو حسن أو قبيح مناطه وأساسه الحكم العقلي وليس الحكم الشرعي.
ولقد رأى الجاحظ، وهو من أئمة المعتزلة، أن الجمال أدق على التحديد والحكم إذ يقترن فيه الحس بالعقل، الأمر الذي يفسر فيه الجاحظ »اختلاف« الناس في أمر الجمال والحكم الجمالي (في «كتاب القيان»).
اللغة حاملة الحسن
أحسن الكاتب اللبناني شربل داغر في اختياره لإشكالية الحسن كموضوعة إشكالية بالنظر إلى كونها تمثل الإسهام العربي الكلاسيكي في هذا الصدد. كما أحسن في العودة إلى «كتاب العين» للخليل بن أحمد (100-170 هجرياً) - وهو أهم الكتب والمعاجم العربية قاطبة - للبحث عن دلالة وقيمة ومعنى الحسن الجمالي في عصر التدوين، كنص اثري (أركيولوجي) يفسح في مجال دراسة المقالات والمقولات الجمالية، كمواد مقالية عاكسة للوجود في حمولات اللغة. ألم يقل هيدغر اللغة هي «مسكن الوجود»، وذلك من خلال الفصل والوصل ما بين الخطاب اللغوي والخطاب الاجتماعي-التاريخي والأناسي.
من هنا جاء كتاب «مذاهب الحسن... »، كما تقول مقدمته، قراءة معجمية- تاريخية للفنون العربية، ويسد ثغرة مهمة في دراسة الحضارة الإسلامية ويعرّف العرب على منابع الجمالية في تراثهم من خلال موروثهم الفلسفي والأدبي والفني.
يقسم داغر الفنون إلى ستة مجاميع بنيوية هي: الدار، الشارة، الغناء، الشعر، الدمية، والكتابة. ومن ثم يعمد إلى دراسة دلالاتها في المظان المعجمية لبيان وتبيين تعالقات الدوال والمدلولات. ويعرض الباحث طريقته في الوصول إلى موضوعه بهذه الكلمات: «انطلقت في دراستي من «لسان العرب» لابن منظور ميداناً للوقوف على العلاقة بين المعجمي والفني في التجربة التاريخية العربية-الإسلامية وتصوراتها الجمالية، ثم ما لبثت أن تحولت عنه الى «كتاب العين»، وأتى هذا التحول... طبيعياً، أو كان متوقعاً، إذا جاز القول، ذلك أنني طلبت من المعجم أن يكون دالاً في ألفاظه ودلالاته وطرق إخباره على التاريخ، وبالتالي على الممارسات والتقويمات الجمالية - في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة - في حقبة تاريخية تأسيسية» (ص 13).
ولكن كيف يمكن أن ندرس العلاقات بين اللغة والفكر والجمال في «كتاب العين»؟ اعتمد باحثنا القراءة اللسانية البنيوية التي ترى الى المعجم، ليس بوصفه «جردة مفردات» ولا «قائمة معان»، وإنما بوصفه نصاً لسانياً أثرياً ودالاً أناسياً أثرياً (أنتروبولوجي) على التجربة التاريخية والإنسانية باعتبار أن اللغة ليست مجرد وعاء وإنما هي علاقة الحاوي بالمحتوي، كما يقول بنفينيست «يتخذ المحتوى شكلاً حين يتم قوله لغوياً، وفي هذه الحالة فقط، يتخذ شكلاً من اللغة، وفي اللغة» (ص 21).
أما الخطة المنهجية الاجرائية المتبعة في صياغة المجاميع الدلالية فقد حددها الكاتب في ثلاثة أسئلة، تعين الاجابة عليها السبيل المنهجي في فرز المواد المعالجة:
- تعيين المفردة، أي معناها أو دلالاتها،
- تعيين المجموعة عند التحقق من وجود مفردات ومعان ودلالات متقاربة،
- جمع هذه المجموعة في حال وجود غير مجموعة واحدة في الميدان الواحد، أي ما يسميه «المجموع».
ويجد الباحث في «كتاب العين» علامات جامعة، ولو في صورة محدودة، في تعيين أشكال أولى «لانتظام المعاني بعضها مع بعض». والاسم الجامع كالدار يدل على البناء والمحلة والعرصة، كما أن «العطر» هو اسم جامع لأشياء الطيب والعطور. والاسم الجامع يدل على أبواب للمعاني، فهو قد يشير الى ميدان اشتراك بين ألفاظ بعينها، ووجود علامات دالة على ترتيب للمعاني، وهو ترتيب يندرج في (وينطوي على) معان أخرى معقولة حتى لا نقول منطقية، قابلة للملاحظة، والتعيين بقدر ما تنطوي على درجة من الاتساق والانتظام.
