إذا كانت مناسبات التكريم متوافرة للغاية في هذه الأيام اللبنانية، وتُصيب الأحياء قبل الأموات أحياناً، فذلك لا يجد تفسيره في طي صفحات الحرب الماضية، ولا في ولعٍ شديد بالحاضر، ولا في تعجيل دورة الزمان، وإنما في متطلبات أخرى نجد أسباب بعضها في تدبر «الإجماع» الوطني من جديد؛ وهو تدبرٌ لا يؤدي واقعا إلا إلى إجراء «تسويات» بين الأحياء، وموازنات بينهم، أي التأكيد المفتعل لـ «وحدة وطنية» ما بانت بعد شروط قيامها، ولا تجددُها أو تأكدُها. وتَصدر هذه التكريمات عن نوايا سليمة، وتجيب على حاجات بعضهم في الاجتماع من جديد، وفي رتق ما تمزق من أوصال، وفي رأب ما تصدع من رموز، إلا أنها تستبق، في كل الأحوال، وتؤكد ما يجب أن يكون موضوعاً للمناقشة والتبلور، فلا يكون التكريم مناسبة اجتماعية (وسياسية)، مقتصِرة حكماً على تبادل الخطب الإنشائية و«المنفعات» في التكريم: هذا لكم، وهذا لنا! غير أن هذه المناسبات «الوطنية» الجامعة تبقى نادرة، على أي حال، لأن الهيئات الثقافية تبقى لصيقة بيئتها في أيام الحرب: فـ «دار الندوة» (في بيروت الغربية، لا في غيرها من المناطق اللبنانية) هي التي تدعو إلى محاضرة عن حسن كامل الصباح، وجمعية مسيحية (في جونيه)، إلى الحديث عن ميشال شيحا، وغيرها الكثير
في حشد التكريمات هذه، لم يحظ الشاعر اللبناني الراحل شارل القرم (1895-1963)، الكاتب بالفرنسية، بأي تكريم، على ما عرفنا، سوى إقدام «الحركة الثقافية» (انطلياس) على تعليق بعض شعره مترجماً إلى العربية على لوح خشبي في بهو صالة العرض، في موسمها الكتابي السنوي، فبدا أشبه بالمرذول من المشهد التكريمي الضاج الجاري في الصالة المجاورة! ولم تعدم، مع ذلك، مناسبات تكريمه، في مرور مئوية ميلاده، أو في الذكرى الخمسين لصدور الترجمة العربية لمؤلَّفه الشهير، «الجبل الملهم» في العام 1945.
أيعود هذا إلى كونه شاعر «الفينيقية» الأول في لبنان، والمقتول مرتين بالتالي، وقد حسم «اتفاق الطائف» النقاش والصراع، كما يُقال في لبنان، حول «عروبة» لبنان؟ ربما، إلا أن فتحَ هذا الملف المطمور، أو المدعوك على عجل، لازمٌ ومفيد مثل غيره من صفحات تاريخ وأدب هذا البلد، الذي يتعجل في النسيان، ويتدبر «الهويات» بالعودة إلى «الأصل» (الحضاري، أو الديني، أو الطائفي، أو العرقي ...)، وهو موضوع شقاق وصراع وموظف للغلبة بين المجموعات اللبنانية، من دون البحث في معاش الناس وأحوالهم وسبل الاشتراك في ما بينهم وفي «استوائهم» (من السوية والمساواة) مواطنين لدولة واحدة: أي الانتقال من الصراع حول «الكيان» إلى الصراع حول بناء «الدولة»، ومن هوية الأصل (والأصول) إلى تدبر البشر معاني إجتماعهم الإنساني. فكيف لشارل القرم أن يعود بنا، في إطار هذه المراجعة، إلى تصفح أوراق أدبية قديمة، ليوسف السودا وسعيد عقل وأنطون سعادة وصلاح لبكي وأدونيس ويوسف الخال ويوسف غصوب وإلياس أبو شبكة وغيرهم، وإلى تبين حقيقة الصلات بين التاريخ والأسطورة، وبين السياسة والشعر في النصف الأول من هذا القرن (العشرين)؟
وشارل القرم هو ابن المصور الشهير داود القرم، الذائع الصيت في روما قبل بيروت والقاهرة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويعد «المصور الأول» في الفن العربي الحديث. وهو أيضاً حفيد الشدياق سمعان القرم، ابن عم الخوري حكيم، الكاهن في قصر الأمير بشير الشهابي، الذي كان يُحسن في زمانه، بين قلة قليلة، عدداً من اللغات الأجنبية، مثل اللاتينية والإيطالية، وعلَّمَ أنجال الأمير بشير، وأطلقَ عليه هذا الأخير تسمية القرم، بعد أن صفعَ أحد تلامذته ممن عصوه في التدريس، فقال للأمير بعد الحادثة (حسب المرويات التاريخية): «نعم إني أصنع نفس العمل، لأني آبى أن أكون خائناً للمهمة التي ائتمنتني عليها، وهي أن أُعلِّم بنيكَ ليخلفوك عن جدارة». فأُعجب الأمير الشهابي بهذا الجواب، وقال له: «إنك حقاً لقرم عنيد».
تعود أصول عائلة شارل القرم إلى غوسطا (في جبل لبنان)، إلا أنه ولد في بيروت، وتلقى فيها علومه، في مدرسة «الفرير»، ثم انصرف إلى التجارة والأعمال وكيلاً لسيارات فورد، «فحقق أرباحاً طائلة»، حسبما يفيدنا المُفهرِس أسعد يوسف داغر. وكانت له حياة سياسية وشعرية لافتة في عهد الانتداب الفرنسي على لبنان وبعده: انشغل بالعمل الاجتماعي، وأسس «منظمة الشبيبة اللبنانية»، عام 1918، وكانت من أوائل الحركات الوطنية بعد انتهاء السيطرة العثمانية، وأصدر بين 1920 و1925 «المجلة الفينيقية»، ثم أسس «ندوة الصداقات اللبنانية»، سنة 1935، وعينته الحكومة في العام 1937 مفوضاً عاماً للجناح اللبناني الذي أقيم في معرض نيويورك الدولي في هذه السنة، وأنشأ مكتبة خاصة حرص على أن تضم كل ما كتب عن لبنان باللغات الأجنبية، فجمعتْ الكثير من الآداب العالمية، في أحسن طبعاتها، وبلغ عدد الكتب فيها 35 ألف مجلد.
وأصدر، بالإضافة إلى «المجلة الفينيقية»، «الجبل الملهم»، و«الفن الفينيقي» و«سمفونية النور». وفاز القرم بجائرة إدغار آلان بو الفرنسية على صنيعه الشعري في «الجبل الملهم»، مميَّزاً بين شعراء من اثنتين وعشرين دولة كاتبةٍ بالفرنسية.
كما نعرف عنه أيضاً أنه توصل إلى اكتشاف بعض الأنقاض الفينيقية في قمم اللقلوق، ومنها صفيحة حُفر عليها باليونانية، ودرسَها حينها الأب اليسوعي رينيه موتارد اليسوعي، المختص في الآثار. ولا يسعنا في هذه النبذة السريعة عن شارل القرم إغفال «اللسان» الذي كتب به، وهو الفرنسية. وإذا كان كُتاب فرنكوفونيون، مثل كاتب ياسين وغيره، وجدوا في الكتابة بالفرنسية سلاحاً ضد المستعمِر في حرب التحرير الجزائرية، على ما قالوا، فإن شارل القرم لم يسلك هذا السبيل التفسيري. ألم يقل فيه أمين الريحاني: «إنه شاعر فريد، جناحُه ذهبي، وقلبه وطني، ولسانه أجنبي، فلا تسمع شدوَه الأمةُ التي هو منها، يحن إلى قومه ويغار عليهم، وهم لا يُدركون من غيرته وحنينه غير الإشادة»؟
لم تغب عن القرم مثل هذه الانتقادات من دون شك، وهو ما ننتبه إليه في اعترافاته «الكسيرة» في غير مجال من «الجبل الملهم» عن «غربته» اللغوية. وهو لا يتباهى بصنيع اللبنانيين في إحياء اللغة العربية فحسب، بل نراه يقول:
«إن شعبا لا لغة له يتيمٌ،
وإن لغات الأجنبي ثوبٌ مستعار لا يدوم،
يظهر فيه لابسُه خجلاً، مستريباً،
حقيراً، ثقيلاً، غريباً!
بل كأنه دخيل طفيلي، في عيد عالمي».
كيف لا، وهو يختم كتابه هذا بالأبيات التالية:
«حتى إن هذه الكلمات الأجنبية
التي رشفتها مرتعشاً، عن شفاه فرنسا،
وقلبي يخفق لوطني هوساً،
لها على فمي، حيث يبتسم ألمي،
ذوق القبلات،
اللبنانيات».
