"قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ"[1].
أبدأ الكلام انطلاقاً من بيت شعري، بل من قصيدة، هي الأشهر في تاريخ العربية، وتعود لامرئ القيس (حوالي 501 م. – حوالي 540 م.). كما أبدأ انطلاقاً ممّا فَسرَه وعللَه لغويون وشارحون قدماء لحال هذا اللفظ في صيغة المثنى : "هي فعلُ أمرٍ مبني على حذف النون لاتصاله بألف الاثنين، يخاطب بها الشاعر رفيقيه (أو صاحبه المتخيل) ليطلب منهما التوقف والانتظار معه"؛ وهذا يعني أنه "خاطب الواحد خطابَ الاثنين. وإنما فعلتْ العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين (...)، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرون ألسنتهم عليه، ويجوز أن يكون المراد به : قفْ قفْ، فإلحاق الألف أمارةٌ دالة على أن المراد تكرير اللفظ" : هذا ما ورد في المدونة العربية العباسية في تفسير شطر هذا البيت الشعري؛ وهو تفسير لغوي، بل نحوي، يستند، في بعضه، إلى آيات قرآنية، وأبيات شعرية بعينها[2].
غير أن ما يقوم عليه هذا التفسير يستند إلى ما باتت تُحصِّلُه العربية، بل علومها، ولاسيما عِلم النحو، من اجتهادات وتعليلات متأخرة، أي لاحقةٍ بمئات السنوات على الحقبة الجاهلية، حقبة امرئ القيس وغيره. ما أربكَ العلماء القدماء في تفسير هذا الشطر، هو ورود حرف : الألف في الفعل : قفا. إلا أن ارتباك هؤلاء يعود (على ما يمكن التحقق والترجيح) إلى قلة استعمال المثنى في القصيدة العربية. فكيف إذ وجد هؤلاء في بعض آيات القرآن، وبعض الأبيات الشعرية، ما يعزز مثل هذا التفسير ! فالشاعر، إذ يخاطب اثنين، قد يعني أنه يخاطب واحداً، لكنه أخرجَه مع الاثنين، مثلما قال الشاعر سويد بن كراع العكلي :
فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر وإن ترعياني أحم عرضًا ممنّعًا[3]
غير أن ما يوجه هذا الاستعمال في التفسير، خارجَ اللغة نفسها، يعود إلى ما يَطلبه المستعمِل اللغوي منها، إذ تقول المدونة القديمة : "خاطبَ الواحدَ خطابَ الاثنين، وإنما فعلتْ العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين : راعي إبله وراعي غنمه، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرون ألسنتهم عليه". هذا يعني، بالتالي، وجود تفسيرَين ممكنين، لأحوال المثنى :
- إما أن يكون صيغة لغوية (مخاطبة الواحد على أنه اثنان)؛
- إما أن يعني توجهَ المخاطِب إلى اثنين ممن يحيطان به في عيشه، من قبيل : الرفقة، والعون.
وماذا عن المثنى في لغات أخرى ؟
إذا كانت العربية تحتفظ بالمثنى، فإن لغات قديمة غيرها عرفته أيضاً، مثل : العبرية، واليونانية، والسنسكريتية، والسلوفينية، والروسية، والبولندية، والقبطية وغيرها. أما في الفرنسية، فيتمُّ الحديث عن (duel)؛ وهو ما تؤكده تعريفات "مدرسة بور-رويال" (Port-Royal)، و"الأكاديمية الفرنسية"، إذ تشير إلى أن المثنى صيغة لغوية، وتتعين في الأسماء والأفعال، ما يقع بين الواحد والكثير. وهو اللفظ عينه في الإنكليزية : (dual)، فيما احتفظت هذه بما يدلُّ على المثنى في بعض ألفاظها واستعمالاتها :
both (les deux), either (l'un ou l'autre), neither (ni l'un ni l'autre).
كان للغة – هذه أو تلك – أن تعاين وتعد، ما يشير إلى : الواحد، والاثنين، والكثير، والجميع، فيما تتحدث اللغة الباسكية عن صيغة لغوية ثالثة، صيغة غير محددة عدداً، وتقع بين الواحد والجميع.
غير أن إحالة لفظ المثنى بالفرنسية أو الإنكليزية – لو اكتفيتُ في الدرس بهاتين اللغتين – تشير، في معانيها ودلالاتها، إلى التلازم التنازعي. لو عدتُ إلى "القاموس التاريخي للغة الفرنسية"، الأخير في معاجم "لو روبير" (Le Robert)، لما وجدتُ فيه لفظ : (duel)، بل وقعتُ وحسب على لفظ : (dualité). ولو تفحصتُ ما ورد فيه، لوجدتُ أنه يتحدث عن سقوط اللفظ من الاستعمال، وعن وروده في اللاتينية بما يشير، في لفظ فلسفي التحديد، عن اثنين متنازعين، ولكن متلازمين. هكذا سقط (duel) من الاستعمال، وأخلى مكانه – إن جاز القول – للفظ آخر : (dualité)، الذي بات يتعين في الفلسفة أو في العلوم (الكيمياء)...
إلا أن هذا التفقد، والفحص الابتدائي، للفظ المثنى لا يكفي، وإنما يحتاج إلى توسعة، وإلى إدراجه في مدونة اللغة، ابتداء من المعجم، على سبيل المثال، لدرس تعالقاته، سواء في اللغة أو خارج اللغة (في الاستعمال الفردي والاجتماعي)، وهو ما يقع بين الأعداد ومعانيها ومناسبتها لأحوال التلفظ والتخاطب.
غير أن الدراسات اللغوية المتأخرة تفيد أكثر من حاصلٍ :
- بقي المثنى في العربية، فيما خرج من الاستعمال في كثير من اللغات؛
- يشير المثنى، في أحواله اللغوية القديمة، إلى صيغة نحوية تفيد في الحساب العددي، سواء للبشر، أو للكائنات، أو للأشياء.
بين الواحد والاثنين والكثير والجميع
أجريتُ الكلام أعلاه عن اللغة بوصفها نحواً وقواعد واستعمالات، مشيراً في هذا إلى ما يقع في المعجم، وإلى ما تتيحه الاشتقاقات، من دون أن أفرد مجالاً لاستبيان هذه المدونة اللغوية في خارجها. هذا يعني وجوب التوسع المزيد إلى ما "تَحملُه" اللغة من استعمالات واحتياجات وتمثلات.
فاللغة، بصورة عامة، تَحفظ جانباً تاريخياً من اللغة، ولو كان غير مدقَّق : تُدونُه، وتُبقي عليه حتى لو سقط استعماله، وبات من "الأوابد" (كما تقول العربية). هذا ما جرى التحقق منه أعلاه، ولو من دون توسع، إذ جرى التنبه إلى أن الكثير من اللغات جمعَ، في صيغه النحوية، أحوال المثنى؛ وهو ما تبددَ في غير لغة، لاسيما التي عملتْ على "إصلاحٍ" و"تقعيدٍ" جديدَين لها، كما فعلته الفرنسية ابتداء من "مدرسة بور-رويال" (في القرن السادس عشر)[4]، أو ما قامت به لغات، مثل الإنكليزية، في بناء ما تسميه : "القواعد" (grammar)... هذا ما لم يُصِبْ العربية؛ وقد يعود هذا الأمر إلى احتفاظ العربية بماضيها اللغوي، بل إلى احتياجها للمثنى ابتداء من اللزوم القرآني الذي يستوجب حضور المثنى مثلما يشتمله في عدد من آياته؛ فضلاً عن أن العربية لم تُجرِ أي "إصلاح" من هذا النوع.
لنضعُ جانباً، في تقدم البحث، هذه المراجعات الإشكالية، ولنتوقف عند ما توفره أكثر من لغة لجهة حضور المثنى، أو تحوله اللغوي والاستعمالي. فلقد بدا، أعلاه، أن المثنى اشتمل، في العربية، على معان ودلالات تستوجب التوقف عندها، والتفكير في حمولاتها، بما يشير إلى احتياجات الجماعة اللسانية إلى توليدات وتمثلات وتعبيرات ابتداء من صيغ اللغة.
