تكلّمك كلماته بحديثٍ لا تلتقطه إلا إذا ضبطّ إبرة وعيك على موجة "الأنا أفكر".
صدى كلماته لا يستكين، يظل ينخرُ في وعيك حتى تكبر فيه فجوةُ الوجود وقلق السؤال.
يهددك في عقر دارك، يبلبل سكوناً تنشده في وحدتك ما أن يتسلل نظرك إلى إحدى الصفحات الممهورة بختمه.
يضع في وجهك صوراً ومشاهد تستفز قدرتك على الفهم والتفكر.
يناديك إلى حيث هو.
يجبرك على المغامرة. يرمي بك في رحلة البحث عن المعنى.
لا يكشف عن مكنوناته بسرعة الهادف إلى الإغراء، بل يظل يستميلك إليه، إلى أعماق تجربته الوجودية، إلى إشكالياته العالقة في دهاليز قلقه. رويداً رويداً، ومن دون أن تدري تجدُ نفسك متورطاً في نص شربل داغر الشعري كما المنثور.
تحتار في أمرك. هل أنت تقرأ نصاً فلسفياً مخضباً بالميتافيزيقا، ممتطياً الشعر غواية؟ أم أنك أمام مجموعة من اللوحات المجردة المعلقة على حبال الهوى، ما أن تظن أنك اقتربت منها وسبرت أغوارها حتى ترى نفسك بعيداً، لا تزال مسافة التأويل تفصل بينك وبينها؟
متمرسٌ بعشق العربية، فنانٌ في نحت عباراته وإبداع مصطلحاته. أدواته: منهجٌ ووعيٌ وسعةُ اطلاع.
لا يساير.لا يتنازل عن جديته ولا يرحم جهلك البتة.
أنت مجبرٌ على مواكبته لأن جمالية نصه تنصُب لك كميناً تعلقُ في داخله ممتناً لأنك تجد فيه كنزاً وفيراً.
أنت لا تقرأ نص شربل داغر بل تعاشره، تحاوره، تجادله بالتي هي أحسن، فتخرج بعد ذاك مزوداً بشحنةٍ من المعاني والأسئلة الممتدة إلى أفق الماوراء.
يخبرك عن ماضيه وحاضره مع انسياب المشهدية النصية. يفضح لك أسراره حين يعالج موضوعاً معرفياً أو تقنياً بحتاً كانبناء القصيدة مثلاً، أو كيفية انبثاق المعنى. إنه مندمج في كتاباته "اندماجاً بات يستحيل الفَكاك منه، أو التراجع عنه".
بارعٌ في فن المباغتة.
تبدأ بقراءة قصيدته وأنت لا تعلم ما الذي ينتظرك في آخرها. إنه التشويق الممهور بختم الإبداع. إنه الخروج على المألوف واجترار نموذج سبق. لذلك يمكن القول إنك عندما ترغب في أن تقرأ أي مجموعةٍ شعريةٍ له، ستجد نفسك تلميذاً جالساً على مقاعد القصيدة، تتركها تتكلم لتخبرك عن مكنوناتها، وتدرّبك على استخدام مفاتيحها، وتحدد لك رمزية مصطلحاتها.
يسمح شربل داغر لقصيدته أن تلاعب قارءها.
ألفاظها مشرعةٌ على أكثر من احتمال.
نادراً ما تجده يحّرك لفظاً مشكلاً، أو يشدّ حرفاً معيناً فيه. يريد أن يترك لك خيار القراءة واستنطاقِ المعنى الساكن في كلماته.
شربل داغر يحترم قارءه. يراه ذكياً، مثقفاً، مستهلكاً محترفاً لإنتاجات الحداثة ولإبداعات التراث.
يسمح لك، حين يتوجه إليك، أن تتبناه، مستعدٌ لأن يمحي اسمَه ويقدّم لك أشهى ثماره. هو الذي "أقبلَ على مهمة لم يكلفه بها أحد، ولم يتعهد له أحد بأنه سيكون في عداد مستقبليها".
مخاتلٌ أكثر مما هو مصمم، ومراهنٌ أكثر مما هو صادحٌ بالأقوال الأكيدة. "هذه المخاتلة يوفرها الشعر وحده، فيبدو في خفّته شديدَ الجدية، وفي لعبه جسيماً، وفي سفره أكثر إقامة في جسد الكائن، في جسد الكون، بوصفه بيت الرغبة" ("إعراباً لشكل"، ص 14).