ولعمري أن في هذا الاكتشاف، الذي لا يحلله المؤلف، مقاربة بنيوية بكل معنى الكلمة، لجأ إليها الخليل واستعملها بالمعنى الذي استخدمته البنيوية الحديثة مع دوسوسير في علائق الدوال والمدلولات الأنظومية (البنيوية). وإذا كنا قد وجدنا في ترلثنا النقدي الأدبي مثالات للترادفات البيانية والسياقية عند إبي هلال العسكري في كتابه «الفروق بين اللغة» حيث يرى أنه «من المحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد»، وفي قول ابن منظور بأن «المترادفات يعرف بعضها بعضاً»، وعند عبد القادر الجرجاني في إشاراته عن «نظم الكلام على نحو مخصوص»، وهو «نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه إلى بعض» فإن الاشارات والعلامات البنيوية في «كتاب العين» كثيرة وعديدة. وقد وجد الدكتور داغر عدداً من الألفاظ الدالة على صورة مجردة (كالانتظام والاتساق والطور التكراري الخ...) في «كتاب العين»؛ وهو ما نعثر عليه عند الخليل في تعريف اللغة باعتبارها «اختلاف الكلام في معنى واحد» وغيرها من العلامات الدلالية، المجمعة على أسس تكرارية- دلالية مترادفة- متزامنة.
المجاميع الدالة على الحسن
إن القراءة البنائية اللسانية، إضافة إلى القراءة التاريخية، تقود الكاتب إلى تحديد ستة مجاميع في «كتاب العين» كما ذكرنا هي:
* مجموع الدار: وهو الاسم الجامع للعرصة والبناء والدار. وتنفرز هذه المعاني في علاقات ترادف أو قربى أوتباين أو تخالف دلالي مع عدد آخر غيرها كالموضع بوصفه النواة الدلالية الأولية، نظراً لأن الأشكال الاولى من البناءات تشترك في سمات دلالية مشتركة كالأرض والبيد، وهو لفظ يدل على المفازة والصحراء والجرد إلخ... والبيت البدوي، والبيت الحضري. وفي المعجم قائمة من أسماء المواضع الخاصة بالإقامة، وتؤدي وظائف اجتماعية متعددة منها: السجن أو الحبس والنادي (دار الندوة) والفندق أو الخان وهو مكان نزول المسافرين، وحتى المواضع الدينية كالمساجد والبيع والقوس والكنيسة في المسيحية أو المحاريب (جمع محراب) عند بني اسرائيل.
وهذه المواضع لا تتميز فقط بوظائف اجتماعية، بل لها أيضاً وظائف جمالية، كزينة البيت، والمسجد، أو الخان بأشكال البناء الهندسية والزخارف والصور المنقوشة على الحيطان بالفسيفساء، إضافة إلى نشر الريح والعطور والبخور وأنواع الطيب الأخرى.
وهناك أشكال جمالية حسنة للدار كالبيت المحمول: وهو الركب بناسه وحواذجه كالهودج والرجازة والحدج والمحفة، ومنها الخاصة بالنساء. والبيت الحائل: وهو البيت المتحرك أو المتنقل كالقبة، والمظلة، والخباء، والخيمة، والخص، والدولج. والبيت القار: وهو البيت الحضري المستخدم للكراء (الإيجار)، وهو بيت يستخدم فيه الآجر وطلاء الحيطان بالجص وتثبيت الفسيفساء بالحيطان، وصفاته أنه بيت مزخرف أو مزين أو منجد. والبيت المشيد: ويحمل صفات البيت القار كالحصن أو الصرح، أو القلعة. وبيوت الحرف والاعمال ومنها: بيت العطارين وبيوت النجاد في الأسواق. وبيوت الميت ومنها: القبر الضريح والجدث واللحد الخ. ولكل هذه البيوت وغيرها أشكال جميلة وحسنة، قد لا يكون أوفاها الكاتب حقها في الدراسة من الوجهة المعمارية، والتزينية، والوظيفية، لكن حسبه أنه قدم جردة دلالية مكثفة وغنية عنها.
* مجموع الصوت: وهو من الأسماء الجامعة التي تحد الصوت بدلالاته الفيزيائية (اللغوية، والغنائية) والترتيلية (الدينية). وقد ميز الخليل في كتابه بين الحروف المجروسة (الصائتة) والحروف اللينة (التي لا صوت لها). وتطرق للأصوات في حروفها، وألفاظها، وجمالها، وحتى الأغراض التي تصيب النطق، كالتمتمة، والثعثعة، والخنة، لينتهي منها إلى تعيين صفات الحسن التي باتت تقترن بالصوت والقراءة، وتشابك الصوت الطبيعي والصوت اللغوي، وبينهما وبين الغناء وهو الصوت بمعناها الجمالي الحسن، الصوت الموضوع أو اللحن. واللحن هو صوت الطرب والنشيد والترتيل وهو غير الأصوات الطبيعية. و«الغناء مضمار الشعر». والشعر هو مادة الغناء والجمع بين الشعر والغناء يتعداه ليشمل مسألة الايقاع، ومن عيوب الشعر التي وقع فيها النابغة الذبياني «الإقواء»، أو عدم التناسب الصوتي بين بيتين مشتركين في العروض. والإيقاع هو عروض الشعر كما يقول ابن خرداذبة.
* مجموع الشعر، وهو الاسم الجامع للكلام الحسن، أو الجميل، كقوافي الشعر، والسجع، والخطابة، والأدب والتأويل، والقصة والرواية، وهو كلام يقوم على التفنن والاشتقاق والبلاغة.