سبق أن جرى الكلام على أن الجامع بين كثير من اللغات هو تسمية : اثنين (واثنتين)، ما يقع في حساب عددي، يميز بين : الواحد، والاثنين، والكثير، والجميع (حسب العربية على الأقل). وهذا الحساب العددي يشمل شعوباً ومجتمعات وثقافات؛ وقد تختلف هذه فيما بينها بخصوصه، على غرار ما نعرفه، اليوم، عن استمرار العدِّ الصيني القديم، وهو تمثيلُ الأرقام بأصابع اليدين : هذا العدُّ قديمٌ قدمَ احتكامِ المجتمع الصيني إلى تقاليد معهودة بالمقارنة مع مجتمعاتٍٍ غيرها. إلا أن هذا المَثل يشير (مع غيره بالطبع) إلى أن تنظيم التعاطي مع وجوب العدد في التداول الإنساني مسألة شغلتْ البشر، وأوجدوا لها حلولاً وتطبيقات مختلفة، من دون أن تكون واحدة على أي حال. هذا ما جرى التنبه إليه أعلاه، إذ استعرض الكلامُ حالَ المثنى بين اختفائه (بعد وجوده السابق) في لغات عديدة، وبين بقائه، كما في العربية القديمة والحالية[5].
لهذا فإن تمثُّلَ اللغة للعدِّ، وبناءَ نسقٍ له، ليس نظاماً ثابتاً، لا فلسفياً، ولا رياضياً، وإنما هو نظام وضعي، إذا جاز القول. غير أن استعراضَ، وفحصَ، تاريخيةِ أو أحوالِ هذا النظام، هنا وهناك، قد يفيد في كون اللغة قد اشتقتْ وصاغتْ ما وجدتْه مناسباً لحاجاتها في التداول؛ وهو ما تتيحه قراءة العربية نظراً لقدمها اللغوي والتاريخي في آن.
سبق أن جرى الكلام عن أن الاحتياج إلى العدِّ، وإلى ضبطه لغوياً، في الاسم كما في الفعل، محدِّدٌ أول في استجلاء تجليات المثنى وتعبيراته. إلا أن البحث يحتاج إلى استخلاصِ محدِّد ثان، ولازم، في هذه العملية المتمادية، وهو وجوب : التصنيف للعدد. هذا يعني أن العدَّ يختلف واقعاً، أو يحتاج في لغويته وصيغه إلى ما انبنتْ عليه اللغة بين كونها تعود إلى المذكر أو إلى المؤنث. فالمثنى يختلف بين كونه يعود إلى المرأة أو إلى الرجل، فكان أن أوجدت له اللغة صيغة تمييزية بالتالي لهذا الجنس أو ذاك. وهذا يشمل كذلك : البشر، والكائنات، والأشياء (رجل ورجلان، امرأة وامرأتان، نمر ونمران، جبلٌُ وجبلان...). مثل هذا الوجوب الصنفي (أو التصنيفي) يشير إلى واحدَين، أو واحدتَين، ما يعني أنهما يلتقيان بعد الأصل في الوجود.
هذا يعني، في خلاصة إجمالية، أن اللغة - أي لغة - طلبتْ توفير عدةٍ ومؤشراتٍ لتسمية المناسب من الأعداد[6]؛ إلا أن متابعة البحث تستدعي، إلى ذلك، تفقدَ ما اتكلتْ عليه اللغة من ألفاظ واشتقاقات وصيغ لتلبية المراد في التسمية والتعبير. لقد بان، أعلاه، وجود شقاق بين العربية (لاسيما القديمة) ولغات أوروبية (لاسيما "الحديثة"، والمصلَحَة)، إذ لا تتوافر في هذه اللغات التمايزات أو السمات عينها. سبقَ أن استبين البحث أن المثنى بات يعني (في الفرنسية والانكليزية وغيرهما) النزاع، فما يمكن القول في العربية ؟
يمكن الإجابة، بداية، على أن صيغة المثنى بالعربية لا تشير، في أبنيتها واشتقاقاتها ومعانيها ودلالاتها، إلى النزاع وما يتضمنه كذلك. يرى سيبويه (وهو أبرز النحاة في الحقبة العباسية، حقبةِ "تقعيد" للعربية) أن التثنية هي ضمُّ اسمٍ إلى اسمٍ يُوافقه في اللفظ والمعنى. ويفيد لسان العرب أن "الأحد" هو "الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر". وماذا يفيد المعجم عن الفرد إذ يتوجه إلى آخر ؟ ألا يكون للفظ : "ثنى" معانٍ ودلالات غير لغوية حصراً ؟
"ثنى" : "ردَّ بعضَه على بعض"؛ و"الثني ضمُّ واحد إلى واحد"؛ كما "يُقال : فلان ثاني اثنين، أي هو أحدُهما، مضاف، ولا يقال هو ثانٍ اثنين بالتنوين". هذا ما يَجمع، بالتالي، من دون أن يكونا واحدَين متقابلَين أو متعاكسَين؛ ومن دون أن يكونا الهيئة والمرآة، أو الشخص وظله.
حاصلُ ما سبق تفقدُه أعلاه :
- المثنى صيغة لغوية، نحوية، عنتْ في لغات قديمة : العدَّ بين الواحد والكثير، سواء في البشر أو في الكائنات، أو في الأشياء؛
- تراجعَ، بل اختفى، استعمالُ المثنى في كثير من اللغات، فيما بقي ممكناً ومستعمَلاً في العربية حتى أيامنا هذه؛
- أبانتْ المعاني والدلالات القديمة أو السارية المتحدرة من اللفظ الدال على : المثنى، أنها باتت تعني : النزاع والعراك، فيما لا تشير إلى هذا المعنى، بل إلى خلافه، في العربية، إذ يعني : اجتماع اثنين من دون خصام، ما يعني : المعية، والرفقة، والتعاون.
أدبية المثنى
جرى التحقق من وجود المثنى في كثير من اللغات، ثم جرى التخفف من استعماله إثر إصلاحات لغوية. ما أبقى المثنى في العربية (قبل حديث البعض عن "فتنته"، أو "سلطنته")، هو لزوم الاحتياج إليه في القرآن، فضلاً عن مقتضيات ثقافة : "النسب المبجَّل"، التي تلتْها ثقافة : "الأصل المقدس". ولعل أسباب قيام المثنى في البناء اللغوي، يعود، كما في لغات أخرى، إلى العدِّ وحسب، وهو العدُّ التدرجي، إن جاز القول.
إلا أنني أطلب، في هذه الورقة، بعد هذه المقدمات اللازمة، التوجه صوب "أدبيةِ" ورودِ المثنى في العربية القديمة (بين الشعر الجاهلي والقرآن)؛ وهي وجهة في التفسير، أخرى في درس المثنى، وبعيدة عمّا هو متداول : هذا التفسير يتعدى اللغة نفسها، في مفرداتها وأدواتها وأجهزتها، ليتناول أبنية اللغة، أو وجهات المثنى في أحوال التلفظ والتأليف بالعربية.
المثنى ليس جزءاً وحسب من لفظ، أو صيغة تصريفية، لكي يُعتنى وحسب بفحصه "في ذاته"، وباستقلال عمّا يَتقوَّم به. فالاحتياج إلى المثنى، لغة وترتيباً وتعبيراً، يَتعيَّن في ما يَطلبُه مقامُ القول، أو وظائفه (كما تقول اللسانية الحديثة). هناك أكثر من فارق بين : "دخلَ الرجلان إلى البيت"، وبين : "توقفا عن الدخول إلى البيت !". فالوظيفة اللغوية مختلفة بين المثالين : في المثال الاول هناك من يَصف أو يَسرد، وفي المثال الثاني، هناك من يُوَجِّه أمراً أو نهياً.