ينهمّ شربل داغر بالعُلاقة التي تربطه "بالموقع، بالإنسان، لا بمكانتهما"، فهذه العلاقة "هي التي تُملي المعنى وتنتجه في القصيدة". لا يأبه بالتعيينات السابقة ولا بأشكال الموروثات المتعددة. حتى أنك تجده، حين يُقبل على قراءة ما كتبه، يتصرف وكأنه لا يعرف نصه من قبل. يقول في مقدمة مجموعته "حاطب ليل": "يبدو النص غريباً في ناظري، مكتوباً من غيري، وموجَّها لي ولغيري في آن".
هذا الأمر قد جعله أكثر قساوةً بحق نصه، يمارس النقد باحتراف الممعن بالتجريد والموضوعية والنظر الثاقب. بإمكانه أن يفتعل المسافة بينه وبين نفسه. هو المقيم دائماً في الإمكان، في الاحتمال، في الذي لم يتحقق بعد. ساكنٌ في العبور، مُتَمترسٌ خلف حقيبةِ سفره، جالسٌ بلا تردّد في مقعد "ترانزيت".
لا يترك لك مجالاً لتسأله من أنت، فهو يبادر بالطرح والإجابة: إنه "جوقةٌ"، أو مجموعة من شرابل قيد التحقق. "هو ليس واحداً لكي أعرفه، وأتيقن منه. هو نفسه وغيره، بعد أن دبّرتْ له الحياة مسارات، حادَ عنها أو سلكَها (...) فشربل الآن هو مجموع الإنجازات الحاصلة وغير الحاصلة كذلك. وهو حصيلة ما عملَه وحلمَ به من دون رسم واضح بالضرورة، بل بالتوافق مع ممكنات أُتيحت له، فأحتفظَ ببعضها وأسقط بعضها الآخر (...) ما يمكنني قوله عن شربل هذا هو أنني تعلمتُ العيش معه بعد مجاهدات ومكابدات، والتحاور المديد معه (...) أعايشه، ولكن من دون أن أعرفه بالضرورة، لأنه قيد الإتيان، والصداقة مثل الحب تحتمل بين طرفيها مقادير كبيرة من الجهل والغش والوهم" (مصطفى الكيلاني:
"شربل داغر: الرغبة في القصيدة"، أنظر: حوار داغر والشاعر عمر شبانة ص 196-198).
هذا الوضوح في الرؤية، الممزوج بالغموض المشوق، لا ينفك يعتريك كلما اقتربت من تحديد هويتك، والتعّرف إلى مسارك، علّك تكشف عن أناك من تكون. أحسنَ شربل داغر في التعبير عن هذا الكائن المسافر دوماً في رحلة البحث عن معنى الوجود، متخذاً القصيدة وسيلةً وموضوعاً في آن. كيف يمكننا بالتالي أن نحدّد ماهية القصيدة وأهمية دورها في كتابات شاعرنا؟
"لا يمكننا تعريف القصيدة، لكننا نتعرف عليها: في صعوبتها العصية على التعريف، في زوغانها عن أي تحديد". إعلان يبثّه لنا في مقدمة مجموعته "تخت شرقي"، ويضيف موضحاً: "يحلو لي تسمية القصيدة بالبلورة، أي التي لا نقوى على الإمساك بها، بل على النظر إليها من زوايا عديدة، ومنها النظر السابر لها من ناحيةٍ إلى أخرى". ثم يضيف في النص عينه: القصيدة "تُخبر"، و"لكن على طريقتها"، التي تستجمع في كثافةٍ جمعاً متعدداً من الخبرة والثقافة والتجربة، ومن"إلحاحات" الشاعر نفسها، في مبنىً كتابيٍ "يشع" في إخباره وتعيينه، ويرسم جواً ومناخاً، ينفُذ إلى عميقنا، إلى "ما يجعلنا ننفعل، ونبتهج وإن في الحديث عن الحزن". القصيدة - إذا أردنا الإيجاز - هي "وقوع مفاجئ"، لا ترصدها الخرائط، ولا تدلّ عليها الإشارات، فهي خارج كل موعد مضروب.إنها "خفيفة وعصية، أبدو أمام بوابتها مستعطياً ذليلاً، وعند الخروج منها محارباً مستنفَداً، على أنني لا أقوى، بعد ذلك، على هزّ أي حرف، على التشكيك بأي مبنى. فهي أقوى من أن أمسك بها، أو أن أدل غيري عليها" (شربل داغر، مقدمة "حاطب ليل").