والخليل لم يطلق على الشعر صفة الاسم الجامع. والشعر حسب «كتاب العين» هو القريض المحدد بعلامات لا يجاوزها. ويفيدنا الكتاب عن أيام الشعر في الجاهلية، والاسواق، والمواسم. وتروي المرويات عن تآليف قديمة حول اشعار لآدم قرضها حزناً على ولده هابيل وأسف على فقده:
وقتل قابيل هابيل ظلما فوا أسف على الوجه المليح
ويذهب الجاحظ إلى القول بأن الشعر حديث الميلاد، أول من نهج سبيله وسهل الطريق اليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة.
ويقرن عدد من الباحثين نشأة الشعر بالممارسات الطقوسية، وهناك ضروب مختلفة من الكلام، واشتراك بين السجع والشعر، وهو اشتمالها على فواصل -هي القوافي - من دون أن يكون للسجع وزن مثلما هو عليه الشعر. وكان الرجز - وهو من اقدم ضروب الشعر - يرجز خلف الابل، وهو النوع الأول في الغناء مما يؤكد القرابة بين الشعر والغناء.
ومعجم العين هو أول المصادر بهذا الشأن. والخليل هو الذي استخرج - حسب المصادر - العروض واستنبط منه علله ما لم يستخرجه أحد ولم يسبقه إلى مثله سابق من العلماء. ونقع في المعجم على ألفاظ للدلالة على هذه الأصول مثل البحر والضرب؛ والبحور ثمانية هي: الرمل، المديد، المنسرح، الهزج، الوافر، الكامل، البسيط، والخفيف، وقد يستخرج منها بحوراً أخرى كالمضارع، والمقتضب، والمجتث والمتقارب إلخ.
ومن البحور ينتقل الخليل إلى القافية وقد سميت بهذا الاسم لانها «تقفو البيت وهي خلف البيت كله». وعرفنا من كتاب العين الاجزاء التي تتألف منها العروض مثل: فاعلن ومتفاعلن وفاعلاتن وغيرها. وهي تسميات مستقاة من الطريقة النحوية التي أدت إلى تسمية الصيغ الوزنية انطلاقاً من الجذر "ف ع ل" وهي أمور معروفة في تاريخ الشعر والأدب.
* مجموع الدمية: والدمية هي اسم جامع في «كتاب العين» لمجموعات دلالية عدة كالصنم، والصور المنقوشة، والوثن، والتمثال الخ. وتعريف الصنم مقتضب في «كتاب العين»: «الصنم: جمعه أصنام»، لكننا نجد معطيات أخرى تشرحه. ويطلق المعجم تسمية الصنم على غير اسم مثل «مناة» و«هبل» و«يعوق». وهناك أحجار معنية بالعبادة كالوثن (وهو صنم يعبد) والنصب الذي كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. وهناك أصنام بمثابة آلهة لها أسماء معلنة، ولا سيما عند قريش، وهي: العتر، أساف ونائلة، المناة، الهبل، ذو الخلصة والدوار، السجة، رئام، سواع، ذو الشرى، اللاة، يعوق ويغوث الخ. وكانت هذه الأصنام معمولة كالوثن في الهيكل المسيحي على خلقة البشر (مريم). ويقول الكلبي: «إذا كان الصنم معمولاً من خشب أو ذهب أو من فضة على صورة إنسان فهو صنم وإذا كان من حجارة فهو وثن. وكان هبل معمولاً من عقيق أحمر ويده من ذهب وكان «الدوار» (الذي كان يدار حوله) من ذهب وعيناه ياقوتتان».
ومن الوقائع الطريفة في هذا الصدد ما رواه الزمخشري من حديث عائشة أنها قالت: «قدم رسول الله - صلعم - من غزوة تبوك وفي سهوتي ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لي فقال: ما هذا؟ قلت بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قلت فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قلت جناحان. قال: فرس له جناحان؟! قلت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ فضحك حتى بدت نواجده» (ص 212).
ويرى المؤلف ان حمولات معاني التماثيل والصور والدمى تعين تعايشاً وتنافراً بين دلالات جاهلية وأخرى إسلامية، ترى الأولى أنه «العجب العجاب»، وهو صنيعة البشر، بينما ترى فيه الأخرى قدرات غير إنسانية تفتن البشر وتستحوذ عليهم وتخلبهم ألبابهم.
* مجموع الشارة : يقودنا «كتاب العين» إلى التعرف على مجموعات دلالية متعلقة بالجسم البشري بوصفه موضوع تحسين جمالي أو عدمه، من خلال الشارة وهي «الهيئة واللباس الحسن». وفي مواد المعجم معلومات متصلة بمواضع صنع الملابس مثل المعجر والثياب العدنية والمرحل والحبرة والخميسي والخال والمراجل والأفواق. أو نقع على أثواب مصرية مثل ثوب القبطي، وهو أبيض من كتان، أو ثوب الخوخة المعروف في مكة؛ الى البرنكان، الكساء الأسود في العراق، إلى أثواب أرمينية مثل الدرقل أو فارسية مثل الديابوذ الخ.