في إمكان الدارس التوقفُ عند حضور المثنى في الجملة العربية : يَدخل المثنى (كما هو معروف) إلى الاسم والفعل، من دون الأداة؛ وهذا يعني – إجرائياً وتحليلياً – درس المثنى في أحواله التأليفية، وليس التوقف (كما أجده في كثير من التحاليل السارية للمثنى) عنده وقفةً جزئية، بل تجزيئية، مثلما هو عليه التوقف البلاغي عموماً. هكذا ابتعدتُ عن نحو المفردة، واتجهتُ صوب التفكر في ما للمثنى من حضور، من بناء، في المقام اللغوي، لاسيما التأليفي. هكذا اخترتُ التوقف، بداية، عند استعمالات معروفة، لاسيما قديمة، في الشعر العربي : ماذا عنها ؟
أمكن التنبه إلى أن كثيراً من هذه الاستعمالات[7] تَرِدُ في صيغة التخاطب، من جهة، وفي مطالع القصيدة، من جهة ثانية. هكذا استفتحوا قصائدهم بالنداء : "خليليّ"، أو : "صاحبيّ"؛ أو بالأمر والنهي : "قفا"، و"عوجا"، و"لا تعذلا" وغيرها من أحوال التثنية. وقد يَرِدُ المثنى في حوار مع : الغراب، أو الناقة، أو الثور، أو الغزال وغيرها؛ ومِن ذلك ما قالَه مجنون ليلى، وهو ينادي حمامتَين...
يَستعرض البغدادي، في مجمل حديثه عن : "قفا نبكِ"، أقوالاً عديدة فيها، ويذكر منها : أحدُها يعود إلى "أكثر أهل اللغة"، وهو أنه خطاب لرفيق واحد؛ إذ قالوا إن العرب "تُخاطب الواحد بخطاب الاثنين"، كما في القرآن، في مخاطبة الله مالك : "ألقيا في جهنم..."[8]. كما يَذكر البغدادي رأي ابن النحاس : "إن هذا شيءٌ يُنكره حُذاق البصريين (علماء البصرة)، لأنه إذا خاطب الواحد مخاطبة الاثنين وقعَ الإشكال"؛ ويعقب البغدادي على قول ابن النحاس : "وفيه نظرٌ، فإن القرينة تدفعُ اللبس". وثمة قول آخر أورده البغدادي على أنه للمبرَّد، إذ قال : "التثنية تأكيدُ الفعل، والأصل (قف قف)؛ فلما كان الفعل لا يثنى، ثُـنّي ضميره". ولا يغفل البغدادي عن الرأي الذي يرى أن خطاب المثنى هو للمثنى حقيقة، ويقول إنه رأي الزجّاج. وما يمكن القول في ورود المثنى في آيات قرآنية ؟
يقول محمد بن سلام الجمحي : "وقولُه تزجراني، وتتركاني"، وإنما يريد واحداً، وقد تفعل هذا العرب"[9]. كما ورد عند ابن عبد ربه : "قال أهل التفسير في قول الله عز وجل : ألقيا في جهنم كل كفّار عنيد، إنه إنما أراد واحدًا فثناه"[10]. ولقد أورد الزركشي نحو أربعين وجهاً من "وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن"، وذكر من بينها خطاب الاثنين بلفظ الواحد، وخطاب الجمع بعد الواحد، وخطاب الواحد والجمع بلفظ الاثنين[11]. وقال ابن فارس، في أكثر من موضع، وهو يتناول ظواهر لغوية خارجة عن المألوف اللغوي : "من سنن العرب أن تفعل ذلك"[12]. كما يَستشهد القرطبي بما قاله الخليل والأخفش : "إن هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الاثنين، فتقول : "ويلك ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد". كما قال الفرّاء : "تقول للواحد قوما عني"[13]. ويتفق القرطبي، في تفسيره، مع ما قاله ابن جني : "إن العربي الفصيح إذا قوي طبعُه لم يبال أن يقع الشذوذ في شيء من كلامه"[14]. هذا ما يشير، في هذه المراجعة، إلى أن في الامر، في الاستعمال، ما يشير إلى مبالغة، إلى "ثني" واحد على آخر، ما هو من التعبير الأدبي، وربما له مقاصد ومأمولات اجتماعية.
قد يتمثل أسلوب المبالغة في اللغة باستخدام قد يبدو غريباً سواء للتثنية أو للجمع، فابن سلام الجمحي ينبهُ إلى ورود نماذج منها في الشعر القديم، فيقول عنها : "وقد تَفعل هذا العرب" مستشهداً بأبيات فيها صيغة المثنى للدلالة على المفرد، كما في قول الفرزدق :
عشية سال المِربدان كلاهما عجاجةَ موت بالسيوف الصوارم
هذا ما أظهره كذلك العجاجُ في تفسيره للقول القرآني : {لا تحسبنّ الخندقيـن والحَفَر}، فيما هو خندق واحد" (الجمحي، م. س.، ج 1، ص 180). وهو ما يمكن قوله في غير آية قرأنية، مثل : {رب المشرقَين ورب المغربَين} (الرحمن 17)، أو : {رب السماوات وما بيـنهما ورب المشارق} (الصافات 5 )، فيما نعرف وجود مشرق واحد... هذا ما تؤكده آيات عديدة، واردة في غير سورة قرآنية : انظر {ولله المشرق والمغرب}، البقرة 115، 142، 177، 258، والشعراء 28، والمزمل 9.
هذا ما أقرَّه ابن جني إذ رأى إلى هذه الاستعمالات المتباينة على أنها من "عادي" اللغة، وهذا "ليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته" (م. س.، ج 2 ، ص 392).
تدور التفسيرات، بالتالي، حول احتمالَين في الغالب :
- أن يُستعمل المثنى للدلالة على واحد؛
- أن يُستعمل المثنى للدلالة على اثنين.
ويمكن التنبه إلى غير هذا، وهو ما تطلبه الورقة في وجهتها التحليلية، وفق ما يرد في استعمالات المثنى في أشعار جاهلية:
- ورود المثنى في مطالع القصيدة؛
- ورود المثنى في صيغ تخاطبية؛
- قلما يفيد ورود المثنى أنه يطلب التوجه فعلاً إلى اثنين...
وهذا ما يتلاقى، في البناء اللغوي، مع ما ورد في غير سورة قرآنية.
إلا أنه يتوجب التوجه كذلك إلى شعر آخر في الحقبة الجاهلية، وهو : "شعر الصعاليك"[15]، إذ يتبدى، في درس شعرهم[16]، أنه لا يقوم على ما قام عليه الشعر الجاهلي الآخر، المذكور أعلاه، لاسيما في تفقدِ حضورِ المثنى في القصيدة. يمكن التنبه – على الأقل – إلى أن هذا الشعر لا يلتقي في مميزتَين في البناء الشعري :
- الميزة الأولى، هي أن قسماً واسعاً من أشعار الصعاليك لا تَظهر فيها البداية الطللية والمتعينة في التوجه إلى مثنى (كما قيل أعلاه)؛
- الميزة الثانية، هي أن أشعارهم لا تتوجه إلى مثنى بالضرورة، لاسيما في مطالعها، وإنما إلى مخاطَب أنثوي في الغالب، إلى "صاحبة" (وقد تكون الزوجة)، عند شعراء، مثل : عروة بن الورد، وذي الكلب الهذلي، والشنفرى، وعمرو بن براقة، والسليك وغيرهم؛ بل يمكن التأكد من أن للصاحبات أسماء بعينها : مثل توجه عروة بن الورد إلى من يرجح أنها زوجته، أو عمرو بن براقة إلى سليمى؛ أو عروة بن الورد إلى أم حسان (في أكثر من قصيدة) وغير ذلك[17].
المثنى ومقام القول
ما جرى درسُه أعلاه، اكتفى بالتوقف عند ورود المثنى (في ذاته) في الجملة، من دون عناية بمقام القول، فيما يمكن ملاحظة اختلافٍ بيِّنِ، أولي، بين الورود الشعري الجاهلي والورود القرآني للمثنى. وهو اختلافٌ يَتعيَّن تحديداً في مقام القول في الجملة المعنية، إذ هو : مقام تخاطبي في الأشعار، فيما لا يفيد - ما عدا أمثلة محدودة - التخاطب البشري.
توقفَ إميل بنفينيست، في دراسة شهيرة له عند "طبيعة الضمائر"، متخذاً من العربية المثال المناسب لفحص بناءِ ووظيفةِ الضمير[18]. فإذا كانت الفرنسية (وغيرها) تعتمد على ترقيم الضمائر بين ضمير "أول" و"ثان" و"ثالث"، فإن العربية تسمي الأول منها : "المتكلم"، والثاني : "المخاطَب"، والثالث : "الغائب". كما يصنف بنفينيست هذه الضمائر في نسقين : واحد "ذاتي"، ويشتمل على المتكلم والمخاطَب، فيما يتشكل النسق الثاني، غير الذاتي، من الضمير الثالث : الغائب. ويَربط بنفينيست بين الضمير المتكلم وفعل القول الفردي، وبين هذا الضمير وما يوجبه من علاقة حوارية لازمة مع المخاطَب.