ولا نُحسن التوقف عند نتاج القرم إلا أمام بوابته اللازمة: «الجبل الملهم». صدر الكتاب في صيغته الفرنسية عن منشورات «المجلة الفينيقية»، في العام 1934، في بيروت، مشتملاً على ثلاثة أناشيد: «نشيد الحماسة»، «نشيد الاحتضار» و«نشيد الذكريات». ثم صدرت الترجمة العربية في العام 1945 (عن منشورات مكتبة «الفويه»، لصاحبها ألفريد شهاب، في بيروت)، وقام بها الأب إسطفان فرحات، بعد أن نقلَ الشاعر سعيد عقل ثلاث قصائد منه إلى العربية، في العام 1936، في مجلة «المشرق» (وننشر اثنتين منها في مكان آخر). ولكن على أي النسختين نُعوِّل في هذه المراجعة؟
السؤال نافع، ذلك أننا لاحظنا بعض الفروقات بين النص الفرنسي والنص العربي الكامل، ويتمثل، بداية، في زيادات (قليلة) في النشيد الأول، موجودةٍ في النص العربي، لا في النص الفرنسي الأصلي، ذلك أن فرحات لم ينقل النص الفرنسي، كما صدر في طبعته الأولى، بل معدلاً في طبعته اللاحقة. كما لاحظنا، من جهة ثانية، أن النص العربي أخفى أو غيَّب بعضاً من المعلومات والتقديمات التي كانت تتصدر الأناشيد في النص الفرنسي، واستعاض عنها بغيرها. وهو ما نوضحه في الملاحظات الآتية: يكتفي فرحات بالقول في «نشيد الحماسة»، الأول في الديوان: «لبنان يهلل للاستقلال»، فيما نقع في الفرنسية على نبذات لافتة وجميلة، مستقاة من «هاملت» خصوصاً، نتبين فيها معالم النقاش والتباين بين المَلك وحاشيته وبين هاملت، إذ يتهمونه بـ «الجنون»، وبـ «سكنى الغيوم»، فيما هو - اي هاملت - يعتقد «قربَه من الشمس»: الالتفاتة أكثر من موحية عن «حلم» القرم بالاستقلال، وعن «جنونه»، هو الآخر، في مطلبه هذا.
ويُهدي القرم هذا النشيد، على ما نتبين في النص الأصلي، إلى موريس باريس، «الذي توصل إلى فهمنا، لأنه أحبنا» (فيما غاب الإهداء من النص العربي)، وفي ذلك أكثر من إلتفاتة إلى هذا النائب الفرنسي (1862 - 1924)، الذي يُعدُّ من أشد المدافعين في فرنسا عن الشخصية القومية في بعدها العرقي خصوصاً؛ وكان أتى إلى الشرق قبل اندلاع الحرب الكونية الأولى بستة أشهر، ووضعَ عن رحلته هذه كتاباً في جزئين أسماه «بحث عن بلاد المشرق»، وقال فيه إنه «جاء إليهما (أي إلى سوريا ولبنان) ليُغني نفسه من شملتهما الروحية التي، من دونها، لم يكن دين ولا شعر ولا فلسفة ولا اختراع في العالم، وليرشف من ينابيعهما حماسة يؤمل منها إغاثة أوروبا». كما يُتبع القرم هذا الإهداء بنص من «نشيد الأناشيد» يَرِدُ فيه ذكر لبنان.
أما النشيد الثاني فيُقدِّم له في النص العربي بالقول: «لبنان يتمزق من ضياع الآمال»، فيما يفيدنا في النص الفرنسي أنه أهداه إلى البطريرك الحويك، «الذي ما يئس من الله، ولا من لبنان، ولا من فرنسا»: وفي ذلك إشارة لافتة إلى دور البطريرك المعروف في الدعوة إلى استقلال لبنان. ويُرفق الإهداء هذا، كما في تقديم النشيد الأول، بمقطع من «هاملت»، نتبين فيه أن هاملت قادرٌ على «الكفاح من أجل قشة، في حال تعرضَ شرفه للخطر»: وهي حال القرم، على ما يشير ويلمح، أليس كذلك؟ أما النشيد الثالث، «نشيد الذكريات»، - وهو أطول الأناشيد - فيبدأ بالعبارة التالية: «لبنان يُحيي أمجاد الجدود، مجدداً قواه من عظمة آثارهم، طامحاً إلى الخلود»، فيما يفيدنا النص الفرنسي أن القرم كان موجوداً بعد ظهر الأول من أيلول-سبتمبر من السنة 1933، بين كسروان والبترون، فأحصى «823 بيتاً من دون سقف، ولا أبواب، ولا نوافذ... يقال إنه، أمام الموت، يستعيد الإنسان فجأة، في لمحة بصر، حياتَه كلها... هاكم ما رأيت». ويصحبه بنبذات من «التوراة» عن لبنان، ثم بمقطع من «هاملت»، تتحدث فيه أوفيليا عن الخسران بعد وفاة أبيها، وهي كذلك حال القرم أمام تأخر تنفيذ الوعد بالاستقلال.
نخلص من هذا العرض إلى القول: إن قراءة «الجبل الملهم» في نصه الفرنسي الأصلي تفيدنا أكثر من النص العربي في تبين بعض العلامات الإخبارية الدالة على زمنية القصائد، وعلى اندراجها في التاريخ. والقرم لم يكتب ديوانه دفعة واحدة، ولا في سنة واحدة، ولا في صورة متتالية، بل في فترتين: فترة تَبِعَتْ مباشرة إعلان الجنرال غورو تأسيس «دولة لبنان الكبير» في العام 1920، وهو ما تُوضحه العبارات الموضوعة في صدر النشيد الأول، وهي نص «إعلان دولة لبنان الكبير» في الأول من أيلول-سبتمبر من السنة 1920. وأرخَ النشيد في اليوم عينه! وهو ما يدعونا إلى التساؤل حول «اللزوم» هذا، بين الإعلان وكتابة القصيدة، خصوصاً أنها ظلت «تنتظر» غيرها على ما يبدو، حتى العام 1936، موعد كتابة النشيدين الآخرين، اللذين يشيران في مضمونهما إلى «طول الانتظار» بعد «الوعد» المتضمِن في إعلان غورو باستقلال لبنان «الناجز».
نتساءل ونقول: هل أجرى الكاتب «ترتيباً» لأناشيده يعزز الجانب «الدراماتيكي» في تتاليها، مثل إخراج مُحكَم، أي جعل القصيدة أكثر تأثيراً على قارئيها، الناطقين بالفرنسية طبعاً، وجعل الديوان «سلاحاً» معداً بإحكام لدفع قضية الاستقلال إلى الأمام؟ لا نُحسن جواباً عن السؤال، أي لا نقوى على معرفة ما إذا كان القرم تَعمد «إخراج» أناشيده على هذه الصورة، محرفاً أزمنة وضعِها، وذلك لعدم توافر المعلومات اللازمة في هذا الشأن. إلا أن ما يعنينا يبقى متمثلاً في هذا الجمع، الحاصل أو المدبَّر، بين «أيام» بعينها ومضمون القصائد. وهو جمعٌ مثير للاهتمام أكثر إذا تبينا حقيقته، أي الجمع بين «يوم» بعينه من تاريخ لبنان المعاصر، وبين الحشود التاريخية (حشود العصور والأقوام والحضارات والأساطير) التي يستدعيها في مادة الكتاب: كما لو أن الحشود هذه تتراكم وتتجمع لإنجاز هذا «اليوم المشهود».
يبتعد النص العربي، إذن، عن تعيينات تشد الأناشيد في النص الفرنسي الأصلي إلى مناسبتها، وإلى إحكام التلازم الذي تطلبُه مع شخصيات ومواقيت لها مع «استقلال» لبنان صلة أكيدة، أو الذي تطلبُه مع التفاتات في مسرحية «هاملت» إلى «الجنون» الشاعري في طلب الصعب والخطر.
وإذا كانت الترجمة العربية غيبت هذه العبارات التعريفية أو النبذات الشعرية، فإن ذلك تم بموافقة - حتى لا نقول بطلب - القرم نفسه، بعد أن عرفنا أن الترجمة تمت تحت إشرافه؛ وهي تغييبات ما عادت لازمة في حساب القرم، بعد صدور الترجمة العربية، في العام 1945، أي بعد حصول الاستقلال. وهو ما نتبينه في صورة أوضح في الزيادات التي تضمنها الديوان في صيغته العربية، إذ صدر مرفقا بـ «معجم» الجبل الملهم، الذي يوازي في حجمه الطباعي نص القصائد. والمعجم موضوع من الأب فرحات، بمساعدة القرم، وبعد عودته إلى العشرات من الكتب من مكتبة القرم، على ما يفيدنا فرحات: «أخذت معلومات هذا المعجم من الأحاديث التاريخية التي كانت تدور بيني وبين صاحب الجبل الملهم، وكان يطلعني على مراجعها، بكل دقة، في الكتب المجموعة لديه في مكتبته الخاصة». فقد وجد المترجم والواضعُ ضرورة لشرح ما يبدو الآن بمثابة «الخلفيات» المجهولة لمجريات التاريخ، ومنها تاريخ الديوان نفسه.
