- ولدت في قرية (وطى حوب) بشمال لبنان، حدثنا عن ذكرياتك وعن وطفولتك هناك؟

هذا سؤال يفتح المواجع بقدر ما يفتح المسرات. فالطفولة عالم خفي، وعالم متاح، لا نتوانى عن العودة إليه، فنغرف منه، ونبعده، ونحاكمه، ونستظل بأغصانه الورافة.

عدت إلى هذه الطفولة في أكثر من كتاب، عن سيرتي، أو في روايتي الأولى: "وصية هابيل"، ولا أتوانى عن العودة إليه مطولًا في كتاب لم يبصر النور بعد.

ولدت في قرية، ولكن في الإمكان أن أولد في مدينة، إذ إن عائلتي "نزلت" إلى المدينة قبل ميلادي بسنوات، فصادف أن ولدت في القرية في مطالع الصيف.

عشت طفولتي واقعًا في بيروت، وكنا نعود صيفًا إلى القرية الشمالية. لكنني عشت طفولتين في واقع الأمر، إذ كانت تمضية الشهور الثلاثة أو الأربعة في قريتي مختلفة في جوانب كثيرة عن طفولتي في المدينة. لكل منها مباهجها ومصاعبها.

فالعودة إلى القرية عودة إلى عالم فردوسي بعض الشيء، نظرًا لجمال قريتي في مرتفعات الشمال اللبناني الجبلية. قرية يجتازها نهر، فنسكن في ضفة من لاقرية، فيما بقيت الضفة الأخرى من النهر للكروم والمزروعات، فيما تعلو من على ضفتي النهر أشجار الجوز، ما جعل النهر يحمل اسم أشجاره: نهر الجوز.

كنت أعود إلى قريتي بعد نهاية العام الدراسي، فألتقي برفاقي ممن كانوا يقيمون في القرية شتاء وصيفاً، فتكون لقاءاتنا غريبة وتلقائية. غريبة، إذ كنت أجد في نظراتهم، إثر وصولي، نظرات غير مستساغة دوما: كنت "ابن المدينة" المحظوظ في نظرهم، لكنهم كانوا يتصرفون، في الوقت نفسه، على أنهم أمكن مني في حياة القرية. فهم كانوا يعرفون القرية بدروبها ومغاورها والأمكنة الصالحة للسباحة في النهر، والأشجار التي تثمر قبل غيرها... عدا أن عددًا منهم كان خبيرًا في تشغيل يديه أكثر مني، في مهارات حاذقة فاتتني منذ ذلك الوقت، ولا أتقدم فيها حتى اليوم. هذا ما كان يستقبلني منهم، فيما كنت أباغتهم وأجذبهم إلى ما كنت أعرفه في المدينة، ولا يعرفونه، من تلفزيون وسينما ومحلات واعتيادات اجتماعية مثل الرقص والتقاط الصور الفوتوتغرافية وقراءة المجلات "الفنية" وغيرها.

كنا نلتقي، على تباين بيننا. لكننا لا نلبث أن ننسى هذا كله، ونندمج في ألعابنا و"مقالبنا" الصيفية. كنا نتعلم الخروج - المقبول في نهاية المطاف – عما هي عليه تربيتنا، فنعود إلى أحضان الطبيعة، التي كانت لي – أكثر منهم من دون شك – عودة سحرية، إذ كنت أعيش (بمعنى ما) حياتين، وأجد في قريتي لحظات الحرية الطفولية، من "شيطنة" وتدرب ارتجالي على عادات الرجال، قبل أن نصبح رجالًا.

هذا ما جعل القرية في ذاكرتي، في مخيلتي، بقعة ساحرة. وهو ما زاد في نظري، منذ أن عدت من فرنسا، بعد طول غياب، وبعد أن قررت تمضية أشهر العطلة الجامعية فيها من دون انقطاع. وهو ما ظهر في كثير من كتاباتي، منها الشعرية او الروائية. وهو ما ظهر بشكل مفاجئ في السنوات العشر الأخيرة، إذ كتبت ثلاثة كتب عن تاريخ قريتي وغيرها مما يقع في نطاق جغرافي وسكاني وعائلي واحد، وهو: بلدة تنورين.

