ليست المسافة بين القصيدة واللوحة بعيدةً كما تبدو؛ فكلاهما يبدأ من عينٍ تتجاوز المرئي، ومن حساسيةٍ تبحث في الظاهر عمّا يتوارى خلفه. وفي تجربة شربل داغر، لا تقف اللغة عند حدود القول، ولا تنحصر الصورة في اللون والخطّ، بل يلتقي الأدب والفن في مساحةٍ تتّسع للتأويل، حيث يصبح الجمال مدخلًا إلى المعرفة، وتغدو الكتابة طريقةً لاكتشاف العالم من جديد.

لا يُقرأ داغر شاعرًا فحسب، ولا ناقدًا يقف خارج النصوص ليفحصها بأدوات التحليل؛ إنّه صاحب مشروع تتجاور فيه الكتابة الإبداعية والبحث، وتتحاور فيه حدوس الشاعر وأسئلة الدارس. فالقصيدة لديه ليست احتفاءً باللغة لذاتها، بل اختبارٌ لما تنطوي عليه من إمكانات، والنقد ليس تفكيكًا باردًا للنص، بل إنصاتٌ إلى طبقاته، واستجلاءٌ لما تقوله أشكاله وما تكشفه تحوّلاتها عن الإنسان والعصر.

وتتّضح خصوصية تجربته في عبوره بين حقولٍ لا يتعامل معها بوصفها اختصاصاتٍ متجاورة فحسب، بل بوصفها مساراتٍ يضيء بعضها بعضًا. ففي الشعر، يتابع تحوّلات القصيدة العربية الحديثة وأسئلتها الجمالية، وفي دراسة الفن يتجاوز وصف الصورة إلى مساءلة بنيتها ودلالاتها وسياقاتها، فيما يفتح اهتمامه بالخط العربي أفقًا تتشابك فيه الحروف بوصفها لغةً ومعمارًا بصريًا. من هنا، لا تبدو العدسة في قلمه استعارةً عابرة؛ إنّها طريقة في النظر، ترى في الصورة خطابًا، وفي الكلمة شكلًا له جمالياته، وفي التفاعل بينهما مجالًا تتجدّد فيه أسئلة الإبداع.

وقد تُوّج تكوينه الأكاديمي بدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة السوربون الجديدة – باريس الثالثة عام 1982، ثم بدكتوراه الدولة اللبنانية عام 1996 في تاريخ الفن وفلسفته. ومنذ عام 1994، يواصل عمله أستاذًا في جامعة البلمند، جامعًا بين التدريس والبحث في الأدب والفنون، في مسارٍ تتكامل فيه المعرفة النظرية مع مساءلة الأشكال الإبداعية وتحولاتها. غير أنّ مسار داغر لا تختصره الشهادات والمواقع؛ فقيمته الأعمق تكمن في طبيعة الأسئلة التي يطرحها، وفي قدرته على الانتقال بين النص والصورة والفكرة من دون أن يفقد أيًّا منها خصوصيته.

وفي كتابه «الشعر والفلسفة: التهاوي بعد التعالي»، الصادر عن دار المعارف، ينشغل داغر بعلاقةٍ شائكة بين الشعر والتفكير الفلسفي، متتبّعًا وجوه التقارب والتباعد بينهما عبر ثقافات وحقب مختلفة. ليست المسألة مجرّد جمعٍ بين حقلين، بل تأمّلٌ في الحدود التي تفصل المعرفة عن الإبداع، وفي اللحظات التي يتقاطع فيها السؤال الفلسفي مع التجربة الشعرية، فيضيء كلٌّ منهما ما قد يعجز الآخر عن بلوغه منفردًا.

ومن وطى حوب (تنّورين)، حيث وُلد، إلى فضاء البحث الذي امتدّ بين لبنان وباريس، تشكّل مسار جعل من تعدّد الحقول وسيلةً لتعميق النظر، لا تشتّتًا في الاتجاهات. وفي عام 2026، جاء انتخابه عضوًا في الأكاديمية اللبنانية تقديرًا لإسهاماته في الأدب والشعر والنقد ودراسة الفن العربي الإسلامي.

لعلّ ما يميّز تجربة شربل داغر أنّه لا يطلب من القصيدة أن تجيب عن أسئلة الفكر، ولا من الصورة أن تترجم ما تقوله الكلمات؛ بل يترك لكلّ مجال لغته، ثم يتأمّل ما ينشأ بينها من توتّرٍ وتكامل. فالشعر عنده لا يفقد غموضه حين يجاور المعرفة، والفكر لا يتخلّى عن صرامته حين يقترب من الجمال. وبين عينٍ تقرأ الصورة وقلمٍ يستنطق اللغة، تتّسع الكتابة لتغدو أكثر من ممارسة أدبية: إنّها بحثٌ دائم في ما نراه، وفي ما يحول بيننا وبين رؤيته على نحوٍ آخر.
(جريدة "الدستور"، القاهرة، السبت 10-10-2026)