إن هذه الملاحظات كلها، التي تتصل بـ «عتبة النص»، كما يسميها الباحث الفرنسي جيرار جينيت، وتعين بوابات الدخول إلى النص الشعري، تفيدنا كثيراً في تبين أولي للدوافع الإيديولوجية والسياسية، التي وقعتْ في أسباب كتابة هذا الديوان. فما الديوان هذا؟
في الديوان أناشيد ثلاثة، مكتوبة في فترتين مختلفتين، الأولى في 1920 للنشيد الأول، والثانية في 1933 للنشيدين الآخرين. والأول منها شديد الاختلاف عن لاحقَيه، طولاً ونفساً وموضوعاً. فهو لا يتعدى الصفحات المعدودة، ويفتقر إلى عدة شعرية محكمة، إذ يقتصر على جمل بسيطة التركيب، هي جمل المحاورة البسيطة التي تنعقد أسبابها بين القائل الشعري (والبعض يقولون: الشاعر) و«الجبل» نفسه. ولعل مبعث البساطة في التركيب يعود إلى أن اللحظة لحظة فرح، لحظة تأكد من عودة «الجبل» إلى هويته المغيَّبة. وهو ما يُجمله الأب فرحات في «التوطئة» بالقول: يتحدث القرم «إلى الجبل كجسم إنسان كامل، عضواً عضواً، وإلى أهل لبنان، فرداً فرداً، متفهماً صراحتهم مما تجلت فيه روح ثقة اللبنانيين بالاستقلال الذي وعدتهم به الدولة المنتدبة، وإذا بالقصيدة آية مرح وطرب، طليقة من القافية، كطريقة الإنشاء في الأجيال الوسطى (أي القرون الوسطى)، نظراً إلى البساطة والإخلاص اللذَين فرضَهما الشاعر على نفسه في هذه القصيدة». نقرأ في هذا النشيد:
«وكأنني بلبنان الشيخ، هيكلاً فخماً.
قد صمتتْ تماثيله غماً،
- منذ منتصف العصور -
يستيقط الآن بالسرور،
وإذا بالأشكال السنية،
والرسوم الوضية،
والتصاوير النقية، المطبوعة على لماع الزجاج،
(...)
وكأني بها، من الساحة إلى المعابد،
ومن المذابح إلى المساجد،
تملي علي، باستحياء، بين الابتسام والبكاء:
هذه المترادفات المتسلسلة، الجامعة بين السذاجة والجزالة».
يشير القرم إلى قصائد الديوان الثلاث على أنها «دورات» (أو «مطالع»)، كما في القصائد الملحمية القديمة، وهو ما نتأكد منه في الجمع بين النشيد الأول ولاحقَيه. فالنشيد الثاني، «نشيد الاحتضار»، يبدو مثل حال انتظار بعد تحقق زمن النشيد الأول، ويستعيد «الجبل» المحاورة من جديد:
«والآن، بين الحشرجات، وتباريح الجراح،
خاطبني الجبلُ، بصوت تخنقه ظلمة القبر قائلاً:
حينما أتسمع إلى نفسي بإصغاء،
وأنصتُ إلى هذا المجهول المضطرب في الأحشاء،
وحينما أغضي، لحظة، عن الأوغاد، والسياسيين، والخصيان المعجين،
والنساء المتحرشات، والفاسقين المستهزئين، وكل المستثمرين،
العائشين عيش السخفاء
(...)
وحيث يسحق، ويلصق، ويعلق إيمان ربيعي النضر،
مثل أوراق جافة تتساقط عن الشجر،
- وما غبطتي غير الإيمان».
والنشيد هذا يقوم على سلسلة من المقاطع تبدأ بالجملة: «أسمع»، التي تشير إلى رداءة زمن الانتظار، وزمن الرداءة، بعد «الوعد»، وذلك حتى ختامه، الذي يؤكد تحقق الوعد في دورة الفلك الدوار، مثل «هدية سنية» و«مغفرة غير مرجوة». ويسلك القرم فيه سبيلاً تعبيرياً مختلفاً، و«أسلوباً طريفاً ومرهباً، حسب عبارة الأب فرحات، مجرداً من هذا الجبل (لبنان) شخصاً آخر يتحدث إليه، وقد ملَّ هذا الشخص الانتظار فانطوى على ذاته، وإذا به يرى تفاقم الشرور، مما مرَّغ جبينه بالخيانة ولطخ عرضَه بالخلاعة، فتفجر قلبه، ولذلك مال إلى الشاعر يشكو إليه أمره»، حسب الأب فرحات.
أما النشيد الثالث، «نشيد الذكريات»، فيتحقق في بدايته من الفقدان: «عبثاً أبحث عنك ...»، ويُتبعه بعبارات بداياتُها هي الجملة التالية: «لم يبقَ من يبصر...»، «لم يبقَ من يُمسك باليد...»، «لم يبقَ من يسمع...»، إلى غيرها من الجمل التي تستكمل حالة التعطل هذه.
ورائدُ القرم في النشيد هذا «إظهار الحقيقة التاريخية والجغرافية والأدبية التي أخنى عليها الدهر، كأنه ماثلٌ أمام الجبل المحتضر كالإنسان على فراش الموت تمرُّ عليه (...) جميع ذكريات حياته الماضية». ويتوزع هذا النشيد - الأطول في الديوان - في مقاطع عديدة، هي التالية: «الكتابة»، و«الرسالة اللبنانية القديمة»، و«اللغة»، و«الرسالة اللبنانية الحديثة»، و«العادات اللبنانية»، و«الموآخاة»، و«أبطال لبنان الثلاثة» (وهم الأمير فخرالدين، والزعيم يوسف كرم، والأمير بشير الشهابي)، و«الرسالات»، و«البابوات»، و«رجالات لبنان» (وهم: جبرائيل الصهيوني، إبراهيم الحاقلاني، يوسف السمعاني، بطرس البستاني، ناصيف اليازجي، جرمانوس فرحات، خليل غانم، سليم نوفل، جبران خليل جبران، شكري غانم، داود القرم وغيرهم)، و«المهاجرون»، و«الصليب»، و«الأرز»، و«وادي قاديشا»، و«وادي نهر إبراهيم»، و«بعلبك»، و«الجبل يستوحي من الشمس شعلتَها...»، و«يا شمس»، و«قمم لبنان»، و«اللهفة على ضياع اللغة»، وغيرها. فكيف يتمُّ، والحالة هذه، «شَعْرَنة» الأسطورة على أنها التاريخ، و«أسطرة» التاريخ على أنها السياسة؟
لـ «الجبل الملهم» علاقات بينة، بل محكَمة، مع الزمن، تبيناها في التواقت بين السياسة وقول الشعر، كما في البناء البسيط الذي تتخذه الجمل، والأناشيد الثلاثة بالتالي: فكل نشيد يتسم بصيغة تركيبية واحدة، نقع عليها في بدايته كما في تتابع مقاطعه، وهي صيغة الحديث الموجَّه (إلى «الجبل») في النشيدين الأول والثاني، وصيغة التغني الافتخاري في النشيد الثالث والأخير. لهذا يمكننا القول إن المبنى الحواري والغنائي، بما يقوم عليه من حثٍّ وتحريض وتجييش، هو الذي يُحرِّك القصائد في «الجبل الملهم»، ويُنشئُها إنشاءها المخصوص. فأي إنشاء هذا؟
قد يسارع بعضهم وينظر إلى الديوان على أنه إنشاء أسطوري، لما يحفل به من مواد أسطورية هائلة، أو على أنه إنشاء تاريخي، لما فيه من إحالات واستعادات بينة وصريحة لوقائع التاريخ، وفي تسرعه عدمُ التفات أو تنبهٌ إلى حقيقة الصلات بين الشعر، من جهة، والأسطورة والتاريخ، من جهة ثانية. وهي صلات تقوم على استمداد المعاني والأخبار والقيم من هذه المواد الأسطورية والتاريخية (أي الوقائعية)، لا لعرضها أو تبيانها أو التدبيج حولها أو صياغتها من جديد (كما هو عليه الأمر في الاستعادات الشعرية المعروفة لأساطير أو لوقائع بعينها)، وإنما لحشدها وإنزالها وإدراجها في سياقات تعبيرية، في إنشاء مخصوص، وتوظيفها بالتالي لمحو الحدود الفاصلة بين الأسطورة والتاريخ، وبين التاريخ مؤَسطراً وتحققِ السياسة. فما حقيقة الجمع هذا وأين نجد أصوله؟
لا نقوى، من جهة، على نسب صنيع القرم (في تناول الأسطورة والتاريخ) إلى ما فعله أحمد شوقي أو خليل مطران وغيرهما (في استعادتهما لحكايات وسِير تاريخية معروفة)، ولا إلى الشعر الفرنسي، الذي ابتعد منذ العهد الرومانسي (في ما عدا محاولات لكوكتو أو كامو وغيرهما) عن الاستعادات التاريخية والأسطورية (ولا سيما في المسرحيات الكلاسيكية). غير أننا نقوى، بالمقابل، على إحالة بعض المقومات الفنية في «الجبل الملهم» على طرز فنية معروفة، مثل فكرة «الدَّور» في الملاحم خصوصاً، أو فكرة البناء الرمزي (جعل الجبل إنساناً متكلماً)، المعروفتَين في الآداب الأوروبية تحديداً. إلا أن لجوء القرم إليهما لا يعود إلى مماشاة أسلوبية، وإنما هو يُعيِّن احتياجاً إلى قدرتَيهما التعبيرتَين ليس إلا. وهذا ما نتبينه خصوصاً في النزعة التجسيدية الماثلة في محض «الجبل» القدرة على الكلام والاستماع: كان في إمكان القرم أن يتحدث «بلسان» اللبنانيين، على أنه «مفرد بصيغة جمع»، إلا أنه طلب وسيلة تعبيرية أخرى أقوى في حسابه التعبيري، وهي جعل «الجبل» كائناً له الديمومة ونقاوة الأصل، كائناً «كامناً» في انتظار انبعاثه من جديد. الديوان لا يستعيد أسطورة بعينها، وإنما ينشئ - إذا جاز القول - أسطورة جديدة عن كائنٍ عابر للزمن، متفرقٍ في أسماء أبنائه (الأعلام منهم تحديداً) حيثما حلوا، مقيمين أو منتشرين في الاغتراب، كائنٍ متجمعٍ في النزوع إلى الاستقلال، وإلى كسب واحد من أسمائه العديدة: لبنان.