ليس من الصعوبة بمكان التوقف عند أبيات شعرية قديمة، والتنبه إلى أنها تتعين في "النسق الذاتي"؛ وهو ما أطلبُ تفقده بصورة مزيدة. يمكن التحقق من أن مقام القول تخاطبي في هذا النسق، وله وجوه متعددة، ويستحسن التفكير في معانيه ودلالاته :
- الأول : يشير المثنى إلى دعوة للمشاركة، للمعِيَّة، أو للحضِّ على المشاركة، ما يعني علاقة مطلوبة، مرغوبة، بين اثنين على الأقل؛
- الثاني : يشير المثنى، سواء في الفعل أو في الاسم، إلى طلبِ تواصل، وطلبِ صحبة، في أمر، أو شاغل، أو موقف يمكن له أن يكون في ممكن الشراكة؛
- الثالث : يتصدر المثنى مطلع القصيدة، ما يجعل منه غرض القول، ومطلوبَه مع غيره الإنساني؛ وهو، بهذا المعنى، يبتعد عن السرد والوصف، لكي ينبني على طلب المرافقة؛
- الرابع : تتعين هذه المعية في قول حضوري، آني، موجَّه، مرغوب فيه، ما يجعل القصيدة، لا مطلعها وحسب، فعلَ نداء، فعلاً يتعدى مُطلقَه، ويبتغي التأثير على غيره.
تتبدى، في هذه كلها، احتياجات إلى القول، إلى التخاطب، بوصفها ما يَجمع، ما يقيم معية آدمية. وهو قولٌ يتوجه إلى آخر، بعيد، أو مَثُلَ فجأة، وقد صدر عن متكلم إلى من يتفقده، ولا يجده. هو قولُ الواحد، والتوق إلى آخر، على أن التراسل الناتج هو طلبُ شراكة، طلبُ وجود.
وجدتُ من المناسب إجراء قياس شعري، وفلسفي، بين مقام المثنى التعبيري وما أرساه أفلاطون (وغيره) عن : المحاكاة بوصفها أساس البناء الفني، بما فيه الشعري. إلا أنني أطلب، بداية، التفريق، في المحاكاة، بين معنيين ضمنيين أكثر مما هما صريحان فيها :
- المحاكاة بوصفها تقليد الشيء، والتشبه به؛
- المحاكاة بوصفها تقديماً (أو إعادة تقديم)، أو تمثيلاً[19].
هذا يعني، في صيغة أولى، أن البناء الفني، ومنه الشعري، يمكن أن يَتشبه بما هو موجود خارجه، فيستعيده من جديد؛ وهذا يعني، في صيغة ثانية، أن يَطلبَ البناء الفني (ومنه الشعري) إعادة إحياء، بل تمثلٍٍ، لما يمكن أن تكون عليه وضعية خارجية في استعادتها، أو استحضارهاـ أو تدوينها. ما يمكن التفريق بين الصيغتَين، هو أن صيغة البناء الأول هي أقرب إلى الجمود، ما يصلح أكثر في أحوال التصوير والنحت، لا في الشعر، على أي حال. أما صيغة البناء الثاني فهي أقرب إلى ما هو حيوي، بل مسرحي، ما يناسب الشعر، في بعضه. إلا أن ما يتبدى في "وقفة" امرئ القيس وأقرانه لا يتناسب مع شكلَي المحاكاة المذكورَين؛ فما تتوكل به المعلقة (أو غيرها) لا يقوم على تشبهٍ، أو تمثلٍ، بل على توجيهِ كلام. هذا يرسم – ولو بضرباتِ قلمٍ سريعة – مشهدَين مختلفَين :
- مشهد إغريقي موافق لشكلَي المحاكاة والتمثيل؛
- مشهد جاهلي، ثم إسلامي، متركزٍ على إصدار القول.
هذا ما يمكن التحقق من جدواه التفسيرية والتحليلية، لو خرج الدرس من الشعر إلى غيره من الفنون في السياق الجاهلي ثم الإسلامي. لا يحتاج الدرس إلى تفقدٍ شديد لكي ينتبه إلى أن المحاكاة بشكلَيها لم تكن ذات ارتكازات أكيدة في حَراك المجتمع الجاهلي، في احتياجاته وتطلعاته. فإذا كانت الجاهلية عرفتْ معبودات وثنية ظهرتْ في نُصب وتماثيل، وربما في صُوَر مع السيدة العذراء، كما جرى ذكرُها[20]، فإننا لا نملك صوراً عمَّا كانت تتشبهُ به، بل هي – على الأرجح – منحوتاتٌ وصُوَرٌ مبنية على التخيل، أو الاعتقاد، ولا تَستند، بأي حال، إلى أصل، أو مرجع تتمُّ العودة إليه، والتشبه به[21].
أما في السياق الإسلامي، فإن التشبه بقي محدوداً، ونادراً، في ما خلا ما ظهرَ من صور آدمية في بعض القطع النقدية حتى منتصف خلافة عبد الملك بن مروان[22]. ولهذا كذلك تحسَّرَ الإمام محمد عبده، بعد قرون وقرون، على خلو المتن القديم للحقبة الإسلامية من صور وهيئاتِ الكثيرِ من شخصيات هذه الحقبة، فيما يتحقق عبده (في رحلة إلى مالطة، على ما ذكرَ بنفسه) من توافر هيئات ومشاهد، بلغة الرسم والتصوير والنحت، عن سابق الحياة الأوروبية[23].
ما قلتُ في مسعى التشبه، يمكن أن أقوله في مسعى التمثيل كذلك : التجاربُ العربية القديمة في الفنون لم تعرف مسرحاً، ولا "تمسرحاً"[24]، لا في الجاهلية، ولا بعدها[25]. ولو ذهبَ الدرسُ أبعد من هذا، لاسيما في الحقبة الإسلامية، لوجدَ أن أنواع الشعر العربي تعينتْ، في غالبها، في ما أنتهي إلى تسميته بـ "ثقافة القول"، أو "ثقافة الإبداء". فالعائد إلى مدونة الشعر العربي القديم يتنبه إلى أنها تتعين في الأنواع الشعرية التالية : المديح، والهجاء، والرثاء، والغزل، والنسيب، والفخر وغيرها؛ وهذه كلها أنواع شعرية تَطلب توجيه القول، من دون سردٍ أو إخبارٍ في الغالب. ولوجد كذلك أن الوصف وحده، بين هذه الأنواع الشعرية، له قربى ممكنة مع إمكانات التشبه؛ وهو (أي الوصف)، في واقع الأمر، أضعفُ أنواع الشعر العربي االقديمة. هذا يعني حاجة ممتدة إلى ثقافة القول، إلى طلب الكلام، إلى طلب التراسل والتواصل، إذ يجمع بين متكلم ومخاطب، أو بين متكلم فردي ومخاطَب، فردي أو حماعي.
ثقافة القول والإبداء
لا يتوانى الدرس عن ملاحظة أن مفاهيم، مثل : المحاكاة، والتمثيل، والتقديم، وإعادة التقديم وغيرها، تتبدى وتتشكل في خطاب الفلسفة، على الأقل منذ أفلاطون (وغيره) بلوغاًُ إلى هايدغر (وغيره)، ومروراً بديكارت نفسه. لا يحتاج الدرس إلى كبيرِ شرحٍ لاستبيان أن في تشكلات التفلسف الأولى لدى الإغريق ما ينبني على المحاكاة، وأن هذه تتوازى وتتعالق في السياق الإغريقي مع تجليات وتعبيرات الجدل الفلسفي، من جهة، ومع حوارات المسرح وغيرها، من جهة ثانية.
