حين كنتُ طفلاً، كنتُ أُرددُ كلاماً بيني وبين نفْسي، من دون أن أبالي بما يجري من حولي، في مشيتي التي كانت أقرب إلى التسكع منها إلى الانضباط المدرسي أو الرياضي.
ما زلتُ أمشي، كما في هذه الأيام الصيفية، وأُحدِّثُ نفسي شعراً وغيره... هذا هوسٌ لا أعرف عمقه، ولا دواعيه، مع أنه نقشٌ في فضاء. يزيد من هذا، أن الكلام غير النافع بات يساوي في كلام كثيرين هذا القول : "هذا من الشعر".
هذا الإصرار من قِبَلي قد يعود إلى كوني أسير في اتجاه الشعر، من دون أن أبلغ غير القصيدة.
لعله الشغف الذي قد يعني اليأس والتصميم في آن، أشبه بسيزيف في الأسطورة الإغريقية، الذي يَرفع حِمله، صخرته، إلى القمة، ثم تَقع منه، وتحطُّ في الحضيض من جديد. مع ذلك، لا ينقطع عن رفعها مرة تلو مرة... ما لا تقوله الأسطورة، ما يعنيني قوله : هو أن الإقدام على رفع القصيدة ليس من دون عزم، بل يحدوه دوماً الأمل بالعلو بها. وما هو أشد تمسكاً بالقصيدة، هو أنها فعلُ التذاذٍ ونشوة.
***
قلَّما ألتفتُ إلى خلف، لاسيما في القصيدة. ما يَشغلني، ويُحرِّكني، واقعٌ في تلك المسافة التي أسعى فيها من دون أن أصل، في تلك الخطوات التي لا تُشبه نفسها، في معاودة الطريق إلى القصيدة. ذلك أن الرغبة في القصيدة هي ما يُنشِّطني، ويجعلها منيعة في صمتها أو خلائها.
كانت لي، في دراستي قبل الثانوية، قصيدة عمودية أولى وأخيرة في شِعري، ما لا حاجة ولا أمنية بالعودة إلى تكرارها. كانت أقرب إلى تدريب مدرسي، أو انضباط في مسيرة عسكرية... مع ذلك، أتحقق، في شعري المتأخر، من ورود أسطر ذات تفاعيل، ما يَقرب من الوزن التام، في مقاطع، في قصائد طويلة. هذا ما يتلاقى مع "الدَّوْر"، ما يعني أن العودة إلى الوزن تلبيةٌ وحسب لغنائية مطلوبة في تعدد وجهات القصيدة.
***
يبدو أن إصراري على الاستمرار في الكتابة، وفي تتبعِ خطط تأليفية، إشارةُ... حياةٍ، وتجددٌ فيها، وأملٌ في التقدم. هذا ما قرأتُ عنه عند كاتب يصغرني سناً، إذ يَرسمُ كلماته في البحث مثل خرائط ومأمولات، إثر استعدادات وبرمجات.
هذا ما أفعله، على الرغم من تقدمي في السن، ومن شعوري (عندما أنظر إلى ما يحيط بكتبي بعد خروجها من المطابع) بأنها تقع في ما لا أنتظره بالضرورة.
لهذا تراني أتردد في استكمال أحد كتبي الذي شرعتُ فيه قبل شهور، كما لو أنني أكتب وأرمي ما أكتب في لججِ بحرٍ لا أدرك غمارَه أو موجَه، ولا قعرَه من الطافي منه.
أترددُ بحثياً، فيما أجد في الشعر فسحتي، وملعبَ طفولتي الممتد.
إلا أن القصيدة تقلُّ وتضمر، أي تضيق رقعتها.
فقصائدي باتت تنبسط في سطور قليلة، وبكلمات معدودة. وهو ما لم أعرفه إلا في النادر في سنوات ماضية، ولا سيما عندما بلغتْ إحدى قصائدي الخمسين صفحة وأزيد.
هذا ما أتحقق منه في كلامي أيضاً، حيث بات الصمت فيه أكثر تبليغاً من أي رد؛ وحيث الردود - إن توافرتْ - تقتصر على جمل محدودة.
باتت تنحو الكلمات في قصيدتي أكثر إلى التمدد الهانئ، إلى الانبساط، مثل عشبٍ مكتفٍ بنباته القليل لإحداث ربيعه.
باتت صفحة القصيدة أقرب إلى صفحة الموج عندما تصفو بعد طول اعتكار. كما لو أن ما يتمايل خفيفاً في مائها بات يكتفي بقسمات وجهي المنعكسة فيه.
إلا أنها ليست لحظات هانئة بالضرورة، ولا لحظات صفاء أو سكينة. بل هي ما يجعل الوجه يلتقي بما أبقاه،
بما ينقله عنه، مثل ورقة أشد تمثيلاً لما كانت عليه الحياة في الكتابة، والكتابة في الحياة.
كان لمثل هذه اللحظات أن تكون معتكرة، صاخبة، محتدمة، في صراع مفتوح الاحتمالات. كان لها أن ترجو بعد، وأن تأمل أكثر، وأن تستنفر مزيداً من القوى الكامنة... لكن يبدو أنني خرجتُ من العائلة، ومن الشارع (كما تحدثتُ منذ عنوانَي الجزئَين الصادرَين من سيرتي الذاتية)، من دون أن أبلغ المدينة، ولا الوطن، ولا الدولة.
خرجتُ من دون أن أصل...
بلى، وصلتُ إلى تقتير في القوة، إلى المشي المتمهل، إلى مخاطبةِ غصنٍ كما لو أنه رسمُ للوجود، وإلى التفكر في غيمةٍ كما لو أنها أوسعُ طائرة، وإلى التمتع برشفةِ قهوة مثل إكسير حياة، وإلى التمدد في ضيقِ استعارةٍ مثل فراش وثير...
هذا ما جعلني أتحقق من أن خروجي ممتدٌ، وأنه يسعُ خطواتٍ أبعد مما يرسمُه حذائي، وأن ما يَجمعني بحالي، وبما أستسيغه في مذاق العيش، يجعلني أطير من دون طيران، وأعدو من دون حصان، وأمضي من دون خطة.
كما لو أن ما يتسعُ في داخلي، في طويتي (كما كان يقال)، بات أكبر اتساعاً مما يمتد أمام ناظري.
أيعني هذا أن صخب الداخل، وابتهاجاته، أصبحَ أشد فعلاً ووَقعاً من انتظارات الأيام ؟
("هبة أن تكون"، دار خطوط وظلال، عَمان، 2026).