في الأناشيد مواد أسطورية، لا استعادة أسطورية، و«الجبل الملهم» في ذلك أشبه بثبت متراكم من الآثار والأساطير والوقائع والسِّير على أنها أدلة الوجود المتتابعة، والمتصلة، والأكيدة، والواحدة على الخصوص، لـ«لبنان»: أدونيس مثل فخر الدين أو والد الشاعر نفسه، الذريةُ المتصلة التي لا يَجمع بعضها إلى بعض الطائفة أو الديانة، بل التحدر من أرض بعينها، ومن دون غيرها، وهو ما نسميه بمسألة «الحدود». فما المقصود بها؟
لا نبالغ في القول إن ديوان «الجبل الملهم» يُسوِّغ قيام دستور «دولة لبنان الكبير» (وهو في آن مسودة للسجال الإيديولوجي المصاحب له)، مثلما يُروِّج ويحرض على إنجاز استقلالها الموعود والمنتظر. ولا يختلف الديوان في غرض تأليفه، كما في نسق إنشائه، عن كتابات أخرى سابقة أو مزامنة له، قامت هي الأخرى على تدبير صلات بين التاريخ والأسطورة، وبين التأليف والسياسة، إنجازاً للغرض عينه: تحقق دولة لبنان الكبير واستقلالها. ومِن أوائل هذه الكتابات وأشدها وضوحاً في هذا المجال كتابات يوسف السودا، ولا سيما في كتابه «في سبيل لبنان». فمن هو ؟
ولد يوسف السودا (1891-1969) في بكفيا، وتلقى فيها علومه الابتدائية، ثم تخرج من كلية بيروت اليسوعية، ورحل إلى مصر، عام 1908، ونال فيها شهادة الحقوق، ورافعَ في المحاكم المختلطة، ثم انصرف إلى السياسة فخدم القضية اللبنانية، ثم عاد من مصر إلى لبنان في العام 1921، أي في مستهل عهد الانتداب على لبنان وسورية. أسس فرقة الكشافة مع عبد الله حشيمه سنة 1925، وأنشأ حزب المحافظين فترأسه من سنة 1926 إلى سنة 1927، وانتخب نائباً عن المتن خلفاً للمرحوم نعوم لبكي، في سنة 1926. وأصدر بين سنة 1926 وسنة 1948 جريدة «الراية»، وعمل سفيراً للبنان في البرازيل من سنة 1946 إلى سنة 1952، وسفيراً لدى الفاتيكان من سنة 1953 إلى سنة 1955. كما دخل الوزارة في وزارة رشيد كرامي الأولى، بعد حوادث 1958، إلى جانب فيليب تقلا وحسين العويني. ومِن مؤلفاته: «في سبيل لبنان» (الإسكندريه، 1919، والطبعة الثانية في بيروت، في مطبعة الأرز، 1924)، و«المسألة اللبنانية» (دار المعارف، 1910)، و«بين القديم والحديث. بحث قانوني في نظام لبنان القديم ونظامه الحديث» (الإسكندريه، 1922) وغيرها.
ونتبين في سيرة السودا وفي قائمة كتبه خصوصاً، منذ العقد الأول في هذا القرن (العشرين)، أي قبل إقبال القرم على وضع أناشيده، انصرافاً يكاد يكون واحداً، من دون تقطع، إلى «المسألة اللبنانية»، أو «في سبيل لبنان». اخترنا التوقف عند كتابه هذا، طمعاً بالتعرف على الصياغات والرؤى التي كانت تتجاذب «لبنان» في حدوده وتعييناته.
تعود الطبعة الأولى من كتاب السودا إلى العام 1918، كما يشير في المقدمة الأولى، المؤرخة في الإسكندرية، في أول تشرين الثاني (نوفمبر) (كما تشير «توطئة» الكتاب إلى أول كانون الأول/ ديسمبر سنة 1917). وكان الغرض من تأليفه تقديم «موجز» لتاريخ «مواطنيه اللبنانيين»، ويفيد «بياناً لحقوق بلادهم»، و«إثباتاً لغايتها الوطنية». وكان الباعث إلى كتابته، والواقع في أحداث الزمن نفسها، هو «المعترك الفظيع الهائل»، أي الحرب الكونية الأولى: وجد السودا في هذه الحرب عبرة، واستخلص من تضحياتها فكرة «ضمان المستقبل للأولاد والأحفاد»، فلا تذهب نتائج الحرب سدى، بل تنبثق من «ظلام قبورها شمس العدل». أي أنه ينطلق من شرارة البلقان، التي أطلقت هذه الحرب الكونية، ليحذر من مغبات اشتعالها من جديد، ولكن من لبنان هذه المرة، ما لم يتحقق استقلاله: «فلئن غلب لبنان على أمره لضعفه اليوم أو لغفلته، فقد يأتي زمن يرجع فيه لبنان إلى نفسه وينشط إلى استقلاله. فيكون في الشرق ما كانت البلقان في الغرب: وفي حوادث هذه الحرب وأسبابها عبرة للمعتبرين». وقد كلَّف السودا نفسه - هو محامي الاستئناف - تبيان هذا «الحق المقدس» والأكيد في الاستقلال، أي عرضَ التاريخ «المجيد»، لتأكيد الأحقية بالاستقلال.
ونستطيع، لو أجرينا مقارنة بين نسق التأليف في ديوان القرم وبينه في كتاب السودا، أن نجد تقارباً بيناً بين تكوينهما، ينضاف إلى الغرض الواحد من تأليفهما. فنحن نتتبع في الديوان، ولا سيما في النشيد الثالث، مساراً من الوقائع والأحداث والأساطير والسِّير، مشابهاً لكتاب السودا، من فينيقيا البعيدة في أساطيرها المؤسِّسة إلى «نظام المتصرفية» (الذي انبثق منه نظام «دولة لبنان الكبير»). والكتابان ينحيان، وفق أسلوبين مختلفين (تاريخي-حقوقي، في الأول، وتعبيري بالاستناد إلى الأساطير والأخبار، في الثاني)، إلى طلب تثبيت «حدود» لبنان الكبير عند السودا، والنزوع إلى استقلاله الناجز عند القرم. وهما في ذلك يندرجان في مجال صراعي، قبل أن يكون مجالاً دلالياً، حول «حدود» لبنان.
ما اعتنت هذه الكتابات وغيرها بتعيين «حدود» للبنان الناشئ وحسب، خالطة الحدود بين السياسة والشعر، وإنما اعتنت أيضاً بإعداد «عدة» إيديولوجية، ذات صيغ وحبكات وشعارات، قائمة على تبادلات بين المعاش والمتخيل: تبادلات قد توفر تعويضاً عن المعاش، أو تسامياً به، إلى غير ذلك من العلاقات المعقدة بين الموقع والرغبات (الفردية والتاريخية) الصادرة عنه. وقد تبينا في هذه الكتابات عدداً من التبادلات:
منها علاقة التبادل بين «الصِّغَر» الجغرافي و«الثقل» النوعي، أو بين الشعور بدونية الموقع وهشاشته وبين طلب تساميه. يقول القرم:
«لأنه لم يرَ، قط، في قطر من الأقطار،
بلد بهذا الصغر،
عظيم القدر،
هاجمته دول لا تحصر،
وسلبتْ من شعبه الأنوار، مما لا يقدر».
وهو ما نجده، قبل شعر القرم، في كتاب السودا المذكور أعلاه، حيث يتحدث عن لبنان «صغير بعدده، كبير بقومه». وهو ما نلقاه أيضاً في شعر سعيد عقل، منذ مسرحيته الشعرية «قدموس» في العام 1937، والذي يتمثل في العلاقة العجيبة بين «القرية» و«الكون»، أي بينها بوصفها «بذرة» الخليقة، محاكاةً لانتشار الفينيقي في العالم، وخلقاً له بالتالي:
«عن قرى من زمردٍ عالقاتٍ
في جوار الغمام، زرقِ السماء
يتخطين مسرح الشمس، يركزن
بلادي على حدود السماء».