لو توقف الدرس عند "كوجيتو" ديكارت الشهير : "أنا أفكر، إذن أنا موجود" (cogito ergo sum)، لوجد أن ما يَبني الجملة الشهيرة لا يعدو كونه "تمثيلاً" لحركةِ تفكرٍ، أي ما يَقع، لغوياً، بين ثلاثة أطراف : المتكلم الذي يَصدر عنه القول، والمخاطَب على أنه هو "الآخر" الذي يتوصل المتكلم إلى تعيينه، والمتلقي في كتابٍ لِما تفوَّهَ به المتكلم لنفسه عن نفسه المفكرِّة. هذا ما يشبه ما يُسمَّى، في الحوار المسرحي، : "خطاب الممثل لنفسه" (monologue) : الممثل يُحادث نفسه، ويوجه القولَ، بفعل التعبير، إلى آخر، على أنه "ذات" أخرى، مفكِّرة، غير جسده (لو طلبنا الفصل والتمييز)؛ إلا أن هذا الممثل (بل المؤلف الذي وضعَ نصَ المسرحية) يُدرك أن وجوده وحده فوق الخشبة، وأن حديثه المنطلِق، ينتهي بالضرورة إلى مستمِع، إلى جمهور، يتلقاه في الصالة، أو إلى قارئ في قاعة القراءة.
يَنطلق هايدغر من كتاب التأملات لديكارت، ويجد أن بناء العبارة الشهيرة ("أنا أفكر، إذن أنا موجود") يشير إلى "عملية تمثيلية"، في كتابه : نيتشه : العدمية؛ ويعني هذا أن "التمثيل" هو "تمثيل الذات"، وأن المتكلم في القول لا يصبح موضوعاً لتمثيلٍ، وإنما يصبح "حاضراً قي فعل التمثيل الموضوعي". فالوعي بالموضوع هو وعي للذات، وهو أساس كل تمثيل : هكذا تظهر الأنا بوصفها ذات فعلٍ تمثيلي. ويخلص هايدغر إلى القول : "فمعرفتي بأني أفكرُ، حين أفكرُ، هي فعلُ تمثيلٍ بالمعنى الأتم الأكمل". هذا ما عنى، في حساب هايدغر، أن التفلسف الإغريقي تعامل مع الموجودات بوصفها "ﻛﻴﺎﻧﺎت ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺗﻨﺘﺼﺐ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﻟﻬﻢ"، أي أنها قابلة للظهور والسطوع؛ وهو ما يُنجزه المسرح في تشكل بناء نصه مع الموجودات خارجه[26].
إلا أن التمثيل، وفق هذه المعاني والتشكلات، هو غير : المحاكاة (mimesis)، كما تجلتْ في اليونانية القديمة. هذا ما نحا ديريدا، في كتابه[27]، إلى تفسيره، في كلامه عن تفسير هايدغر للمحاكاة، إذ وجد أن ما كان قريباً من "التقديم" انتهى، في لغات أوروبية، إلى لفظ (imitation) البعيدِ عن التمثيل، وبالتالي عن "إعادة التقديم" (représentation). ما يتضح، في كلام ديريدا، هو أن المعنى المتشكل في اللفظ اليوناني القديم يتعين : في الظهور، في ما هو قريب من معنى : ما بدا (: البُدُوّ) في العربية الجاهلية.
لا أحد من الدارسين يختلف في القول في أن العربية تعود، في ما درستُ أعلاه، إلى عربية القبائل. إلا أن الدرس لم ينتبه كفاية إلى مؤديات هذا التكوين القبلي للغة، سواء في اجتماع كلِّ قبيلة على أنها "وَسَط لغوي" (في لغة اللسانية الحديثة)، أو مجتمع (في لغة البناء الاجتماعي)، وفي أنها – قبل هذا – تتحدر لغوياً واشتقاقياً (على الأقل) من فعلَي : بدا، ثم من : حضر. هذا ما تحتفظ به العربية مثل وصية مكتوبة في تضاعيف الاشتقاق : "بدا" أدَّتْ إلى : "بَدو" (أي "الرُّحل" المتنقلين)، و"حضر" إلى : "حَضَر" (أي "الحَضَر" الثابتين)؛ وهذان هما مجموع المجتمع الواسع، القبلي كما اللغوي، في شبه الجزيرة العربية.
لم يكن من الممكن أن تنشـأ تصوراتٌ وتعبيراتٌ وتطلعاتٌ إلا في هذا الانفراد باللغة، من جهة، والتقاطع مع غيرها، من جهة ثانية. لا يسمح الدرس، هنا، في التدقيق في تاريخية المثنى (أو غيره)، إلا أنه ما قبل إسلامي، من دون شك؛ أما امتدادُه، أو بقاءُ وجوده في عربية ما بعد الإسلام، فيبقى معدوداً : في مطالع قصائد، لاسيما في المديح، ما يشير إلى "حِلْية" أدبية لتأكيد : النَّسَب الأدبي المُبَجَّل.
يمكن القول، وفق هذه الوجهة في التعيين، إن المثنى – كصيغة تعبير جاهلية – عبَّرَ عمّا هو حاجة في التخاطب، في الوجود، أي أن يكون المثنى أبعد من مراد المثنى الحصري، ما دام طالبُ الكلام يقول شعراً، وهو قولٌ مرشحٌ للانتشار، أو مطلوبُه. من المؤكد أن المثنى عنى، ولبى، الحاجة إلى تعيين اثنين، ما يعني لقاء ثلاثة في الموقف، إلا أنه عنى، ولبى، ما هو أبلغ من هذا، وَيَتعداه خصوصاً. فقد عنى المثنى، ولبى، أكثر من هذا، وهو التشديد على التأكيد في الموقف، في التعبير : كما لو أن المتكلم المفرد يَطلب في وحدته، في خلاء القفر، ووحشة الطلل، أن يشاركَه غيرُه، أي أكثر من واحد، في ما يَقصده من تعبير، من موقف. إذ لو طلب الشاعرُ التشديدَ في التأكيد أكثر، وأبعد من المثنى، لكان عليه أن يتحدث باسم : الكثير، أو الجميع، وهو ما تتيحه العربية بين المثنى والأكثر عدداً منه في صيغ اللغة.
في هذا، يكون المثنى تضعيفاً لما هو معيَّن في وحشة الوجود القَبَلي. يكون المثنى، في هذه الأحوال، وصلاً وتواصلاً في ما يتعدى الأخ أو القريب، وفي ما يستدعي ما لا نعرفه مؤكداً، لكن ما له أن يَِجتمع في : "الخليل"، و"الصديق"، و"الصاحب" وغيرهم. فهذا الصاحب هو القريب المجهول، القريب العمومي (إن جاز القول)، فيما الكائنات الأخرى (الخليل، والصديق) تقع خارج النَّسَب القبَلي، النَّسَبِ الملزم. وقد يكون الحديث عن : الخليل (ما يرد في غير قصيدة جاهلية) هو الأنسب، إذ يشير إلى ما هو أقرب، وأمتن، وألذ، ومما يتعين في المزاج، في التناغم والتوافق بين اثنين.
قد لا يرى البعض أهمية بينة لمثل هذا التفسير، وهو ما يمكن استبيانه، وإقامة الرأي عنه، في أبسط العبارات تداولاً في عربية القبائل :
السلام عليكم...
على الرحب والسعة...
حللتمْ أهلاًُ، ووطئتم سهلاً...
هذه العبارات (وغيرها) بسيطة، متَّبعة، سارية حتى أيامنا هذه (بما فيها في تركيا، أو في بلاد إسلامية أخرى)، وتَكشف، في بنائها الاشتقاقي والدلالي، ما يََقع في استقبالِ من هو من خارج مجالِ قبيلةٍ بعينها، موضحاً أنه جالبُ سلام، لا جالبُ نارٍ أو ثأر. فهذه العبارات تَرسم ما هو أقرب إلى حدود، بما تطلبُه وتقومُ عليه من إجراءات و"لياقاتِ" قبولٍ عند استقبالِ وقبولِ أحدهم، القادمِ من خارج المجال القبلي : هذا يَشمل الواصل، الزائر، الداخل إلى مضارب قبيلة غير قبيلته، المعلنِ أنه يُلقي "السلام"، ولا يتوخى شراً؛ كما يَشمل جواب المستقبِل، وهو تقبلُ دخول الوافد إلى مجالهم ما دام لا يضمر شراً، أو عداء...
