وجدان بن علي : منابع الجمالية العربية
كان الجَمَال المحور الذي يتوسط حياة الناس في الحضارة العربية الإسلامية. والدليل على ذلك أنه لم تكن هناك حدود فاصلة ما بين الفن والحرفة والصناعة وبين الفنون التشكيلية والتطبيقية، وبالتالي كان الفنان والحِرَفي واحداً لا فرق بينهما بل أصبحت صفة الفن غالبة حتى على العلم فأُسبغت على أنواع شتى من العلوم والمهارات منها فن الجراحة مثلاً. وكون الجمال متطلباً من متطلبات العبادة والحياة فقد فرض على الذين يعيشون ضمن الحضارة الإسلامية، أن يحيطوا أنفسهم بكل ما هو متقن الصنع ومتوازن الشكل واللون وكامل الهيئة بقدر المستطاع، والشواهد على ذلك كثيرة بما فيها تجويد القرآن والحدائق الأندلسية والأطباق الخزفية الفاطمية ومصابيح الجوامع المملوكية وأواني الزنك العثمانية. ومع الوقت وبسبب انحسار أساليب الحياة التقليدية في المجتمع الإسلامي واستبدالها بأنماط المعيشة في المجتمعات الغربية، تقلّص تصوّر الجمال Concept of Beauty عند الفرد والجماعة المعاصرة فجاءت دراسات الفنون الإسلامية والتي بدأت على يد العلماء والمستشرقين الغربيين صورة سردية دون تحليل للجمالية الإسلامية وفلسفة الفن الإسلامي اللتين كانتا وراء تطوّر وازدهار هذه الفنون حسب متطلبات الحضارة وضوابطها الروحية.
ومن هنا جاء كتاب «مذاهب الحسن، قراءة معجمية ـ تاريخية للفنون في العربية» للدكتور شربل داغر ليسد ثغرة مهمة في دراسات الحضارة الإسلامية ويعرّف العرب على منابع الجمالية في تراثهم من خلال موروثهم الفلسفي والأدبي والفني معتمداً على «كتاب العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي (القرن الثاني الهجري/التاسع الميلادي)، ويقسم الدكتور داغر الفنون الإسلامية حسب منهج جديد/قديم يتكون من ستة مجاميع دلالية هي: الدار، الشارة، الغناء، الشعر، الدمية والكتابة عوضاً عن التقسيمات المتعارف عليها الآن والتي اعتمدت على تعريف وتقسيم المستشرقين لفنوننا. وهذا التقسيم بالذات أجده في غاية الأهمية لعلماء الفن الإسلامي لأنه يضعهم في إطار أصيل لموروثهم الحضاري ويعرِّفهم على هذا الموروث بأقصر الطرق ودون واسطة غريبة أو دخيلة.
أما الفصل السابع بعنوان «نعوت الصناعات» فهو أهم ما كتب حديثاً في التعريف بالفن الإسلامي إذا أنه يؤصّل الألفاظ والدلالات والنعوت لمصطلحات محورية من خلال إرجاعها إلى مصادرها الدينية واللغوية والاجتماعية والتاريخية كما يفسرها من وجهة نظر معاصرة وكيف تم التحول عنها إلى ما هي عليه حديثاً.
يدخل الكاتب في الفصل الثامن والأخير إلى النطاق الفلسفي في تبيان الصلة بين اللغة والفكر ونقد الجمالية كما يُجري مقارنة بين فلسفة الجمال قبل الإسلام وعند المسلمين وفي الديانات والمعتقدات الأخرى. وللكتاب فائدة كبيرة في المصادر والمراجع وفهارس الأعلام والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بالجمالية أو «الحسن» والفن. إن زخم المراجع وحدها يمكن للباحث الإستنارة بضوء معارفها في أي بحث مستقبلي حول مواضيع متنوّعة تخص حضارتنا.
لقد خدم الدكتور شربل داغر الفن الإسلامي المعاصر والفلسفة الإسلامية الحديثة والدارس والباحث في الحضارة الإسلامية وفتح لهم جميعاً أبواباً آمل أن تؤدي في المستقبل إلى المزيد من الدراسات في تأصيل حاضرنا دون شدّه إلى الماضي وعرقلة تقدمه.
(مقدمة كتاب: "مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية"، 1998).