إلا أن هذا لم يعفني من النظر النقدي عليها، من دون أوهام أو تجميل. قرية جميلة، لكنها تعاني مشاكل كثيرة في نموها وتطورها، ما جعلها تفتقر في صورة مزيدة للكثير من مقومات وجودها السابق، وجودها في ذاكرة الطفولة.

 - لك مؤلفات في الشعر والرواية والنقد والفن والآداب والترجمة والتاريخ، إلا أن الشعر يلقى منك اهتماما كبيرا، فلماذا الشعر بالتحديد؟

صحيح ما تصفني به. إلا أن الأكيد هو أن ما انتهيتُ إليه من كتابات، ومن أنواع كتابية، لم يكن محسوبًا في تاريخ مراهقتي أو شبابي الأول. فأنا ما طلبت، عندما تفتحتْ ذائقتي الأدبية الأولى، غير الشعر. كانت هناك قوة غامضة، سرية، تجذبني وتبهرني في ما هو عليه الشعر. لعل هذا يعود إلى المُتَع التي كنت أحصلها من دروس "استظهار" الشعر، سواء بالعربية أو بالفرنسية. لعل تلك القدرة على اللعب بالكلمات، وعلى اجتراح خيال وتعابير لم تكن في مستطاع كثيرين، هي التي شدتني إلى الشعر.

أذكر أنني وجدتني متلبسًا أكثر من مرة بعادات التلفظ بكلمات وجمل كانت تخرج من فمي، من دون أن أفهم دواعيها، ولا مآلها أبدا. إذ كان خروجي من البيت، سواء في القرية أو في المدينة، يترافق في أحوال كثيرة مع ميل إلى القول، كان أقرب إلى تدافع الحروف والألفاظ من دون جُمل أكيدة. كان ذلك أشبه بالتدرب على ما لم أكن معتادًا عليه، ومما كان يفتنني من صور لعلها كانت قد سبقتني إلى خياراتي وميولي.

أذكر واقعة أساسية حصلت في القرية ،ذات صيف، إذ طلب مني والدي مرافقته إلى قرية مجاورة لحضور مأتم أحد أقاربنا. أجبرني على الذهاب، إذ ما كان يريد بقائي وحدي في القرية... ذهبت معه مكرهًا بالطبع. لكنني افْتُتنت بعد نهاية المأتم، إذ وجدتُ أحدهم، وهو يعتمر طربوشه الأحمر وبدلته المعتمة، يعتلي حشد المعزين ويشرع في تابين الفقيد بقصيدة باللغة العامية. هذا ما عرفته من أبي، بعد أن سألته عما جرى، وعما يعني وقوف هذا الرجل وعلو صوته في الكلام. ما ان انتهى والدي من الشّرح، وقد بدا علي الاهتمام، حتى قلت لوالدي: أريد أن أذهب معك في الدفن القادم. وهو ما صار بعد أسابيع، وإذ بالرجل نفسه، بزيه نفسه، يعتلي التلة الصغيرة نفسها، ويشرع في قول بدا لي شبيها أو مطابقًا لما سبق أن سمعته منه، من دون ان أفهمه.

يومها، بعد العودة إلى البيت، وإذ بدا لي عدم الرضا، سألني أبي: ما بك؟ فأجبته من دون تردد: أهو ممثل أم شاعر؟ ولما تضايق والدي من إجابتي، سألني عن مغزى سؤالي، أجبته: لعله استعاد قصيدته ذاتها... لم أفهم يومها ما قاله أبي. وما عدت أنتقل إلى الجنازات هذه، لكنني تورطت على الارجح بصورة الشاعر، بتلك القدرة التي له على إخراج كلام مدهش، وإبهار الناس به...