هذا ما له أن يتعين أيضاً في التمايز القبلي، الاجتماعي، والتعبيري، كما تجلتْ بعض تعبيراته أعلاه، بين شعرٍ جاهلي ذي نسب قبلي صريح (كما في المعلقات)، وشعر جاهلي آخر (شعر الصعاليك)، خرج من الانضواء في مضارب قبيلة ما، ومن التقيد بأحكامها وقيمها، صوب عيشٍ مختلف، وتعبيرية مختلفة، هي الأخرى : يمكن التنبه، في هذا التمايز، إلى أن التعبير القبَلي "الصعلوكي" مالً إلى ما هو أقرب من التعالق الفردي مع "الصاحبة" (كما جرى ذكره)، من جهة، ومن مواجهة الانفراد في الوحشة مع الصحراء، ومع "الغير" المبهم، من جهة ثانية.
هكذا تتبدى حدودٌ مختلفة في المجال الصعلوكي منها في المجال القَبَلي : تتبدى الحدود، في المجال الأول، في ما هو أقرب إلى مواجهة الغامض والموحش، التي يتولاها الفارسُ والمنفردُ بنفسه؛ وتتبدى الحدود، في المجال الثاني، في ما هو أقرب إلى بناء مجتمعي تقليدي ضمن القبيلة الواحدة، ومُباعِد فيما بينها وغيرها من القبائل. لهذا يبدو التوجه إلى مثنى في الحال القبلية توجهاً أقرب إلى طلبِ التخاطب مع من هو أبعد من المخاطَب في مجال كل قبيلة، فيما يبدو التوجه إلى مثنى في الحال الصعلوكية أقل حضوراً، وينحو أكثر صوب التخاطب الإنساني القريب.
إلا أن هذه الحدود، كما تبدتْ في الحقبة الجاهلية، لم تختفِ تماماً مع التشكلات الاجتماعية في دولة الخلافة، إذ يمكن التحقق من أن التجانب، أو التحاذر، الذي يُبطِل أي اجتماعيةٍ أوسع، ومشتركة، وأعلى من النَّسب، انتقلا (التجاذب والتحاذر)، مع قيام الدولة الإسلامية، إلى تحاذرٍ، وتجانبٍ، بالمعنى الترتيبي الاجتماعي، وبالمعنى الأقوامي (أي النسبة إلى قوم) في آن : بين من هو قريب من الرسول، ثم تدرجاً في المكانات الإسلامية المختلفة والمتباينة، وفقاً لِما يمكن التحقق منه في قيود "الخَراج"، وعوائد "الفتوحات" المادية المرتبطة به؛ وبين مَن هو عربي ومن هو عجمي؛ وبين مَن هو "سيِّد" ومَن هو "مولى"، وبين مَن هو "شريف" ومَن هو من "العربان" وغير ذلك من التمايزات الاجتماعية والأقوامية. هذا كله عنى عدم وجود أفراد متساوِين بالضرورة في المجتمع، في الخراج، في الدولة (لاسيما في تشكلاتها الأولى)، بل فئات مختلفة وفق حسابات قَبَلية أو أقوامية، ما يُبقي، بالتالي، تشكلاتٍ متعايشة على قدر من التباعد ذي الأساس العامودي.
المثنى في حُلُمية
أميل إلى القول، بل إلى التلخيص، بأن المثنى هو الأصل الثالث (إذا طلبتُ التعداد)، بعد الأصل الأول، أصلِ النشوء الأسطوري، أو الخليقي؛ وبعد الأصل الثاني، المنسوب إلى بدءٍ نَسَبي، وديني وأسطوري للكائن في عائلة أو في قبيلة؛ فيما يتعين المثنى الثالث (حسب العربية) في "مَعِيَّة" أو "رِفقة" مختارة، أي فردية، وهي اجتماعية وواقعة - لزوماً - في الزمن.
هذا الأصل الأخير – ما دام قد بلغَ اللغةً كما الخطاب - يعني تشكلاً واجتماعاً لاثنين، أي ما هو الحد الأدنى، والمختلف عن الأخوَين، بالتالي. هذا المثنى انتفى من غالب اللغات لصالح تسميات مغايرة تؤكد النسبَ، والعرقَ، والنقاوةَ، أو تؤكد التمايزَ التعاكسي أو النزاعي. هذا ما تَحتفظ به اللغات، ويُعيِّن، بالتالي، الكون كما الكائن. فصيغة المثنى تَمنع (بمعنى ما) الوحدانية، سواء الجوهرية، أو المنقسمة على نفسها، أو الثلاثية في تعددها وغيرها؛ كما تمنع هذه الصيغةُ الانبساط الوجودي كما الفكري بين الواحد والجميع (ومنه الكثير).
هكذا يتيح المثنى وقفة ممكنة لما هو ممكنٌ خارج نسق : الأصل، أو نسق : الجَّمع. هي وقفة، بل فُتحة على ما يمكن أن يكون، أن يقوم، من دون أن ننسبه إلى أصل واحد، مغيَّب ويتحكم به "القابضون على شرعية المقدس"، حسب عبارةِ إميل دوركهايم؛ ومن دون أن ننسبه كذلك إلى ما هو جَمْعي، أو جميعي. هذه الفُتحة هي للتبين، وللبناء، وللتفاهم، وللتشارك، وللتعاهد. أتجيزُ العولمة هذا ؟ أتتيحه وتبيحه أم تبطل إمكانه ؟
يمكن الإجابة، ابتداءً، بأن العولمة هي "مََعِيَّةٌ"، و"رِفقةٌ" في ما أقامتْه من علاقات كانت صعبة التصور بين الكائن والكائن في الكون، أينما كان، وفي اللحظة عينها، في "بثٍّ مباشَر" (كما يُقال، اليوم). هذا ما يلخصه "الفيسبوك"، ويَرمز إليه، من جوار قريب، فيما هو بعيد؛ ومن جوارٍ ظاهرٍ، فيما يبتكر شكلاً مستجداً للحضور. والعولمة تقيم، في بعض تجلياتها وتعبيراتها، التواصل التلقائي، كما في حوار بالصدفة، أو في مطار وغيره : عابران من دون أرض وفضاء، في مَعِيَّةٍ بعيدة-قريبة، الا أن ما يجري بينهما يوَلِّدُ انفعالات، ولقاءات، وتشاركات، ولو هشة. أهذا يؤثر في تشكلِ رأي عام أو قِيَم ؟ أليس هذا مدعاة لأسئلة مزيدة عن الواحد، عن الفرد بين : الطيف، والظل، والقرين، والبديل و"الصاحب" (بمعنى : friend) وغيرها ؟
المثنى يعني : واحديَن اثنَين، من دون أن يعني أصلَين نشوئيين؛ وهو ما أتى فيما بعد، بعد التفرق، وبعد تكوين سلطة النَّسَب، وهيئة الكينونة بوصفها سلطة. فالمثنى اجتماعٌ معاً لمن قد يكونان مختلفَين، لكن تجمعهما الرغبة في أن يكونا معاً، وربما في عيشٍٍ أو موقفٍ مشترك، أو في التوافق على شروطِ كينونةٍ جامعة لهما. المثنى يعني : معاً، من دون أخوَّةٍ، أو عداوةٍ، أو تنابذ، بل يعني تناسباً وعَقداً. ولكن، ألا يكون المعنى الفرنسي أو الإنكليزي، هو الواصف المناسب لأحوال العولمة، ولما يجري ؟
قد يكون الوعد بـ"الأنوار"، وبالحداثة، وبجنة العولمة، سراباً. فقد كان للعولمة أن تُعزز ما يَجمع، وأن تُساوي بين الحظوظ، فإذا بها تجعل الشركات الاستثمارية العملاقة أقوى وأغنى من غالب دول العالم. وماذا عن إمكان التفلسف ؟ وماذا عن جدوى العلوم الإنسانية أمام سطوة التقنية المتفاقمة ؟ وماذا عن كون الهندسة باتت، مع 72 اختصاصاً جامعياً، تتصدر أي جامعة ؟ ماذا عن القانون الدولي والمساواة في الحقوق وحماية القانون لمن هو ضعيف أو فقير أمام القوي أو الغني ؟
يبدو أننا، نحن جماعة الثقافة الأكاديمية والحديثة (في اختصار)، نفقد مهنَنا، ومكاناتنا، و"هيباتنا"، وجدوى ما نقوله، أمام التقني، و"المؤثِّر"، والمصرفي...