وفي المعجم تسميات دقيقة عديدة لا يمكن حصرها تخص الثوب الحسن في طبيعته كـ«الشقة»، وهي شقة مستطيلة من الثوب. أو تفيدنا هذه التسميات عن فضفضته (أي سعته) أو «عطه» (وهو شقه طولاً «من غير بينونة»). والهيئة الحسنة عند المرأة تشتمل على الحلي والتجميل والعطر. أما حلي الرجال فتمتاز بالسلاح عموماً والسيف خصوصاً، «فالسيف حلية الرجال».
* مجموع الكتابة: وهو القطب الجامع الذي يجعل من التدوين عملاً مستحسناً لا يقتصر على التدوين وحسب، بل يشتمل أيضاً على جمالية الخط بأشكاله الجمالية والبديعة، إضافة إلى كتابة العهود والمواثيق الرسمية. كما تنطوي الكتابة على أشكال التنميق والترقيش والترقين والنمنمة في تزيين الكتب والكتابة.
صناعة الزينة والجمال
يتابع الباحث شربل داغر في كتابه الثاني «الفن الإسلامي في المصادر العربية: صناعة الزينة والجمال» (المركز الثقافي العربي، 1999)، ما كان قد دشنه في كتابه السابق حيث قدم باحثنا قراءة أناسية (أنثروبولوجية) مختلفة لإشكالية الحسن والجمال في التراث.
ويرى أن قراءته للجمالية العربية- الإسلامية ليست حاصل متابعة وتأمل وحسب، في مواد الفن الإسلامي، أو في مواده الدراسية بعد توافرها وجمعها، وإنما هي في الأساس قراءة متعددة الأوجه، تطاول أوجه الحسن (أو الجمال) وتحققاته ومثله ومقاييسه وقيمه، سواء في العلويات أو الدنيويات، مما يتطلب، في المقام الأول، التعرف إلى أحوال الصنع والتملك (والتنافس على الملكية) المعينة في نتاجات وهيئات وأشكال مختلفة. كما تتطلب القراءة هذه اجتماع علوم مختلفة، ما يمكن جمعه تحت تسمية الأناسة الثقافية التي تعين أحوال المعتقدات مثل سبل الصنع أو محددات التنافس على الملكية (وخصوصاً الذخائر).
ويتابع داغر ما اختطه في كتاب «مذاهب الحسن»، حيث تناول موضوعة الحسن والجمال، ليس فقط في نظريات ومتون ومظان المؤلفين، بل في واقعها المجسد والمعاش في الزي والشارة والدار والدمية، باعتبارها مجاميع الظاهرة الجميلة. هذا ناهيك عن وجودها في ضروب الفن والأدب، كالكتابة والشعر والرسم والموسيقى، وفي الطبيعة.
وإذا أخذت الدراسات الاستشراقية على العرب اقتصار جماليتهم على الحروفية والعربسة (أو فن الرقش والزخرفة) فإن داغر لا يرى مثلبة - بغض النظر عن إشكالية حظر الرسوم - بل، بالنتيجة، حسنة، ما دام التاريخ بالمفهوم الإنساني لا يخضع لأي قيمة عقلاطية (لوغرقراطية) جاهزة. كما يرفض داغر الخطاطات الأكاديمية التي تقتصر الجمالية على علمها الفرعي، الأكاديمي (علم الجمال أو الجماليات) ويرى أن الحسن هو الجمال الموجود في ظواهرية الجمال.
ولقد تبنى الجاحظ الموقف الاعتزالي في اعتبار العقل مناط الحسن والقبح والحكم الجمالي، كما ذكرنا، ولكنه اعتبر أن الجمال أدق على التحديد والحكم، ما دام يقترن فيه الحسن بالعقل وما دام الحكم في اختلاف الناس في أمر الجمال لا يتأتى إلا للثاقب النظر. وفي هذا الموقف تشديد على الطابع الأستيطيقي الخاص للحكم الجمالي في علم الجمال على الطابع الذوقي - وليس العقلي- لهذا النوع من الأحكام.
كما قدم قدامة بن جعفر (المتوفى في سنة 310 هـ - 907 م) وجهة نظر جمالية تقترب من مفهوم «الفن للفن» الحديث إذ يرى أن الشعر لا يوصف بالصدق والكذب، بل بجودة المبنى ومعنى اللفظ، كما يفصل قدامة الشعر، كقيمة في ذاتها، عن القيمة الأخلاقية إذ قد يكون الشعر فاضلاً من دون جودة شعرية، وقد يتصف بالجودة - كشعر أبي نواس - في تجويده حتى لو كان خارجاً على الفضيلة بالمعنى الأخلاقي: «فأجود الشعر أكذبه»، لا بمعنى الكذب الأخلاقي، بل بمعنى التخييل والإغراق والإحالة والإبانة والبلاغة التي تعتبر من مقومات الشعرية الأصيلة.
ويكرر أبو هلال العسكري في «كتاب الصناعتين» الموقف الجاحظي فيرى أن مناط الشعر ليس إيراد المعاني لأن المعاني موجودة على الطرق، يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه أو نزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود (عوج) النظم والتأليف ألخ...