هذا الولع الطفولي لم ينقطع، على الرغم من توقفي لسنوات وسنوات عن كتابة الشعر، أثناء دراستي في باريس. أما أن أكون كتبت في أنواع أدبية، فهو مما يبدو غريبًا لي قبل غيري. لعله الفضول، لعله توسعة المتعة صوب أنواع اخرى. لا أحسن جوابًا عن ذلك.. . المهم هو أنني لا أكتب شيئًا لم أجد متعة فيه. 

- في عام (1981) صدر ديوانك الأول "فتات البياض"، ثم توالت الدواوين بعد ذلك، كيف تقيم تجربتك الشعرية بعد أن أصدرت عشرات الدواوين؟

هذا سؤال صعب، ويتخطى قدراتي، إذ يضعني في موضع الناقد لما هو شعري. هذا ما قام به غير ناقد، ومنهم من أفرد لي كتابًا في درس شعري. ما يمكنني قوله، هو أنني طلبتُ منذ قصائدي الأولى شعرًا مختلفًا عما هي عليه كتابة الشعر بالنثر. هذا ما يَظهر منذ تقديم مجموعتي الشعرية الأولى للقارئ، على صفحة الغلاف الأخير. طلبت في هذه الكلمة، وإن لم تصدر بتوقيعي، أن اتجه صوب "كتابة متعددة". كانت تحدوني رغبة بينة لمزجٍ أسلوبي وتعبيري في القصيدة الواحدة. وهو ما قامت عليه القصيدة الافتتاحية في المجموعة، إذ إن غيرها يعود إلى بداياتي في احترف الشعر منذ العام 1971.

إلا أن علاقتي بالشعر تقطعت، مع اندلاع العنف في لبنان، واضطراري إلى الرحيل إلى فرنسا، وانصرافي إلى تحصيل شهادة الدكتوراه الأولى. غير أن التقطع عنى ابتعاد العاشق المحب، إذ يغضب، إذ يجد أن الشعر لا يحمل معه "ذهبَ" الحياة الأكيد. وجدت، حينها، أن في إمكان الشعر أن يحمل "دمًا فاسدًا"، مثلما كتب رامبو، في إحدى قصائده.

هذا ما جعلني أنقطع عن الشعر، وأتبرم منه، وأنظر إليه نظرة المخدوع بمعنى ما. لكنها كانت نظرات مراهق، ومثالي، على ما تحققت، ما جعلني أعود إلى الشعر بنظرة مختلفة، من دون أن ينقطع الهوس بالشعر، بوصفه أعلى اشكال الحرية، في نظري، أي الخروج على ثقافة الطاعة. وما كان أقرب إلى التطلع، في شعري الأول، أي "الكتابة المتعددة"، أصبح سبيلي المتعدد إلى الكتابة: شعرًا، ورواية، ونقدًا، وترجمة وغيرها.

يبقى الشعر، عندي، أشدَّ تعبيرٍ عن الوله، عن الانفعال، عن حريةٍ أكتسبها، في القول، في التعبير، في التخييل، في الذهاب إلى حيث لم أذهب، وفي اجتراح ما لا أقوى على فعله. يبدو الشعر، إذًا، أشدّ تعبير عن الحياة، وتكثيرًا لها.

- لك أكثر من كتاب نقدي، ولعل أشهرها، "الشعرية العربية الحديثة"، ولقد فاجأتنا فيه بقولك إن حركة التجديد في الشعر العربي بدأت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على الرغم من أن كثيرين قالوا إن التجديد في الشعر العربي كان في منتصف القرن العشرين، بظهور نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وأدونيس ومحمد الماغوط وغيرهم، ماذا عن رؤيتك في هذا الاتجاه؟