ييدو أن : معاً، باتت تعني اجتماعنا مع الموجود الآلي.
على أي حال، السؤالُ مطروحٌ عن إمكان الرفقة، ولكن كيف ؟
نقطة وحسب تُفرِّق في العربية بين : "عرب" و"غرب"؛ إلا أن العربية لم تكن تحتفظ بهذا التمييز في تدوينها قبل بدايات الحقبة العباسية، عصرِ التدوين، واعتمادِ النقط للتمييز بين كثير من حروف العربية. هذا ما تفيده اللغة في تدوينها، إلا أن العربية، في خطابها، كانت تميز بين : "العرب" و"العجم"، وبين بلاد الإسلام وبلاد الكفّار... في هذا التمييز شِدَّةٌ، بل نفيٌ أو عداءٌ تام للغير. أما في الخطاب الأوروبي (ثم الغربي) فهناك خطاب ماهوي-هوياتي يَجعل من الغير إنساناً وفق قياس الذات المتكلمة أو الواصفة : "متخلِّف"، و"بدائي"، و"بَرِّي" وغيرها الكثير. هذا ما بَلغَ الحديثَ في القرن العشرين عن : العوالم (الأول، والثاني، والثالث وغيرها)، وبلغَ، في الألفية الجديدة، الحديث عن : "البلاد الصاعدة"، و"مجموعة بريكس" (Brics) وغيرها. هذا عنى، منذ خروجِ ربابنةٍ وعلماءٍ وعسكرٍ إلى العالم (في نهايات القرن الخامس عشر)، وحدةً أو جَمعاً يَتمثلُ في ما بات يلتقي في خريطة واحدة. لم يعد ممكناً الفصلُ، أو النفيُ الناجز بين الذات والغير؛ بات لزاماً على الخطاب إيجاد ما يَجمع من دون أن يُسقط الصراع على الغلبة.
الحديث عن المثنى بالعربية حديثٌ عن آخر، عن : آخر معي، وبرفقتي، من دون أن يكون أخاً، بل : "صاحبي"، وفق العبارة العربية القديمة. الصاحب ليس فرداً من عائلة، ولكن من جمعتْني به رفقةُ طريق، أو جلسة، أو وقفة (مثل الوقوف في قصيدة امرئ القيس). فصاحبُه، هو مَن : رافقَه، ولازمَه... حتى إن العربية تكتفي بالحديث عمَّن نعرفه معرفة ابتدائية، أو من نريد أن نقترب منه، أو نطلب منه أمراً : يا صاح...
المثنى بالعربية يشير، إذن، إلى المرافقة، من دون أن يعني المعنى نفسه خارج اللغة، إذ تصطرع في عالَم العربية التاريخي والاجتماعي التسميةُ والتعيينُ والهويةُ : بين "الشعب (العربي)" و"الشعوب (العربية)"، وبين "العالَم الإسلامي" و"العالَم العربي"، وبين "القبيلة" و"القطر" و"الوطن" و"الأمة"، وبين "الجماعة" (طائفة أو مذهب) و"الدولة" وما بينهما، وبين إمكان تفتح الذات[28] وفكرٍ إجماعي... وبالتالي، يبقى السؤال ملحاً : كيف لاثنين أن يجتمعا من دون أن يكونا متماثلين بالضرورة ؟ كيف لهذا أن يُضاف إلى ذاك، ما يعني غيريته اللازمة، والمعترف بها ؟
لهذه الاستعادة اللغوية إحالات تاريخية، إلا أنها تثير سؤالاً راهناً : ألهذا جدوى في التفكر، في التفلسف ؟ ألا يمكن الحديث - لاسيما مع وحدة تواصلية متعاظمة للعالم، بين فضاء وبشر - عن مثنى، لا عن ثنائيات ؟ وعن إضافات، وعن مزيدات، من دون قياسية غيرية ؟
هكذا تحتفظ اللغة بإبداعات ناطقيها، وبحماقاتهم، من دون حرج : هي في خدمتهم، وفي متناولهم.
الا أن اللغة هي أبسط ممّا تَحمل في عربات ألفاظها من معان ودلالات، إذ هي عربات متنقلة في الزمن، وفي الاستعمال. هي أبسط إذ تتكفل بالتسمية والتعيين، فيما نَعمل، سواء في عالَم الغرب أو في عالَم العرب، على حشوِها بما يقيم الحدود والنزاعات.
لهذا، اللغة لا تكفي إن لم نحسن التكلمَ بها، بما يُقرِّب، ويُوحِّد، لا بما يفرِّق ويخاصم.
أهذا كلامٌ لغوي له مرامٍ فلسفية، وربما سياسية ؟ لعلي أحلم ابتداء من مثنى العربية؛ هذا ما لا تستطيعه اللغة في التاريخ من دون شك، إلا أنها تستطيعه في التفكر، في التفلسف، في الاشتغال عليه في الخطاب : المثنى صيغة حالية، وللمستقبل.
أهذه رؤية حُلمية ؟ ربما. إلا أنها كذلك دعوة للتشارك في السؤال، في اشتقاق المعاني والدلالات بشكل أكيد.
(المحاضرة الختامية، المؤتمر الدولي : ابتداء من المثنى...، جامعة لورين في متز، فرنسا، بين 13 و14 تشرين الأول-أـكتوبر 2026).
أبيات جاهلية خاصة للبحث :
- ديوان امرئ القيس : تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، 1984.
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ
بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطِيِّهُم
يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَمَّلِ (ص 8).
خَلِيلَيّ مُـرّا بــِي عَـلىَ أمّ جُـنْـدَب
لِـتُقْضَي لُبَانَاتُ الفُؤادِ المُعَذّبِ
فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانـِي سَاعَةً
مِنَ الدّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدَىَ أمّ جُنْدَبِ
ألَمْ تَـرَيـَانـِي كُـلّـمَا جـِئـْـتُ طَـارقَــاً
وجَدْتُ بــِهَا طِـيـبـَاً وإنْ لـَمْ تـَطَـيّـبِ
عَقِيلَةُ أتْرَابٍ لَهـَا لا دَمِيمَةٌ
ولا ذَاتُ خَلْق إذا تَأمّلْتَ جَانـِبِ (ص 41).
- شعرعروة بن حزام، دراسة تحقيق : د. إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب، مجلة كلية الآداب – جامعة بغداد، العدد الرابع، 1961).
خليليَّ منْ عليا هلالِ بنِ عامرٍ
بِصَنْعَاءِ عوجا اليومَ وانتظراني
أَلم تَحْلِفا بِالله أَنِّي أَخُوكُمَا
فلمْ تفعلا ما يفعلُ الأخوانِ
ولم تَحْلِفا بِالله قدْ عَرَفْتُمَا
بذي الشِّيحِ رَبْعاً ثُمَّ لا تَقِفَانِ (ص 9).
- ديوان المفضليات، جمعها : أبو العباس الضبي، وشرحها : أبو محمد الأنباري، راجعها : كارلوس يعقوب لابل، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، 1920.
- عبد يغوث بن وقاص الحارثي :
أَلاَ لا تَلُومَانِي كَفى اللَّوْمَ ما بِيَا
وما لَكُما في اللَّوْم خَيْرٌ ولا لِيَا
أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ المَلاَمَةَ نَفْعُها قليل
وما لَوْمِي أَخِي مِن شِمَالِيَا (ص 155).
المرقش الأكبر :
"يا ذاتَ أجوارنا قومي فحيينا
وإن سقيتِ كرتمَ الناس فاسقينا" (ص 886).
- ديوان عروة بن الورد أمير الصعاليك، تحقيق : أسماء أبو بكر محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998:
"أيا راكباً"، و"أبلغْ بني عوذ بن زيد رسالة" (ص 45).
"قلتُ لقومٍ" (ص 51).
"قالتْ تماضر إذ رأتْ مالي خوى" (ص 54).
"هلا سألتَ بني عيلان" (ص 55).
"أقسم نفسي في جسوم كثيرة" (ص 61).
"أرقتُ وصحبتي، بمضيق عمق" (ص 62).