وهو ما نلقاه أيضاً عند شاعر لم يُعرف بفينيقيته، بل بشيوعيته، وهو الشاعر إلياس أبو شبكة (1903- 1947)، الذي يقول في قصيدة «الحصادون» في ديوانه «الألحان»، الصادر في العام 1941:
- «صغيرة بين الدول
كبيرة مثل الأمل
كانت لنا ولم تزل
بلادنا: أجدادنا أولادنا».
وهو ما نقع على صورة أخرى من صوره، وهي التمييز بين «الانتشار» الفينيقي (لـ«تجميل» الهجرة اللبنانية من الفقر والاضطهاد منذ الأحداث الدامية في 1860، وقبلها في 1840، وبعدها في الحرب الكونية الأولى) و«النبوغ» اللبناني في المهاجر، مثلما نتبين ذلك في «قدموس» سعيد عقل، الصورة الأولى لـ«المهاجر» اللبناني:
«نحن غير الغزاة، ننزل قفرا
فنخليه أنهرا وجنائن
نزرع المدن، نزرع الفكر في الأرض
ونمضي في الفاتحين مثالا
وغداً تعرف الحضارة في صيدون
أماً، وتنحني إجلالا».
ومن هذه التبادلات أيضاً التطابق بين فينيقيا الأسطورية و«دولة لبنان الكبير»، وهو ما نجده ماثلاً في شعر القرم، كما بينا أعلاه، وقبله في كتاب السودا المذكور أعلاه، الذي يقول فيه: «كانت فينيقيا القديمة قائمة حيث يمتد اليوم لبنان بحدوده الطبيعية على وجه التقريب: من عكا جنوباً إلى أرواد شمالاً». فلبنان، حسب تعريف السودا، يقع على الشاطئ الشرقي من البحر المتوسط، وهو فينيقي، ظل على هذه الحال، على الرغم من «حدثان الدهر»، وما تقلب عليه من غزوات واحتلالات، وهو بالتالي تاريخ موصول من فينيقيا مروراً بـ«امتيازات» السلالتين المعنية والشهابية في حكم «إمارة جبل لبنان». هذا ما نقع عليه أيضاً في كتابات ميشال شيحا (ولو أنه يخففها، هو مثل إدوار حنين، في الأربعينيات، بالدعوة «المتوسطية»): يقول شيحا إن أرض لبنان «مطابقة، على وجه التقريب للبنان - فينيقيا الأول».
وبات التغني بفينيقيا أمراً مألوفاً في الشعر اللبناني، حتى عند شعراء غير معروفين بميولهم الفينيقية، ما يشير إلى أن التغني هذا بات من «بيادر» الشعر المألوفة، أو من أغراضه. وهو ما نجد آثاره في شعر يوسف غصوب، على سبيل المثال، فنقرأ في ديوانه «الأبواب المغلقة»:
هنا من عصور قدامى، غواف
على شاطئ الأبيض الساحر
يدغدغها بالحنين الملح
وبالطيب من عهدها الغابر
حداء القوافل أم رجعة
من الموج من أفق شاسع
لأغنية قالها في الدجى
جدودي على مركب ضائع»
ولم يسلم شاعر مثل إلياس أبو شبكة من التغني بأمجاد فينيقيا، إذ يقول في ديوان «القيثارة»، في العام 1926:
«حدثينا عن جدود
ظلَّلَ الأرز ثراهم من قديم
وعن الحكام لما
حكموا فيك بقانون قويم
علمي اليوم قضاة
العدل إنصاف العباد
يا بلادي».
أو ما قاله أبو شبكة في ديوان «الألحان» في العام 1941:
«عبق الإلهام فيك
مالئ أرضك أعراف السماء
يتمشى في بنيك
فهم أمس ملوك شعراء
ورعاة أنبياء
وأباة حلفاء
وهم اليوم معادي
يا بلادي».
أو ما قاله في ديوان «غلواء»، الصادر في العام 1945:
«فينيقيا ومجدها المشيد
وملكها المعظم المؤيد
أميرة الفنون والتجاره
ومنشأ العلوم والحضاره
سلطانة البحار والأسفار
مليكة البرفير والنضار
لؤلؤة العروش والتيجان
ومطمح اليونان والرومان
أمست بقايا وطن مدمر
من بعد عز شامخ منور
قائمة كالظل المهجور
على مياه شاطئ في صور».
ومن هذه التبادلات أيضاً التلازم بين «الملجأ» (لجميع المضطهدين، ولا سيما للمسيحيين منهم) و«الكيان»، حماية لهم وتعويضاً عن تضحياتهم؛ وهو ما نقع عليه في كتاب السودا إذ يقول: «وكأن «العناية» اختارته (لبنان) من قديم الدهر ليكون في الشرق ملجأ أميناً للنصرانية وموئلاً حصيناً للفازعين إليه». وهو ما نتبينه في رسالة «الموآخاة»، التي يوجهها القرم إلى «أخيه المسلم» في النشيد الثالث، ويتضح فيها الالتباس والتداخل المكونين للنزعة «الاستقلالية» بين «اللبنانية» و«المسيحية». يقول القرم في النشيد الثالث:
«يا أخي المسلم، صراحتي تفهم،
فأنا صورة لبنانيتي، بسلامة طويتي،
وصدق عقيدتي،
ولا سيما، إيماني، كلبناني،
يرمز بفحواه،
إلى لقب الطائر المغذي فراخه بدماه».
ونخلص من تبين العلاقات هذه إلى القول إن التبادلات بين الأسطورة والتاريخ، وبين السياسة والشعر، لم تكن واقعة في طبيعة الموضوع، وإنما في كيفية إنشائه، خاصة وأن واضعي هذه النصوص - في ما خلا يوسف السودا، المحامي والسياسي - كانوا شعراء مقدار ما كانوا سياسيين (أو العكس). وهذا يصح في القرم كما في سعيد عقل وصلاح لبكي وميشال شيحا وإدوار حنين وغيرهم.
هكذا فينيقيا هي الأصل «السلبي» (حسب لغة التصوير الفوتوغرافي) لما «ستستظهره» السيطرة الفرنسية كصورة «إيجابية» في «دولة لبنان الكبير». هكذا تجتمع صور مع صيدا وجبيل مشفوعة إلى بعلبك في شعر القرم، وقبل استقلال «لبنان». وما كان في أجزاء لبنان الحالي منصرفاً إلى سيرورته ضمن الولايات في السلطنة العثمانية، مثل جبل عامل مع عكا، وطرابلس مع الشام، وغيرها، سيصبح - في هذا الشعر - طرفاً متساوياً في التاريخ «المتجدد». الكيان الفينيقي - شعراً - صورة قديمة لإمكان لبنان المتعدد في حدود «لبنان الكبير»، ولجعله واقعاً في مشروعات الضغط على فرنسا: لا المارونية، إذن، بل مشروع «الكيان» بزخم ماروني، ولا «إمارة جبل لبنان»، أو «جبل الموارنة»، بل لبنان المتعدد، ولو وفق قاعدة، هي قاعدة التعايش الدرزي-الماروني، المائل إلى غلبة مارونية.
فإذا كانت «مناطق» لبنانية (في التقسيم الحالي) كانت تعايش مسارها الخصوصي، الإسلامي الصرف، فإن «المارونية» توصلت، لا منذ مارون وتعاليمه، ولا في المعارك المضخمة التي تبقِّع تاريخ الموارنة القديم (والتي تعكس خصوصاً توجسهم وخشيتهم من الضغط الإسلامي والعثماني)، بل في الصراعات التاريخية والدموية التي جعلتهم يناهضون الاحتلال المصري، ثم في «الحركات» النفوذَ الدرزي، وفي العاميات سلطةَ الإقطاع، إلى غير ذلك من المواجهات، التي جعلت في مدى القرن التاسع عشر، في نصفه الثاني خصوصاً، من «المارونية» طائفة سياسية متشكلة قابلة للضغط والتعيين، وهو ما جعلها «متأهبة»، لا بل طامحة وطامعة باستقلال ناجز، وهو ما يفسر التفاوت والتقطع بين هذه الكتلة والكتل الطائفية الأخرى، التي ما كانت قد تشكلت بعد، أو ما انخرطت سابقاً في مشاريع سلطة محلية، وهو ما يفسر لنا «دهشة» بعضها وامتعاضها ونقمتها حينما وجدت في المشروع الماروني «دولة» قيد التأسيس، وقبل غيرها في أحيان عديدة من الدول العربية، وأن عليها الالتحاق بها وفق شروطها.