وبدوره يستكمل د. داغر البحث عن نظريات الحسن القديمة، في مؤلفات القدامى، كالفارابي وأبو حيان التوحيدي، وإخوان الصفاء، ناهيك عن الجاحظ والجرجاني ونظريتهم المعروفة لا بل يذهب في بحثه الأناسي عن مظاهر الجمال والجمالية إلى متون ومظان العلم والهندسة. ولا ينطلق البحث من طلب تأصيلي وحسب (تمكين الفن المحلي من أسبابه الخصوصية، بعد طول تغرب في الدراسات الأجنبية) بل من مسعى تاريخي وجمالي يتوخى القيام بقراءة ثقافية للصنائع الإنسانية، قراءة تبين الفن في نشاطيته داخل الجماعة، تبادلاً في الحيازة، وتنافساً في المقتنيات واجتهاداً وصوغاً لما تلحقه الجماعة بهذه الأنشطة وموادها من صفات وأقيسة مستحسنة (أو مستقبحة).
وفي اعتراض الباحث على الطريقة الغربية في دراسة الفن الإسلامي يرى أن هذه الدراسات تعتورها نظرة مركزية «عالمية» تجانب الحقيقة لعجزها عن إدراك الأبعاد المحلية وسياقاتها ونطاقها ومنطوقها كأمر لا مندوحة عنه للفهم الظواهري، كالسجال الديني بين التنزيه والتشبيه في علم الكلام والعوائد والشعائر المتعلقة بالزي والشارة وآداب الدار وشعائر العبادة وأثرها في الرؤية الجمالية للكون والطبيعة والوجود. لا بل يذهب الباحث في بحثه عن الجمال والبهاء والزينة والحسن، إلى استقراء الجمال في أضاليل البصر وشرف البصيرة والفرق بين الجمال الجوهري وجمال العرض، الجميل بذاته والجميل بغيره، في أعراضه وأشكاله ومظاهره الكثيرة.
ويتخذ باحثنا من ميدان الصناعات وأحوال الصنع والصناع والمصنوعات، سواء كانت عقلية أو يدوية، نقطة مركزية من نقاط البحث الجمالي ولا يكتفي بتعريف الصناعات «بالعمل اليدوي واللساني ومتعلقاتها من إعداد وإتقان»، كما عرفتها معاجم اللغة، بل يضيف على هذا التعريف للصناعة بأنها «ملكة نفسية تصدر عنها الأفعال»، سواء في الصناعات العقلية، مثل الفلسفة أو الصناعات الأدبية التخييلية، مثل الشعر، هذا ناهيك عن المصنوعات الخاصة بالزينة، المحسنة للهيئة الإنسانية والبيئية، كالأواني والأقمشة والخواتم والقلائد ألخ...
كانت النظرة السائدة للصناعة دونية، فكان الحداد يسمى «القين»، وهو لفظ أقرب إلى «القن» أي العبد، وكان التصوير والتمثيل والصوغ، موضوعة في إطار التحريم والمحرم (التابو) ومتروكة في حالة التجاوز إلى الموالي، هذا فيما كان الشعراء أو الكتاب يعتبرون »ملوكاً على الناس« علي حد تعبير البيهقي، وطبعاً المقصود بالشعراء والكتاب، حجاب الملوك وندماء الأمراء بالدرجة الأولى.
وأولى الفلاسفة في ترتيبهم للعلوم صناعات الهندسة والموسيقى والشعر والكتابة إعتباراً أكبر من العلوم والصنائع اليدوية. وقد أخذ الفلاسفة من اليونان تمييزهم بين الفنون اليدوية والفنون العقلية، وتبنوا قسمة الفنون إلى فنون دنيا يدوية، وأخرى عظمى نظرية (عقلية) ثم فنون جمالية وتشكيلية (فن الشعر خاصة) إلا أنهم بصفة عامة قدموا علم البيان على غيره، لاعتبارات دينية. ورأى الجاحظ أن الاستظراف والتنوق يصدران من طباع الناس: «فالناس في طبعها الاستظراف والتنوق (الأناقة)». وهي بنظره «جبلة ثابتة وشيمة مخلوقة، تميز الحسن بحواس الناس وإختلاف أذواقهم ومشاربهم، في جميع ما يستلذ به من مناظر حسنة وروائح عبقة وأصوات موثقة»...
كما فرق ابن خلدون بين ما تستدعيه ضرورة المعاش من صناعات مثل الخياط والحداد والنجار وأمثالها، وهي التي تختص بالضروريات، والصناعات المركبة، وهي ما يختص بالأفكار التي هي خاصية الإنسان من العلوم والصنائع مثل الوراقة (الكتابة) والغناء والشعر والعلم والسياسة.