"أقلي علي اللوم يا بنة منذر" (ص 67).
"ألم تعلمي، يا أم حسان، أننا" (ص 71).
"سلي الطارقَ المعترِ يا ابن مالك" (ص 78).
"دعيني للغني أسعى" (ص 79).
"تقول : ألا أقصر من الغزو، واشتكى
لها القول، طرفٌ أحورُ العين دامعُ" (ص 82).
"فراشي فراشُ الضعيفِ، والبيتُ بيتُه" (ص 83).
"أرى أم حسان، الغداة، تلومني" (ص 87).
"دعيني أطوف في البلاد" (ص 97).
-ديوان الشنفرى، تحقيق : د. إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1996.
"ألا أم عمرو، أجمعتْ فاستقلتِ" (ص 31).
"لا تحسبيني مثل من هو قاعد" (ص 44).
"أضعتمْ أبي إذ مالَ شقُّ وسادِه" (ص 45).
"لا تقبروني إن قبري مُحرَّمٌ" (ص 48).
"قتيلا فخارٍ أنتما إن قُتلتما" (ص 51).
"يا صاحبيَّ هل الحِذارُ مُسلِّمي" (ص 56).
"أقيموا بني أمي صدورَ مطيِّكم" (ص 58).
"لا تبعدي إما هلكتِ شامَه" (ص 75).
"ألا هل أتى فتيانُ قومي جماعةً" (ص 78).
-أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري : كتاب شرح أشعار الهذليين، الجزء الأول، تحقيق : عبد الستار أحمد فراج، مراجعة : محمود أحمد شاكر، مكتبة دار العروبة، القاهرة، 1965.
أبو ذؤيب الهذلي :
"أبِالصرمِ من أسماء حدثَكَ الذي" (ص 42).
"تاللهِ يَبقى على الأيام مُبْتَقِلٌ" (ص 56).
"ألا زعمتْ أسماء أن لا أحبها فقلتُ بلى لولا ينازعني شغلي" (ص 88).
"أساءلتَ رسمَ الدار أم لم تُسائلِ" (ص 140).
"لعمركَ إني يوم أنظرُ صاحبي" (ص 148).
"ألا هلْ أتى أم الحويرث مُرْسلُ" (ص 156).
"يَقولون لي لو كان بالرمل لم يَمتْ" (ص 174).
"أَمِنكِ البرقُ أومضَ ثم هاجا" (ص 177).
"يا بيتَ دهماءَ الذي أتجنبُ" (ص 205).
وغيرها.
[1] امرؤ القيس : ديوان امرئ القيس (جزءان) : تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، 1984، ص 8.
[2] أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري : شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، تحقيق وتعليق : عبد السلام محمد هارون، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1980، صص 3-114.
[3] هذا ما ورد في تفسير القدماء، غير أن شرح البيت يمكن أن يعني التوجه إلى ابن عفان على أنه يتحدث عنه وعمَّن يصاحبه في الوقت عينه.
[4] Selon l'école de Port-Royal, le duel est une catégorie du nombre grammatical, distincte du singulier et du pluriel, utilisée pour spécifier deux personnes ou deux choses, notamment en grec ancien et dans d'autres langues. Il est conçu comme un signe linguistique pour marquer la dualité de manière précise : Centre National de Ressources Textuelles et Lexicales
Identifié principalement dans la langue grecque et d'autres langues, le duel se distingue du pluriel classique, comme l'indique la Dictionnaire de l'Académie française
[5] موسى وهبة : العربية والمثنى، (إشراف : شربل داغر) : برفقة جرجي زيدان : النهضة في عهدة الحاضر : منشورات جامعة البلمند، الكورة (لبنان)، 2015، صص 387-392.
[6] قام أفلاطون (كما هو معروف) بوضع سيرة نشوئية للعدد نفسه في محاورة طيماوس، ما يحتاجُه "سفرُ التكوين" بمكوناته جميعها، بين الفضاء والأرض، وما لا يستقيم من دون توليد العدد له.
[7] وردتْ الشواهد في نهاية ورقة العمل.
[8] عبد القادر بن عمر البغدادي : خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب (13 جزءاً)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1997، ص6، 16.
[9] محمد بن سلام الجمحي : طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1974، ص 1، 178.
[10] ابن عبد ربه : العقد الفريد (7 مجلدات)، تحقيق : أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الإبياري، وعبد السلام هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر بالاشتراك مع دار الكتاب العربي، القاهرة، 1953، ص 5، 388.
[11] الزركشي : البرهان في علوم القرآن (4 أجزاء)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1957، ص2، 239.
[12] ابن فارس : الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامه، تحقيق : السيد أحمد صقر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1977، ص 211 – 213.
[13] القرطبي : الجامع لأحكام القرآن (20 جزءاً)، تحقيق : أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة
الطبعة الثانية، 1964، ص 12.
[14] ابن جني : الخصائص (3 أجزاء)، تحقيق : محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1990، ص 1، 392.
[15] هذا ما يَشمل فئة أخرى من الشعراء، من أمثال : الشنفرى، وعروة بن الورد، وحاجز بن عوف الأزدي، وأبو طحان القيني، والسليك بن السلكة، وتأبط شراً وغيرهم.
[16] يمكن الترجيح أنه لم يبقَ سوى القليل من شعرهم، أو مما احتفظتْ به "رواية" الشعر الجاهلي الشفوية، أو ممّا جرى تدوينه في مخطوطات.
[17] يمكن التنبه إلى أن التوجه إلى مخاطب، إلهي، ديني، تمثلََ، في لاحقِ الدولة الإسلامية، في شعر التصوف، ومنه ما تبدى في شعر رابعة العدوية :
أُحِبُّكَ حُبَّينِ : حُبَّ الهَوَى
وَحُبّاً لأَنَّكَ أَهْلٌ لِذَاكَا... (أبو طالب المكي قوت القلوب).
أو في شعر الحلاج :
فإذا مَسَكَ شيءٌ مَسَّني
فإذا أنتَ أنا في كلِّ حالِ (الحسين بن منصور الحلاج ديوان الحلاج)
وغيرهما.
[18] Emile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, 1, Gallimard, paris, pp 251-257.
[19] بنيتُ هذا التفريق وفق اجتهادات تفسيرية عند هايدغر وديريدا.
[20] هذا ما ورد ذكرُه عند الأزرقي في : أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار (جزءان)، تحقيق : رشدي الصالح ملحس،
دار الأندلس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983.
[21] لا يفيد الكلبي، في : كتاب الأصنام (تحقيق : أحمد زكي باشا، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1995)، عن أشكال النُّصب والتماثيل، وهو المرجع شبه الوحيد عنها في المدونة العربية القديمة.
[22] هذا ما توسعتُ في درسه، وأبنتُه في كتابي : الأيقونة وأقلام الخط واللوحة : الصورة بين الدين والسياسة، دار خطوط وظلال، عَمان، 2026، صص 13-21.
[23] محمد عبده : "الصور التماثيل وفوائدها وحكمها" (مجلة المنار، القاهرة، 1903)، في الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، حققها وقدم لها : محمد عمارة، الجزء الثاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1980، صص 204-208.
[24] يقيم الدارس وعالم الاجتماع جان دوفينيو التمييز بين "المسرح" (وهو صيغة العرض المعروفة منذ الإغريق)، و"التمسرح" (الذي عنى أشكال عروض قريبة من المسرح، من دون أن تكون منه) :
Jean Duvignaud : Sociologie du théâtre. Essai sur les ombres collectives, PUF, Paris, 1965.
[25] يمكن العودة – بتوسع – إلى كتابي : المسرح العربي بين المنظور والمسطور، إصدارات دائرة الثقافة، حكومة الشارقة، 2024.
[26] Martin Heidegger : Nietzsche II (traduit), Gallimard, 1971, p120 à 136.
[27] Jacques Derrida : La dissémination, Éditions du Seuil, Paris, 1972.
[28] قد يكون كلام ابن باجه عن "تدبير المتوحد" مفتَقَداً في عالَم عربي يشدد على "الإجماع" و"الملة" و"الأمة"، ما لا يتيح، بالضرورة، الانفصال عن الكيان الجمعي.