يعودون إلى سوابق التاريخ، إلى آثاره وكتاباته ومروياته، كما لو أنها حاملة نوازع ودوافع أزلية مستمرة ضاربة أبداً على بوابة الاستقلال من دون أن يتحقق إلا في مطالع القرن الحالي، وهي نظرة لا «تؤسطر» التاريخ وحسب، واجدة له نسقاً واحداً، وإنما تغيب تفسير «جعل» لبنان بفعل الانتداب (مسبوقاً بتطلعات لبنانية، مارونية تخصيصاً) دولة مستقلة. هكذا نجد أسماء التاريخ ووقائعه مرصوصة مثل خرز في عقد التاريخ، وهو النسق السوي لأسطرة المواد القديمة المتفرقة. ويتحول معها تقطع التاريخ، أو أنسقته المختلفة والمتعايشة من دون تكوكبٍ أو تجمعٍ في ما بينها، إلى سياق متصل وجوهراني. هذه الدعوة الفينيقية لم تكن الوحيدة، ولا الغالبة (ولو أنها تسند مشروع غلبة قيد التحقق)، بل تندرج في صراع مع غيرها، وتتبارى معها على حيازة الحيز الأسطوري. فما الحيز هذا؟
قد يكون من المجحف إحكامُ توازٍ بين حمولات الشعر وحمولات السياسة في الفترة التاريخية عينها، إلا أن تبينَ كل نسق منهما لا يعمي بالمقابل، ولا ينفي حقيقة وطبيعة كل نسق في إنشائه الخاص: نتبين في شعر القرم رسماً شعرياً يكاد يكون «خريطة» لحدود «لبنان الكبير»، من دون أن يعني الرسم، هنا، أن مسألة «الحدود» كانت بينة أو جـــلية، بل أنها مجال صراع وتعيين.
فلو نعود، في التفاتة سريعة، إلى خلافات الفئات اللبنانية التي نشأت في العقود الأولى من القرن العشرين، لوجدنا فئات تطالب بضم «الولايات» اللبنانية إلى سوريا، وغيرها بتشكيل «دولة» (تحت الانتداب، ثم مستقلة)، أي أن الأمر لم يكن بالجلاء الذي نتبينه في صريح الشعر عند القرم: ففي صيف العام 1928، توجهَ فريق من وجهاء المسلمين إلى دمشق، متجاوبين مع دعوة الأمير فيصل بن الحسين (1833- 1933)، أثناء انعقاد «الجمعية التأسيسية» السورية، وطالبوا بحق سوريا بالمناطق الإسلامية في لبنان، في خضم المناقشات على وضع الدستور السوري. وفي آذار (مارس) 1936، انعقد في بيروت «مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة»، المناهض لاستقلال «لبنان»، وعبَّرَ فيه المجتمعون عن أنفسهم بالقول (في مطلع بيان أعمالهم الختامي): «نحن أبناء الأقضية والمدن المنسلخة عن أمنا سوريا ...».
لم يكن الاتفاق قائماً على «الحدود» بين استقلال وانضمام: كيف لا، ونحن نقع في مقترحات لبولس نجيم، عرضَها في العام 1908، على مشروع يقوم على توسيع الحدود في مرحلتين: «ينبغي استخدام القوى الحية في الأمة اللبنانية داخل سورية نفسها، عوض بعثرتها في كل أنحاء العالم. وينبغي في هذا السبيل، أن تلحق بيروت والبقاع، الخصب أولاً، ثم بلاد بشارة، وعكار والحولة ومرجعيون، بأراضي المتصرفية». وهو ما نلقاه في صورة أخرى في قول للأب اليسوعي بولس سيور في مجلة «المسرة» في العام 1921: فرنسا «ألفت لبنان الكبير ووسعت أرجاءه أكثر مما طمع به أبناؤه». كانت الحدود موضوع صراع، بل أكثر من ذلك: جماعات لبنانية مقيمة خارج «إمارة جبل لبنان»، وخارج «نظام القائمقاميتين» (في العام 1840)، وخارج «نظام المتصرفية» (في 1860) ترفض الانضمام إلى «قاعدة» تأسيس الكيان اللبناني، ولا سيما بعد أن عمل الانتداب الفرنسي على إلحاقها بالقاعدة هذه.
ونحن إذ نتبين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر صراعات دائرة بين بعض الوجهاء المحليين، وبين السلطنة العثمانية والقوى الأجنبية خصوصاً، فإننا نشهد مع منح لبنان وإعلانه «دولة»، ولو تحت الوصاية، في العام 1920 تبلور مشروعات سياسية محلية، مواكبة لهذا التطور وفق هذه الوجهة أو تلك، وتتخذ من فكرة «الحزب» شكلاً لها: ففي العام 1924 تأسسَ «حزب الشعب اللبناني» (وهو «الحزب الشيوعي اللبناني» لاحقاً)، وفي العام 1932 «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1936 «حزب الكتائب اللبنانية»، و«حزب النجادة» (وشعاره: «بلاد العرب للعرب») وغيرها من الأحزاب والجمعيات والهيئات ذات الطابع الحزبي والسياسي والإيديولوجي.
ولم تسلم الحالة الأدبية من هذا الصراع المحموم، فتأسست «عصبة العشرة» في العام 1930، و«الرابطة الأدبية» في العام 1934، و«ندوة الإثني عشر»، وغيرها من الجمعيات التي أسسها القرم وذكرناها، واتخذت هذه الجمعيات غالباً طابع الصراع بين «القديم» و«الجديد»، مثلما نلقاه في إعلان «عصبة العشرة» في العام 1930: تهدف هذه العصبة إلى «يقظة أدبية نشيطة أهاب بها نفر من الأدباء والشعراء الشبان رأى في الأدب المعاصر ما يطبع نتاج الأقلام العربية في هذا البلد (لبنان) بطابع التقليد والجمود ويقيدها بنزعات تقف بأصحابها دون اعتبار الجديد وتسوقهم إلى الاستمرار في نسخ القديم وانتحاله ومحاكاته».
لهذا نقول إن أناشيد القرم كانت تندرج في سجال مسنون الحجج الإيديولوجية، على أن الأناشيد - وهذا هو موضوع إلتفاتتنا النقدية إليها - تقترح مسودتها في سجال التعيين والترميز، بما فيها من «تخييل جمالي» لـ «لبنان». غير أن هذا النزوع الصريح إلى الاستقلال، وتجييشه مواد الأسطورة، لا يغيب أبداً حقيقة الصراع حول «تملك» (أو «إعادة تملك»، كما يسميها رولان بارت في دراسته للأساطير) الماضي الأسطوري، كما يتضح ذلك في الشعر، مع القرم وسعيد عقل وغيرهما. ويبدو لزاماً علينا في هذا السياق تبين قيام الدعوتين «اللبنانية الفينيقية» و«القومية السورية» في تلك الفترة «التأسيسية»، وما نشأت بينهما من صلات تنازع وتبادل، لا سيما في المجال الأسطوري. الدعوتان «احيائيتان»، سواء اتخذت هذه أو تلك المنحى القطري أو القومي أو خلافهما، وسلكتا سبيل الأسطورة (بين جملة سبل أخرى) سنداً للتخلص من المناخات الاعتقادية «العثمانية»، ولمناهضة ضغوطات السيطرة الأجنبية. وهي نزعات استقلالية اغتذت من الأدبيات الأوروبية في المقام الأول، في نصوصها الأصلية أو في مباحث المرسلين، لا سيما البروتستانت واليسوعيين منهم. فنجد كتابات الأب اليسوعي هنري لامنس في خلفيات كتابة السودا والقرم وعقل وأضرابهم، لا سيما مباحثه التي شرَعَ في نشرها في مجلة «المشرق»، منذ صدور عددها الأول في العام 1898، وهي في عنوان: «تسريح الأبصار في ما يحتويه جبل لبنان من الآثار». كما نقع على الدراسات والكشوفات الأثرية، التي قام بها المستشرقون والعلماء الأوروبيون، في أسانيد سعادة عن «سوريا الطبيعية».
يقول سعادة في «المحاضرات العشر»: «الأمة تجد أساسها، قبل كل شيء آخر، في وحدة أرضية معينة تتفاعل معها جماعة من الناس وتشتبك وتتحد ضمنها»، وهو تفسير قومي يستند إلى «الأرض» أيضاً، غير أنه ينحو بها منحى آخر، ويجعل لها «حدوداً» غير التي تبيناها في الدعوة الفينيقية.
إلى هذا فإن دعوته لم تطلب السبيل الطائفي، مغلفاً او صريحاً في الدعوة الفينيقية، لتجسيد فكرته القومية، بل السبيل الإيديولوجي المحض، ما جعلها ضعيفة الأثر في تشكيلات طائفية في المقام الأول، ولو أنه أعطاها بعداً «تجديدياً» أقوى من غيرها في مجال الصراع الفكري وصياغة الرؤى الإيديولوجية والشعرية.
لسنا في مجال تأريخ، لا سياسي ولا أيديولوجي لهاتين الدعوتين، ولا لهذه المرحلة «الاستقلالية»، ما يعنينا هو التوقف عند الشروط التي تحكمت، مثلما سهلت، هذا التنافس على حيازة الأساطير، وعلى تجنيدها وتأطيرها في السجال الإيديولوجي، وعلى مدها للرؤى الشعرية بمواد وتراكيب منشطة لها.