 صحيح ما تقول. ذلك أنني عدتُ إلى ما أسقطه درس الشعر في العقود الأخيرة، وهو التاريخ الشعري نفسه. ما قام به السياب بخاصة نقلة أكيدة في التعبير الشعري، في بناء القصيدة، في امتزاج عوالم مختلفة في معانيها ودلالاتها، إلا أنه ليس "بداية" الشعر الحديث، وإنما قد تكون قصيدته: "أنشودة المطر" بداية لنوع من أنواع القصيدة الحديثة. ذلك أن تاريخ الحداثة في الشعر العربي أبعد بمئة سنة على الاقل، مع انطلاق "القصيدة العصرية"، مثلما كتبَها غير شاعر، ومثلما درسها في زمنها غير شاعر وناقد.

عدتُ، لهذا الغرض، إلى التاريخ، بجوانبه الاجتماعية والطباعية والتعبيرية، ووجدت انفتاحًا، منذ ستينيات القرن التاسع عشر، صوب عوالم جديدة للقصيدة. وهو انفتاح على تغيرات العالم، والمجتمع، والعلم، والثقافة، ما يَظهر في كثير من الشعر، ولدى شعراء مختلفين، مثل: خليل الخوري، فرنسيس مراش، جميل الزهاوي وغيرهم. تونس، وحدها، بين مدارس النقد، تنبهت واعترفت بحصول هذه الدفعة التجديدية الحاسمة ،قبل الشابي وغيره، بينما اسقطت مدارس النقد الأخرى هذا الشعر، وانصرف البعض إلى الحديث عن "نزعة إحيائية"، فيما لم نجد هذا الميل واقعًا إلا عند محمد سامي البارودي، في جانب وحسب من شعره، فيما افتتح الشاعر خليل مطران "النبذة" الأولى من ديوانه الشعري بالقول: "نعم، أنا شاعر عصري".

هذا ما درستُه في أربعة كتب متتالية، عملتُ فيها على إعادة "تحقيب" الشعر العربي الحديث في تغيراته البنائية. وهذا يعود إلى أن النقد الأكاديمي كسول في بلادنا المختلفة، لا يعود إلى تاريخ الشعر نفسه، إلى إصداراته، إلى استبيان نزوعات التغير فيه... هذا يعود إلى تغليب نظرة "اجتماعية"، تكريسية، لمكانات في الشعر، مثل مكانة أحمد شوقي، على سبيل المثال، التي لا تحمل في تضاعيفها سوى تجديدات قليلة في أبنية القصيدة.

- ألا ترى أن القصيدة الحديثة يكتنفها الكثير من الغموض، مما أدى إلى انصراف الناس عن الشعر؟

 يعتقد البعض بأن الشعر كان له رواج كبير في الأزمنة الماضية، وهو أمر غير صحيح. إذ كانت أخبار الشعراء والقصائد وردت كثيرًا في المدونة القديمة، فهذا لا يعني أن الجمهور يُقبل عليها. كانت، واقعًا، قصيدة بلاط ومجالس، وما يدور بين الأدباء والشعراء والنقاد، ليس إلا. وتحميل الشعر الحديث وزر "ضعف" حضوره الجماهيري يعود إلى ثقافة ناشئة في القرن العشرين، ثقافة اليساريين والقوميين، التي طلبت تجنيد الشاعر، مثل غيره من المثقفين، في التحكم بالشارع، أي بالجمهور. وهو ما نلقى اثره في تكريم شعر "سياسي" كثير في العالم العربي من دون أن تكون له أي قيمة فنية. وهو ما يتمُّ استعادته، اليوم، في مساعي تجنيد مستجدة...

الغموض هو من طبيعة الشعر، فضلًا عن أن التواصل مع القصيدة الحديثة لا يستقيم من دون ثقافة شعرية. هذا ما نجده في تعبيرات أخرى، مثل اللوحة، على سبيل المثال، التي لا نقوى على التفاعل معها، من دون ثقافة تشكيلية مناسبة للعين والذائقة.

("القاهرة" المصرية،  25-8-2026).