ما هي العلاقة بين الحسن والحساب والهندسة؟ أو بالأحرى ما هي توظيفات واستخدامات هذه العلوم في النتاجات الفنية البصرية، ومنها الزخرفة أو الرقش، سواء في الكتب أو الصناعات اليدوية، أو فن العمارة؟
يجد باحثنا في مخطوط المهندس أبو الوفاء البوزجاني (عاش في أواسط القرن الرابع الهجري) مثالاً لهذه الهندسة التي تجمع بين الهندسة والزخرفة. فإقدام البوزجاني على إنجاز توليدات الأشكال المربعة أو الدائرية، وما ينتج منها من أشكال متساوية أو غير متساوية، هو مناط فن الرقش والعربسة الإسلامية: فالمربع كما نعلم، هو في أساس الأشكال المتعددة الأضلاع الأكثر استعمالاً، التي ترد غالباً في صور تربيعية مضاعفة، وكما أن الدائرة قابلة لتوليدات المثلث والأشكال المنجمة بدورها، كذلك، فإن الدائرة قابلة لأن تتضمن مربعاً (أو أكثر) في مساحتها، مثلما المربع قابل لأن يتضمن دائرة (أو أكثر) وهو ما يسمى بتربيع الدائرة أو تدوير المربع، كأن تتم مضاعفة أضلاع المربع 4، 8، 16، وهكذا دواليك.
والصلات بين التطبيقات الهندسية والزخرفة الجمالية التي تكسو الجدران والسقوف والمساحات الأرضية وثيقة. وقد افتتح البوزجاني هذا السبيل لتجريب إمكانات الهندسة وتوليداتها في أوضاع زخرفية شديدة التركيب والتعقيد، إذ ثمة علاقة بين تركيب الأشكال الزخرفية هذه والطرق الهندسية المصاحبة، المحسوبة والمضبوطة بالمسطرة والبركار والكونيا وغيرها.
ويجد الباحث في كتاب «الموشى أو الظرف والظرفاء» لأبي الطيب محمد بن إسحق بن يحيى الوشاء (المتوفى في 325 هـ ) ما يتعلق بمظاهر الظرف أو ما نسميه في الأزمنة المعاصرة الموضة أو الدُرجة، التي تجمع بين الكياسة والتأنق والزينة والتبرج. هذا ناهيك عن خصال الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة وهي من آداب الظرفاء.
وما يستحسنه الظرفاء هو أنواع تقوم على الفن الظاهر، في التوليف بين الثياب وألوانها واختيارها تبعاً لساعات النهار والليل وأحوال المجالس والمنازل والمناسبات. يقول الوشاء: «أحسن الزي ما تشكل وانطبق وتقارب واتفق». والأمر نفسه ينطبق على آداب المائدة، كالأطعمة والشراب والسواك والزي وأدوات الزينة والثياب، التي يتداخل فيها الضروري بالكمالي: «فالثياب عدنية والأزر نيسابورية والأردية رشيدية (مصر)، واللباس المستحسن عند سروات الناس الغلال الرقاق والقمص السفاق...». هذا إضافة إلى أنواع مختلفة، متقنة، ومرغوبة ومميزة من التكك والنعال والخفف والخواتيم، الخاصة بالزينة. ناهيك عن أنواع العطور والبخور المستخدمة في التبرج بأحواله وأشكاله العديدة.
ان قراءة كتاب الوشاء تفيدنا في غير أمر، خصوصاً أن كتب التراث المتوافرة لا تتحدث إلا في ما ندر عن الجانب الفني من المصنوعات ومنها على سبيل المثال لا الحصر، فن الكتابة، والزخرفة على الآنية والأدوات والخواتم ومنها هذا البيت المنقوش من الشعر:
كتبت على فـص لخاتمهـــا من مل من أحبـابــه رقـدا
فكتبت في فصي ليبلغها من نام لم يشعر بمن سهدا
قراءة أناسية للحسن
والدراسة الأناسية لا تتجنب المقاربة التاريخية ولا القراءة الفكرية للتراث، حتى في دراسة التحققات التراثية في التاريخ الفعلي. ولذا يعمد الكاتب إلى دراسة الجمالية في متون ومظان المؤلفين القدماء كعبد القاهر الجرجاني والجاحظ أو كمال الدين الفارسي. ويبحث عن مزايا ومظاهر الصورة الجمالية في منتوجات النثر الفني لبيان ما في نظمه من جوانب تشكيلية وزخرفية. ونحن نتبين في منتوجات النثر، كما في نثر الجاحظ، ضروباً من الصوغ وفنوناً في التأليف، تجد أصولها في العبارة القرآنية، في ما يتعدى رتابة السجع، حيث ينتظم الكلام في تراكيب شديدة التقارب والتنوع. ونجد هذه الصورة الجمالية في ما طلبه الجاحظ في النثر، من إصابة المقادير، أو التوازن بين اللفظ الحسن والمعنى الجيد. وإذا كان الشعر - عمود الشعر - يجد في المعلقة الجاهلية نموذجه المرجعي، فإنه صار مع الجاحظ وأمثاله «صناعة وضرباً من النسج أو الصبغ» و«جنساً من التصوير». أما أبو حيان التوحيدي فيقول أيضاً: «أتسأل عن النظم وأنت لا تعرف الرقم ولا العقم»؛ و«العقم» هو المرادف للرقم أي الوشي والزخرفة في كيفية ما.