من أولى هذه الشروط الكشوفات الأثرية التي تحقق قسم منها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أو في العقود الأولى من القرن العشرين، وأدت إلى كشف المطمور، بل المجهول تماماً من تاريخ الأرض، في بابليتها وفرعونيتها وفينيقيتها وبيزنطيتها وسريانيتها ومارونيتها وخلافها من «الطبقات الحضارية»، في هذا الجزء أو ذاك من هذه الأرض، التي باتت أشبه بميدان آثاري مكشوف، في الوقت الذي كانت تتبلور فيه مشاريع التحرر من السيطرتين، «العثمانية» و«الأوروبية»، في صيغ «استقلالية»، هي الصور الأولى للدول العربية، كما نعرفها اليوم.
ولو عدنا إلى عدد من كتابات القرم والسودا وأضرابهما في الدعوة الفينيقية مثلاً، لوقعنا على الكثير من الكشوفات الأثرية هذه، وعلى «الخلاصات» خصوصاً التي انتهى إليها المؤرخون الأوروبيون، خصوصاً الفرنسيين منهم، في دراستهم لـ «إبلاغات» هذه المواد المطمورة.
فكتاب السودا المذكور أعلاه يحفل بأسماء الكثير من هؤلاء المؤرخين، وبخلاصاتهم خصوصاً، ومنهم: ماسبيرو في «تاريخ شعوب الشرق القديم» (ويلخص بعض أفكاره في صورة صريحة)، وجان يانوسكي في كتاب «سوريا القديمة»، وغابرييل شارم في كتابه «رحلة إلى سوريا»، وأرنست كورسيوي في «تاريخ اليونان»، وبوجولا في «مراسلات الشرق»، ولنرمان وغيرهم، بالإضافة إلى عودته إلى الكتب الدينية القديمة كـ «تواريخ» هي الأخرى، مثل «الأسفار» التوراتية (أشعيا، نشيد الأناشيد، مزامير داود، سفر هوشع، حزقيال وغيرها).
ولو عدنا إلى عدد من مقالات أنطون سعادة، مؤسس الحركة «القومية السورية»، التي وضعها في العام 1942، وجرى جمعها لاحقاً في كتاب مستقل في عنوان «الصراع الفكري في الأدب السوري»، لوجدناها تحفل وتحيل إلى الكشوفات الأثرية هذه: فهو يخبرنا عن تنقيبات راس شمرا، بين 1929 و1932، وتصحيحها لعدد من الأفكار الحضارية الخاطئة: «إن أهم الأساطير اليونانية وأهم قصص اليهود الأساسية المثبتة في التوراة مأخوذة عن أصول سورية كشف عن قسم كبير منها في روايات وقصائد وجدت في تنقيبات راس شمرا بين 1929 و1932، كما كان قد كشف عن قسم هام منها في نينوى وآشور وبابل وسواها». ونجده في المقالة هذه يستعرض أخباراً مدققة وتفصيلية عن الكشوفات هذه، وعن قيمتها الحضارية في الكشف عن مطمور الأرض من تعيينات حضارية.
كان على الدعوات هذه أن تجد في ماضي التاريخ، في «قوانينه الطبيعية»، ما يبرر قيامها، وهو ما لم تكن تحتاجه الدعوات «العروبية»، التي لم تجد ضرورة تأليفية لخطابها غير التأكيد على «عروبة» الإسلام وحسب، لا بل نجد في النشاطات الإيديولوجية، ولو الخفيفة، للدعوة «العروبية»، مثل صياغاتها الأولية والمتعثرة لقومية تجد أصولها في اللغة والتراث والعادات المشتركة قبل الدين، أثراً من آثار المحاججة والتنافس على التعيين والتسمية و«غزو» التاريخ في صراع «الأصول الحضارية» هذه. كيف يتم «غزو» التاريخ؟ كيف تتم حيازة «الحيز» المستقل في هذا الميدان الآثاري المكشوف، والدعوات هذه تتبارى فوق الميدان نفسه؟
هذا ما نجده في الحشد الأسطوري الهائل في «الجبل الملهم»، حيث أن النشيد الثالث يكاد يكون ثبتاً، ما جرى جمعُ مثيلٍ له حتى أيامنا هذه في المرجعية الآثارية الفينيقية. وهو ما نجده في مطولات سعيد عقل الشعرية («بنت يفتاح» في العام 1935، «قدموس» في 1937، و«المجدلية» في 1944، وغيرها)، أو في المساعي الأدبية لعدد من الأدباء اللبنانيين، مثل يوسف السودا وصلاح لبكي وغيرهما، أو مثل أدونيس في بداياته.
وإذا كان صنيع السودا، ثم القرم، اتخذ السبيل الآثاري الفينيقي طلباً لتحقق مشروع سياسي بعينه، من دون طرق معقدة، فإن الدعوة «القومية السورية» اتخذت السبيل الإيديولوجي الصرف، ولو أنه يؤدي إلى السياسة في نهاية المطاف. فمقالات سعادة المذكورة أعلاه مساهمة جلية في هذا السجال، أي: حسن توظيف الأسطورة في الإحياء القومي والتجديد الأدبي. فما يقول سعادة؟
يدعو سعادة في غير موضع من مقالاته هذه إلى «نفخ الروح» في الأساطير السورية، عارضاً على المبدعين السوريين تمثلَها وتناولَ قيمِها الحضارية. وهو يتوقف وقفات نقدية عند محاولات عدد من هؤلاء الشعراء، مثل شفيق المعلوف وسعيد عقل وغيرهما، في تناولهم الأساطير. فيتعرض، على سبيل المثال، لتجربة سعيد عقل في استلهام الأساطير («بنت يفتاح» و«قدموس»)، وكان عضواً حينذاك في حزبه، فيجد في عقل «شاعرية ممتازة»، إلا أنها «خارجة عن المواضيع السورية وعن خطط النفس السورية»: فـ «بنت يفتاح» تنتسب في حساب سعادة إلى الأدب اليهودي، وهو ما أبلغه إلى عقل نفسه، في لقاء بينهما جرى في العام 1936، لافتاً نظره إلى «مطاليب النهضة السورية في الأدب»: استخراج الكنوز من «روائع المظاهر والمكنونات النفسية التاريخية» في تاريخ سوريا.
هذا ما حاوله عقل في «قدموس»، إلا أن سعادة لم يجد فيها عند قراءتها - على ما يبلغنا - «ما كنت أتوقعه. فقد حاول المؤلف (أي سعيد عقل) أن يصبغ الحقائق التاريخية والأساطير التقليدية بصبغة محلية ضيقة فأساء إلى الأساطير وإلى الواقع التاريخي». فما يهتم به سعادة لا يقوم فقط على اختيار الأساطير المناسبة، وإنما على تضمينها خصوصاً ما يعيّنه على أنه «مكنونات النفس السورية»، أو ما يُجمله في شعاره: «أدب الحياة». يتجنب سعادة الخوض في الخرافات - وهي مادة الأساطير أحياناً في حسابه - ناصحاً الشعراء «العناية بالأساطير الأصلية ذات المغزى الفلسفي»، ومنها: أدونيس، أو الأساطير اليونانية، وقصص اليهود المثبتة في التوراة، المأخوذة «عن أصول سورية» (بالإستناد إلى تنقيبات راس شمرا وغيرها).
غير أن الأساسي في موقف سعادة لا يقتصر على الدعوة هذه، بل يتعداها بالأحرى إلى المطالبة بـ «فكر جديد»، هو الرائد الأكيد في أي تجديد: «فحيث لا فكر ولا شعور جديدين في الحياة لا يمكن أن تقوم نهضة أدبية أو فنية». فالفكر الجديد هو مبعث التجديد، وسعادة في ذلك يختلف عن الكثيرين من أهل زمانه ممن أخلصوا إلى نظرة «تقنية» (إذا جاز القول) لـ «التجديد»، أي تقليد الأدباء الأوروبيين في أساليبهم وأنواعهم الفنية، جاعلاً من «الإيديولوجية» - وللمرة الأولى على هذا النطاق في عالم العربية - بمعناها العميق، لا الضيق، مجبولة إلى القيم والرؤى الجديدة، «محرك» النهضة.
في «الجبل الملهم» يتحدث «الجبل» ويخاطب أبناءه مثلما يستمع إليهم، وفي «قالت الأرض» لأدونيس، «الأرض» هي التي تخاطب أبناءها، كما في النشيد الأول من هذه المطولة الشعرية، وهو نشيد «أول آذار»:
«أنا كنز مخبأ. أين أبنائي؟
فكلي صوت، وكلي حناجر!
(...).
ليقوموا من غفوهم: فتواريخي
عطاش صفر الوجوه، كوامد».
وإذا لم يكن لأفكار سعادة قوتها السياسية الحاسمة في تلك الأيام، إلا أنها ملكت تأثيراً كبيراً في أوساط المثقفين والكتاب في سوريا، خصوصاً في لبنان. هذا ما نعرفه عن تأثيراته الأكيدة في شعر يوسف الخال مع «هيروديا»، أو في شعر أدونيس مع «دليلة» و«قالت الأرض». يقول أدونيس في قصيدته هذه:
«من هنا، من بلادنا، نحن أقلعنا
شراعاً، وموجة، وليالي
ومشينا حرفاً على صفحة القلب
وحرفاً على شفاه السؤال».
