- ماذا بعد ؟
لا أعرف. تبلغُ كتبي، عند إعداد هذه الحوارات، أكثر من تسعين كتاباً، وقد تَبلغ، في وقت قريب، أكثر من مئة كتاب. أعرف أن هناك كتباً لي في الفن، وفي الشعر، تنتظر صدورها في قادم الشهور، وهناك غيرها ممّا يَتقدم، ويَتكون في مهاده الأول...
- وماذا تقول، اليوم، عمَّا لم تكنه، وعمَّا لم تكتبه؟
لا أحسن الجواب على هذا السؤال، لسبب بسيط، وهو أنني كتبتُ أكثر مما توقعتُ وحسبتُ، لاسيما في العقدَين الأخيرين.
من يَعدْ إلى سيرتي قبل مؤلفاتي، سيجد أنني انقطعتُ عن النشر منذ مطالع الثمانينيات حتى نهايات الألفية الثانية، أي أن كتبي تعود، في واقع حياتي وعملي، إلى أزيد بقليل من خمس وعشرين سنة.
قد يعود سبب، أو أسباب ذلك، إلى "إعادة التأهيل" كما طلبتُها، وعملتُ عليها بعد خروجي من لبنان، ومن الحرب، وفي باريس تحديداً.
- هذا ما يقود حكماً إلى السؤال: ماذا عنك كاتباً بين العربية والفرنسية؟
نشرتُ، في بداياتي الكتابية، أكثر من كتاب بالفرنسية، ثم ما لبثتُ أن انقطعتُ عن ذلك، من دون أن أتوقف عن كتابة بحوث بالفرنسية في مؤتمرات دولية.
يحلو لي تذكر ما قاله لي أستاذي أركون عند لقائي به في مقهى قريب من "معهد العالم العربي" بباريس، بعد اطلاعه على كتابي : "مذاهب الحسن..." : "كان سيكون وقعُ الكتاب أفضل لو كتبتَه بالفرنسية". تدبرتُ، يومها، الانتقال إلى موضوع آخر، من دون أن أجيبه على اقتراحه.
وهو ما حصل لي، قبل سنوات من ذلك، في "معهد العالم العربي"، عندما سألني، بعد ندوة تشاركتُ فيها مع أمين معلوف، حول الرواية والمتوسط : "لماذا لا تَكتب بالفرنسية ؟"، فأجبتُه : "لن أبلغ في الفرنسية ما أسعى إليه في العربية".
- هل اقتنعَ بجوابك ؟
لم يُجب.
- ماذا يعني موقفك هذا، وأنت تعرف الفرنسية، وتعود إليها (وإلى غيرها) في كثير من كتاباتك ؟ كيف تفسره؟
لقد وجدتُ الجواب على ذلك بعد سنة ونيف على إقامتي في باريس، إذ دعتْني إدارة "بيت الثقافة" في مدينة نانتير (ضاحية باريس) إلى إلقاء محاضرة عن الشعر العربي الحديث. فكان أن كتبتُها بالفرنسية طبعاً، ثم طالبَني صديقي الشاعر الراحل عصام محفوظ (الذي حضرَ المحاضرة وشاركَ في نقاشاتها) أن أنقلها إلى العربية، وتعهدَ بنشرها في الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" (التي كان يَعمل فيها). هكذا كان : ترجمتُها، وسلمتُها له. إلا أنني أضفتُ : لن أقوم بمثل هذه العملية بعد اليوم. فسألني عن السبب، فقلتُ له : وجدتُني، في الصيغة الفرنسية لمحاضرتي، أتكلم "عن" الشعر العربي الحديث، فيما رغبتُ، عند نقلها إلى العربية، في أن أكتب "في" الشعر العربي الحديث.
- كما لو أنك تعيش كتابة...
فعلاً. لا حياة اجتماعية لي في لبنان، بما فيها التظاهرات واللقاءات الثقافية، إلا في ما ندر. كما أن ابتعادي عن بيروت في سكني الشتوي، والانتقال في عدة أيام إلى جامعتي في شمال لبنان، يعطيني ما يشبه العذر لتغيبي الممتد.
إلا أنني أحيا، ولو عن بعد، أو على مسافة. هذا ما سبقَ لي أن عشتُه وعرفتُه في سنوات إقامتي الأخيرة في باريس...
باتت لي معرفة مزيدة بما أريد، بما أطلب، بما أرغب فيه، في حياتي. أريد صفاء وتركيزاً للعناية بما أعيش، وبما أكتب، وفي الآن نفسه. وهو صفاء وتركيز لِما أطلبُ الالتذاذ به، في تذوقه، في نضوجه المتمهل...
- غير أنه تنوع شديد. كيف ذلك؟
هذا التنوع أعيشُه مثل نعمة، عسى أن يشاركني القارئ بها، وأن تكون مفيدة وممتعة له. غير أنها ليست كذلك عند البعض ممن يملكون، بوعي أو تلقائياً، صورة أحادية وجامدة، عن الكاتب : هو شاعر، أو روائي، أو ناقد... يكفي للرد عليهم أن يعودوا إلى كُتاب الماضي في هذه الثقافة، مثل المعري أو غيره، سيجدون التنوع والتعدد قوياً في أعمالهم الكتابية.
ولكن لماذا أبحث عن تبرير لما أكتبُه، ولما أنا عليه ؟ الكتابات التي أنغمسُ فيها تشير إلى شغفي، إلى ولعي، سواء في النقد أو في صنوف الإبداع المختلفة. فكيف إذا كنتُ ممن لا يعرفون الملل أو الضجر في حياتهم، وممن يثيرهم أي عنصر مباغت في حياتهم الثقافية.
هذه الحال لم تكن بالسهلة، ولا بالمقبولة في بداياتي الكتابية، حيث وجدتُني أتبين وأقاوم صورة راسخة في تربيتي الدراسية والثقافية تقول بوحدانية المؤلف. وجدتني أضيع، وأتساءل : أين لي أن أكون أفضل ؟ أفي هذا الصنف الكتابي أم ذاك ؟ ثم ما لبثتُ أن وافقتُ ما يتجلى في كتاباتي المتعددة، وتبنيتُها كلها مثل أبنائي الشرعيين في الثقافة كما في الكتابة.
(جزء من الفصل الأخير، في الحوارات التي أجرتْها د. دورين نصر، وصدرتْ عن دار خطوط وظلال في الأردن (2026) : "مع شربل داغر : الفن بين السيرة والمسار").