ويقارن عبد القاهر الجرجاني في غير مجال بين الصور والنقوش، والنسج والصباغة وخلافها من الصناعات الفنية. وفي المقابلة بين الأدب والفن نجد تعريفاً للكلام بأنه «أصوات محلها من المسامع محل النواظر من الأبصار». أو ما يقوله حازم القرطاجني: «المسموعات التي تجري من السمع مجرى المتكونات من البصر». وعلاقة الوشي والنقش والصوغ والتحبير والتفويف (نوع من التوشية بين خطوط متقاطعة بيض وحمر) تقوم عند الجرجاني على مقاربة بنيوية يقوم فيها فهم عملية النظم على دراسة «حال المنظوم بعضه إلى بعض»، وعلاقته بحكم تجاور الكلام وتتابعه. فمدار أمر النظم ليس الفروق والوجوه في أنفسها، ولا من حيث هي على الإطلاق بل حسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم والعلاقات النظمية الناشئة عن مواضع الألفاظ ووجوهها النحوية، كالتعريف والتنكير والتقديم والتأخير وخلافها، أي العلاقات النحوية المؤدية للمعنى والجالبة للاستحسان، هل يمكننا استعمال هذه العلاقات وتوظيفها في قراءة فنية؟
مع أن الكاتب يجيب بالنفي، إلا أنه يعود ويستدرك بالقول أن الفروق والوجوه النحوية الخالصة قابلة للاستعمال في غير المجال الأدبي في العلاقات التجاورية، أي التزامنية، وهي مقاربة بنيوية تقوم على اكتشاف علاقات الأشكال والعلامات بعضها ببعض، وعلاقات الألوان في ما بينها وما تولده من تعاكسات وتدرجات وتناغمات في القطعة الفنية. وهذا لعمري، مقاربة بنيوية أصيلة سابقة على بنيوية سوسير وجابوتنسكي وكلود ليفي شتراوس مؤسسي البنيوية الحديثة.
يستعرض شربل داغر في خاتمة كتاب «مذاهب الحسن» وفيها يرفض النظرة الأكاديمية التي تحصر الجمال والجمالية في فرعه العلمي ويرى أن تبلور علم الجمال مع ألكسندر بومغارتن في القرن الثامن عشر لا يعني أن الجمالية غير موجودة قبل تبلور فرعها الأكاديمي، ويرفض بالتالي النظرة الميتافيزيقية المثالية، المتعالية، للجمال، متفقاً مع نيتشه على قصر العالم المحسوس على مرأى ومظهر الحقيقة في ظهورها ومثولها الحسي، في تشاركات وتقاطعات وتخالفات وتبادلات الظاهرة الجمالية في التراث العربي-الاسلامي بأنساقه المختلفة إنه عود إلى بدء وبدء على عود، في البحث عن جمالية الماضي في ضوء الحاضر. أو كما يقول نيتشه: «بأقوى ما في الحاضر من قوة علينا أن نفسر الماضي».
الفن الإسلامي في المصادر العربية
لهذا الكتاب عنوان في نصه الأصلي، العربي، هو غير عنوانه بالانكليزية. وهذا الاختلاف علامة في حد ذاته على ما يقوله الكتاب، أي وجود تباين بين ما يسمى، في كتابات اليوم، الأوروبية ثم الغربية والعربية وغيرها، «الفن الإسلامي»، وبين ما نقصده بهذه التسميات في الكتابات العربية القديمة، ومنها تسمية «صناعة الزينة والجمال».
ينطلق الكتاب من الاستنتاج التالي، وهو ان متن الدراسات في «الفن الإسلامي» يفسر المواد والنتاجات والأساليب من دون العودة، في غالب الأحيان، إلى الثقافة (العربية-الإسلامية) التي نشأ فيها هذا الفن، والتي تحددت فيها أيضاً ألفاظه الاصطلاحية ودلالاته.
لهذا السبب وغيره يعود الكتاب في عدد من الفصول إلى الكتابات العربية القديمة سائلاً عن «الفن الإسلامي»، سواء في إنتاج المجتمعات لأعمالها وصناعاتها، في المدلولات التي خصوا بها بعض هذه الأعمال من قيم ومعان واشتراطات. هكذا يتعرف الكتاب على الفن في العمل الإنساني، أياً كان، وفي عدد منها تحديداً، على أن المجتمع في تبادلاته واستحساناته (واستقباحاته) ميزها عن غيرها، وجعلها محل ندرة وتنافس وتثمين. وهي عودة نتعرف فيها على أحوال الجماعات الحرفية، في نشأتها وشروط عملها والقيم التي حركتها، متحققين من كونها بلغت درجات عليا من التنظيم، وإن تكتمت في أحيان كثيرة على أسرارها المهنية.