ففي غير موضع من هذه القصيدة يتحدث أدونيس عن الأساطير هذه، وهو حديث تختصره هذه الجملة في شعره: «أمسي غد».
نقع في سِير هؤلاء الشعراء، كما في كتاباتهم، على مظاهر «التنافس» في شحن الأساطير وتوظيفها في تعيين الأوطان. هذا يصح في سيرة سعيد عقل وكتاباته الشعرية، كما تأكدنا من بعض أخبارها أعلاه، وهذا ما نتبينه جلياً في سيرة اللبناني صلاح لبكي (1906- 1955): انتسب إلى الحزب القومي، وأصبح نائب زعيمه في العام 1937، وسجن مرتين لنضاله هذا، ثم انفصل عنه. وما لبث أن انتقل في خياراته الحزبية والإيديولوجية إلى «الكتلة الوطنية» وأصبح أمين سرها، ثم تقدم بطلب انضمام إلى حزب «الكتائب اللبنانية».
ففي كتاب «من أعماق الجبل» لصلاح لبكي، الذي يستعيد فيه بعضاً من هذه الأساطير، نجد الكتابة تنساق لتبيان، أو لإحقاق «اعتراف الخصب بفضل الينبوع»: تندفع الكتابة لتبيان ما في الأسطورة، في الينابيع، من أفضال على «حاضر لبنان الخصب». ونحن لو توقفنا عند عدد من هذه الأساطير، لوجدنا أنه يستعيدها، كما عند سابقيه (السودا، القرم، عقل...)، مثل روح كامنة في غياهب التاريخ، تنتظر انبعاثها من جديد. يقول لبكي في «النغم التائه»: «النغم لا يزال متحفزاً ليحل من جديد في قلب فتى من لبنان (...) ويعود إلى الجبل سالف عهده من العز». ويقول في «ملكرت»: «أحسست أن إيماناً قديماً يستيقظ في داخلي بعد أن رقد آلاف السنين». وهو ما نلقاه في شعره أيضاً، في ديوان «أرجوحة القمر»:
«فالأساطير في خيال الروابي
الشهل أطياف ذكريات رقاق
تتعرى ملء الزمان ترويه
فيهوي الزمان وهي بواقي».
إن التنافس على «التركة» الأسطورية (الفينيقية، الكنعانية...)، التي جرى نفض الغبار عن مطموراتها في بعثة رينان الشهيرة الآثارية إلى لبنان وغيرها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خصوصاً، كان يحرك العديد من المشروعات الاستقلالية، لا سيما أنها جعلت من الأرض، «الطبيعية» عند سعادة، و«الحضارية» عند السودا والقرم وغيرهما، السندَ اللازم لنشأة السياسة وتشريع الحكم.
والأرض هي «الحافظة» لهذه الروح القديمة، خصوصاً أنها هي التي تطبع البشر بطباعها، من دون اهتمام يذكر بالأقوام والأعراق التي استعمرت أو استوطنت أو احتلت أو تخالطت مع «الأرومة الأصلية» الحاملة طباع الأرض. والأرض هذه، على ما نتبين في هذه الأدبيات، هي «الجبل» و«البحر»: بين «جبل» أسطورة الصمود الماروني ضد الغزاة والفاتحين، لا سيما العرب منهم، و«بحر» السيادة الفينيقية وانتشارها ونبوغها بالتالي. يقول لبكي: «قد تعتصمون في الجبال وتنفخون الحياة في الصخور ولكنكم تتطلعون إليه (للبحر) وتنزلونه وترفعون فوقه الأشرعة وتباركونه فكأنكم منه، من قطراته، وكأن نفوسكم مكونة من زرقته. إن بينكم وبينه لنسبا» (في «ملكرت»).
لسنا في هذه العجالة في مجال تأريخ بعض هذه الأفكار، التي تبلورت في أوروبا في مدى القرن التاسع عشر، والقائمة على تدبير نسق «طبيعي» لتفسير الظواهر والأعراض، ومنها الإنسان، في ما يصيبه من تحولات وتغيرات: الإنسان صورة ونسخة بالأحرى عن محددات البيئة، وأدت إلى تبين سنة الارتقاء والتطور في نوع الزهرة كما في نوع الإنسان. ذلك أن تتبع هذا المسار سيقودنا إلى أبعد من السنوات هذه (أي مطالع القرن العشرين)، إلى سنوات «عصر النهضة» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما عرفته من أفكار طلبت للتاريخ البشري تفسيراً غير الحكمة الإلهية وأسرارها، أي تفسيراً لا يقوم على رصف فقرات التاريخ في صورة متتابعة، بل على جعلها في نسق تطوري، يبتعد عن «البدائي» و«المتخلف» متجهاً شطر «التقدم»، وقبلته المعرفة الأوروبية طبعاً.
ما يعنينا من هذه الملاحظات السريعة هو التوقف حول حقيقة هذا «النفض» الذي أزاح الغبار المتراكم عن التواريخ الماضية للمجتمعات العربية والإسلامية: نفضُ الغبار عن الآثار المطمورة، سواء المادية أو الكتابية، و«تلميعُها» من جديد، وهو ما نعرفه عن عمل البعثات الآثارية، إثر الحملة الفرنسية خصوصاً، لنفض الآثار القديمة لمصر وبلاد الشام وبلاد ما بين الرافدين والجزيرة العربية وغيرها. وقد يتسرع البعض في تدبير تفسيرات «مؤامراتية» لنفض الغبار هذا، كالقول بأن الحملات هذه كانت «تعد العدة» لنسف أسس الاجتماع الإسلامي، وزرع شكوك حول الهوية، ونفخ الدعوات «الأقلوية»، وغيرها من التفسيرات التي تبدو - حتى لو صحت جزئيا، وفي ممارسات السياسة الاستعمارية - قاصرة عن فهم هذه الحملات التصنيفية (ومنها الكشف عن اللغات السامية وغيرها القديمة وفك رموزها)، التي كانت تندرج في مساع معرفية أوروبية لتدبير «تاريخ طبيعي جامع» للبشرية، تاريخ الإنسان، كل إنسان، لا الأوروبي وحده - ولو أن تاريخ غيره يبقى منظوراً إليه في صورة دونية وغير كافية وغير دقيقة - على أنه تاريخ «واحد»، و«متصل» أيضاً. وتاريخ مثل هذا هو الذي يُخرجنا - على هِناته، واستعمالاته في السيطرة والغلبة أحياناً - من التواريخ الأسطورية والخصوصية التي تحجرنا، طالما أنها لا تجعل التاريخ موضوعاً «عاقلاً»، أي قابلاً للتفكر والمعاينة.
إن فتح هذا الملف المطمور، أو المدعوك على عجل، لازمٌ ومفيد، خصوصاً أن البعض يرى إلى «الدعوة الفينيقية» وغيرها على أنها من «الترهات»، أو من «الأوابد» الخاصة بعلم الآثار، لا بعلم الشعوب: وهي كذلك من دون شك. تقع هذه الدعوة في ماضي هذه الأرض وبعض ناسها من دون شك، من دون أن تكون الأصل الوحيد، ولا المستمر. وإذا كان غيرها من «أصول» الهوية لا يتسم بالعمق المتحفي هذا، فإنه مصاب، هو الآخر، بأعراض «خرافة الأصل»، التي تأسرنا في تواريخ خصوصية، فلا نحسن اتصالاً (أو استمداداً) بها على ما كانت عليه في الماضي، ولا نقوى على التحاور مع غيرها، بالمقابل.
ألم يعد القرم راهناً، والحالة هذه؟ لا من دون شك، إذ يبدو شعره ترتيباً واصطفافاً، يفتقران إلى الموهبة الكبيرة، مثلما تتجلى عند سعيد عقل، على سبيل المثال، الصاهرة لموادها كلها، والصائغة منها أحجاراً لها ألق البلور في كثافته وشفافيته في آن. نفتقد القرم شاعراً، إلا أننا نرى مواده، وحبكاته الأسطورية والتخييلية، في الكتب اللبنانية، وربما في وجدان بعضهم من دون البعض الآخر. ما نحتفظ منه، بعيداً عن نجاحاته وإخفاقاته، هو هذا الولع في التدبير، في الحبك، بين السياسة وغيرها من المواد «الجليلة» في تراثنا: ففي حركة يديه الجابلتين، ولو على عجل وتسرع وخفة، شيء من قدرتنا «الحديثة» و«اللبنانية»، اليوم، على مباشرة النظر إلى التاريخ من دون تهيب أو حرم، وعلى الإقبال على السياسة من دون أحكامها الغيبية، على أنها شأن البشر في تداولهم وجتماعهم.
(جريدة "الحياة"، لندن، 29 أيار-مايو، 5 حزيران-يونيو و12 حزيران-يونيو 1995)