استوقفتني في مجموعته الأخيرة، صاحبة العنوان المميز، "القصيدة لمن يشتهيها"، قصيدةُ "اسمي عنوانها"، حيث يرسم مَلمحاً من علاقته بها، أي القصيدة، معلناً:
"اسمي لم يعد اسمي،
بل العنوان الذي يدلّ عليها،
من دون اسمي:
الكتاب حفلٌ من دوني."
واضحٌ هنا التماهي ووحدة الوجود، هذا الانمحاء الذي تتجلّى فيه الهوية في صيغة متجدّدة. يشطب اسمه لتدونه القصيدة على هواها، مع القارئ. هذه العلاقة التي فيها الكثير من فعل الامومة والحمل وضمور الواحد في الآخر. هو الذي سأل في نصه "حاسوبي مجازي المحمول" سؤالاً ملفتاً: "مَن يكتب مَن؟"
كلما غامرتُ في خوض غمار نص شربل داغر الشعري كنتُ أحار من أمره ومن منزلة القصيدة عنده. أهي المرأة التي تغويه ويواعدها في غفلة منه؟ أهي الحياة برمّتها؟ هل يعيش من أجلها؟ أهي الكلمة المفتاح التي تختصر كل الموضوعات المحتملة؟ أيعقل أن تختصر القصيدة همّ الوجود وثقله ومجمل أبعاده؟
وهذا الذي "يرتكب القصيدة"، كيف يوصّفه شاعرنا؟
تتدرج الصور التي يستخدمها في هذا المجال. هناك أولاً صورة الشاعر "المُروبِص"، ومن ثم "الحالم"، لنصل في ما بعد إلى الصورة "الأنسب" التي تُظهر الشاعر مثل "أعمى-مشّاء"، إلى أن ينتهي بصورة "فاقد الذاكرة".
الشاعر في نظره مثل الأعمى: "يتحسّس الشيء من دون أن يراه، يهجسُ به من دون أن يتبيّنه، يتلمّسه من دون أن يعرفه بالضرورة؛ يكتشف الشاعر طريقه بعد أن يبلغ نهايتها... ثم يطمئنك عن نفسه قائلاً: "ما همني! يقودني الأعمى إلى بيتي!"
وهو كفاقد الذاكرة "في إقباله على القصيدة" يحتفظ بملكاته كلها في العمل، ولكن من دون أن يتعرّف سلفاً على قابليته، أو مهاراته، أو إلحاحاته على المعاني والصور والرموز." (شربل داغر، مقدمة مجموعة "تخت شرقي").
فلسفةُ القصيدة، التفكير فيها، مهمةٌ أتقنَ القيام بها مفكرنا، وهو يؤسّس في ذلك نهجاً جديداً في الكتابة عن الشعر، والإحاطةِ بشروطِ إنتاجِ القصيدة وكيفية انبثاقها إن على الورق أو على الشاشة الإلكترونية مباشرة.
لن أتمكن بالطبع من التعريف بهذا الشاعر المجبول بتراب تنورين وسحرِ طبيعتها، المتّشح بخضرة خصبِها، والمنغمسِ في آن بصخب المدينة وفوران الحياة فيها. كم أرجو ان أسهم في فتح بعض الثقوب ليتسرّب منها أريجُ فكرِه، وتتسلّل إلى نفوسنا أمواج الرغبة الكامنة في داخله، رغبةُ الإفصاح واللقاء بالآخر، الرغبةُ في القصيدة، الرغبةُ في الحياة.
نادرةٌ جداً هي المناسبات التي يُلقي فيها شربل داغر شعرَه، فهو لا يرى له مكاناً على المنابر. إنه يقيم "في الحوار، في التفاعل"، في العلاقة اللازمة مع الآخر، بفكره وكيانه. فالليلةُ استثناء، وخروجٌ على المألوف، سيصدَح الشعر من همسةِ صوتٍ، تائقون إلى سماعه يبثّ فينا نبضَ حياةٍ لها طعمٌ آخر.
شربل داغر تقول عن الشعر والشاعر: "لسانُ الشعرِ أذوقُ به ويتكلّمني"، فأطلقْ العنان لشعرك. الكل هنا يشاركونك وليمةَ التذوّق والاحتفال بك وبالقصيدة ثنائياً جمعتكما الحياة ولن يفرّق بينكما قدر.
(تقديم أمسية، مساء 22 من آذار 2010، التي شارك فيها، مع شربل داغر، عازف العود أسامة عبد الفتاح، بدعوة من "جمعية السبيل"، في "المكتبة العامة لبلدية بيروت"، في الباشورة، بيروت).