ويتوقف الكتاب عند مخطوط نادر، «ما يحتاج إليه الصناع من أعمال الهندسة» للبوزجاني المهندس (940 م.-997 م.)، يتوجه فيه المؤلف - وهو كبير علماء العصر العباسي في بغداد، في الفلك والرياضيات والهندسة وغيرها - إلى عمال البناء والزخرفة، ويعلمهم في كيفيات مبسطة الطرق الصحيحة، العلمية، للرسم والبناء، بواسطة أدوات الهندسة (المسطرة، البركار، الزاوية المستقيمة...)، بعد أن كانوا يقومون بذلك بالخبرة والعين المجردة: الكتاب نادر وثمين، إذ أننا لم نعثر - حتى أيامنا هذه - على وثيقة قديمة تعرض لنا في صورة عملية مسائل الهندسة والزخرفة. كما ان دراسة هذا الكتاب تتيح للمؤلف التحقيق في عدد من الأشكال الهندسية - الزخرفية المعروضة في الكتاب، ويقارنها بنماذج مماثلة لها في العمائر الإسلامية القديمة، متحققاً من وجودها التاريخي بالتالي. ودراسة الكتاب تتيح مجالاً للمؤلف يتناول فيه العلاقات المعقدة بين الهندسة (والحساب) والفن؛ وهي علاقات ترسم أشكال تفاعل مخصب بين تصورات الكون المجردة والأشكال الهندسية الصافية وبين معاينات واختبارات عملية، إذ ان الفن لم يكن يلبي فقط تصورات عليا، وذهنية، بل كان يأخذ أيضاً من أشكال فنية ماثلة أمام عيونه.
وهذا السعي إلى تأكيد وجود وجوه تاريخية للفن الإسلامي نراه ماثلاً في هذا الكتاب في غير فصل، إذ أن الكاتب يسعى، من خلال قراءة أحد الكتب الناردة في مجالها، للوشاء ( - 937 م.)، أحد مزخرفي الثياب في العصر العباسي، إلى الوقوف على أحوال جماعات »مترفة« في هذا العصر، سواء في طرق عيشها، أو لبسها، أو أكلها، أو زينتها، أو مراسلاتها، أو معتقداتها؛ وهي مناسبة للتعرف أيضاً على المصنوعات والنتاجات التي كانت تقتنيها، أو تتنافس عليها، ما يشكل متحفاً، مادياً واعتقادياً، للفنون والمعايير الجمالية في العصر العباسي.
ويستكمل الدارس هذا السعي التاريخي في مجال الآثار الإسلامية المتوافرة والمصنفة، إذ يتحقق من أمر طالما غفل عنه الدارسون، أو أطلقوا عليه تفسيرات متسرعة، وهو غياب التواقيع الفنية عن الأعمال القديمة. ويتوصل الدارس إلى تأريخ عدد واسع من القطع الفنية، في غير عصر وبلد، وعلى غير حامل مادي، متعرفاً على أسماء بعض الفنانين، وإن كانت كتب التاريخ والتراجم لم تحفظ لنا الشيء الكثير عنهم.
يعالج الكتاب، إذن، وجوهاً مختلفة من الصنع الفني، ويسعى إلى التحقق من تاريخيته، وهي تاريخية لا تقتصر على تفسير المعطيات الآثارية (مثلما درج على ذلك بعض التفسير الساري في الكتابات عن الفن الإسلامي)، بل تقيم علاقات بين الناتج الفني وشروط تداوله ومعاني ذلك بين الجماعات والأفراد. ثم يرفق الدارس هذه المعالجات بمسعى آخر، مكمل للأول، وهو الوقوف على المتن التفسيري الذي خص به كتاب قدامى هذا الصنع الفني، في ألفاظهم واصطلاحاتهم وتقويماتهم، ما يمكن أن يشكل السند النقدي والجمالي لهذه النتاجات الفنية المتنوعة.
هكذا يتوقف الدارس عند بعض المؤلفات القديمة (الجاحظ، التوحيدي، الجرجاني...)، متناولاً المسائل التي استوقفتهم، مثل: الطبيعة والفن، معايير الحسن وشروطه، التقليد والإبداع، العلوي والدنيوي، الله والصانع، البصر (الفيزيائي) والبصيرة (الاعتقادية)، وغيرها من المسائل الثنائية التي تقع في صميم الفكر الفني، وفي العلاقات بين الحسن المتعالي والحسن الأرضي.
وهي وقفة نقدية وجمالية يستكملها الدارس بقراءة لكتابات جماعة «إخوان الصفاء» (في القرن العاشر الميلادي)، التي تعرض أصول نظرية جمالية، تقوم على توفيق مبتكر بين مصادر فلسفية ودينية واعتقادية متعددة، ويرى فيها كاتبوها أسس الجمال، سواء في الكون أو الإنسان أو المصنوعات، وفق حركات تفاعل بينها، تظهرها في تكوين حيوي. وهي نظرية جمالية، متعالية، ترى الحسن دقيقاً كما لو أنه عملية حسابية، وترى الحساب (بل العدد) تاماً، باهر التكوين والحصيلة مثل الحسن المادي.
وهذه القراءات المختلفة تقدم بالتالي قراءة نقدية، ضمنية، لما هو عليه الفن الإسلامي، سواء في بنائه الدراسي أو في سبل عمله وتفسيره؛ وتدعو، إذن، إلى الوقوف المزيد على أحوال الكتابات والمجتمعات التي صدرت عنها هذه الفنون، فلا تتعامل مع نتاجات هذا الفن مثل لقى أثرية وحسب.
(الدكتور جميل قاسم، في كتاب: "المختلف والمؤتلف"، منشورات الآن، 2001، بيروت، صص 263-280).