كتبت في قصيدة: "أرمي لفظاً فوق شاشتي المشدودة
على أنني عثرت عليه فوق شاطئ".
وها أنا أفعل هذا، واقعاً لا تخييلاً، إذ رميت في أعلى الصفحة الإلكترونية عنواناً لما لم أكتبه بعد، وهو بخلاف ما اعتدنا عليه، إذ أن العنوان بأتي في ختام ما نكتب وإن كان مثل العتبة له.
وما لم أشرحه في القصيدة أكتبه هنا، وهو أنني تعلمت من مصورين عديدين، ولا سيما من المصور اللبناني الراحل شفيق عبود في محترفه الباريسي، كيف أنه يقدم، عند مباشرة لوحة جديدة، برمي لون أو أكثر على الحامل التصويري، ثم لا يلبث أن يتدبر معه ما يجعل الأبيض "عامراً"، عملاً بصورة الصفحة البيضاء للكاتب التي لا يلبث أن يسودها. وهو ما كنت قد قرأت عنه عن النحات رودان، إذ كان يعمل على الكتلة الصخرية بطريقة تجعل الشكل النحتي ينبثق في الجماد، من داخل جهامته؛ فلا ينحته "من خارج"، إذا جاز القول، بل يعمل بكيفية تظهر الشكل من غيابه.
هذا ما أفعله، اليوم، إذ أتقيد بهذا التمرين الذي لم أقم به سابقاً، وهو أن أجرب الحديث عن نفسي بمجرد رميي للفظ فوق شاشة مشدودة، مثل لوحة قماشية.
وأنا في ذلك أتجنب – وقد تجنبت ذلك مراراً، وإن بعد دعوة وتقيداً بها – الحديث صراحة، أو مباشرة عن نفسي، لا للتهرب من الإفصاح الذي لا يمكن أن يكون سوى اعتراف في حالتي، ولا تعففاً من عواقب فعل "إشهاري" لازم (كما يقولون في تونس)، - وهو ما لا يفيد كتابتي على ما أقول دائماً -، وإنما لأنني أعتقد بأن الحديث وإن مع مجهول في شارع يخبر عني ويعرضني فوق شاشة مرئية أكثر من أي إعلان أو دعاية ضاجة. فلما لا أقول ابتداء بأن "الكتابة مناورة حية"؟
أقولها بنوع من القبول الضمني الذي بنبئ عن الكتابة، عن صلتي بها؛ وبنوع من التحدي، من الإلزام المسلح بأننا نقول أنفسنا بمجرد أن نمسك بالكلام، وإن تحدثنا فيه عن غائب. ذلك أن الكتابة هي توزيع واصطفاف واستثمار لمجموعة "الضمائر" (كما تسميها العربية)، لا يمكن أن تتعداها ولا أن تنقص عنها. وهو توزيع واصطفاف، كما كتبت للتو، كما في انتظام الجنود قبل مباشرة المعركة، أو المناورات الحية نفسها. وهو توزيع قد يؤدي بالكاتب إلى أن يتكفل بالضمائر كلها، في نوع من الاستثمار، الواعي أو التلقائي، لممكنات الكتابة ومؤدياتها. فبمجرد ما أن أمسك لفظاً، أو أن أرميه فوق شاشة، أرميه مثل فعل، مثل حركة، لها أن تحمل معها مقاصدها، ولها أن تنزل في سياقات، فيكون لها مفاعيل من حيث لا تقصد ربما.
ذلك أنني لو طلبت من الكتابة شيئاً غير التخييل، غير الاستيهام (أي التشهي عبر الكتابة)، لما كنت أقدمت عليها ربما. ولو كان لي أن أقف في جمهور ممسكاً بقصيدتي، مثل محمد مهدي الجواهري، أو أن أتوجه إليهم مثل خطيب، لما كنت انسقت إلى الكتابة بمثل هذه الرغبة التي تتجدد بفعل تبديدها أو إنفاقها.
ولو كان لي أن أُقبل على الكتابة بالجدية الواهمة التي ينظر به بعض الكتاب إلى فعلتهم، لكنت اخترت مهنة أخرى، مثل السياسي أو الرجل-الداعية أو مقاول البناء أو قارئ الغيب والنجوم... لكنتُ أحجمت عن صرف العنايات المتأنية التي أخص الكتابة بها – وهو ما لا أخص غيرها به، إلى هذه الدرجة العالية من التفقد والاستقصاء والمراهنة.
هكذا تحفظ لي الكتابة شيئاً من لهوي الطفولي القديم، شيئاً من اجتراحي للجدية، من تمثيلي لها، كما حين كنا نمثل ما يمكن أن نكون عليه كباراً.
هي المناورة التي للجندي، من دون أن يسقط بعد أول رصاصة؛ وهي التي للممثل إذ يتنقل من دور الجندي إلى دور القائد أو الشحاذ. هي تكثير الحياة بمعنى ما، وتجنيد جنود مزيدين لا ينفكون عن الوصول والاصطفاف ببزاتهم الورقية الأنيقة.
هي شهوة الحياة التي لي، في ما يتعدى الحياة نفسها، على أنني مثل عوليس، البطل الإغريقي، أعود مختلفاً وإن لم أنقل سوى أصابعي فوق بياض الورق.
***


طمعت دوماً بأن أكون في أكثر من مكان، وفي الوقت عينه. هذه رغبتي التي نقلتني إلى هنا وهناك، أنا الذي قلت في قصيدة:
"لا يزال الصحن القديم أمامي
أوسع من فمي".
بهذا الجوع القديم أقبلت على أبعد من حاضري بكثير، أبعد بمئات السنوات واللغات والثقافات. هكذا تحكم بي هوس العودة إلى "الأصول"، إلى المصادر، على أن في نظرتي اللذة عينها، والارتجافة عينها، التي كانت لي إذ دخلت إلى كهوف ومغاور في قريتي، حين كنا نرود الأمكنة القصية والمعتمة بحيرة كريستوبال كولمبوس أمام عجائب الدنيا. هكذا عدت في أكثر من كتاب، في أكثر من مسعى، إلى وضعيات أولى: هكذا في "مذاهب الحسن..."، مع "كتاب العين"؛ وهكذا في التحقق من تاريخ بدايات اللوحة العربية، في كتابي الأخير: "العين واللوحة"؛ وهو ما قادني في "الفن والشرق"، الذي طلبت فيه التأكد من المباني الأولى للعلاقات بين "الشرق" و"الغرب" عبر ما اختلفنا على تسميته، وهو: "الفن".
إلا أن سؤال الأصول لم يكن سؤال الماضي في حد ذاته: لست مؤرخاً بهذا المعنى، وإنما توسلت المقاربة التاريخية (مع غيرها) سبيلاً للتأكد مما انبنت عليه حالتنا الثقافية. وهو ما جعل من "عصر النهضة" مفتتح دراساتي البحثية ومرتكزها واقعاً: هذا يصح في أكثر من سعي صريح في مباحث "النهضة" وقضاياها، وهذا يصح خصوصاً في الأسباب الكامنة وراء تعقبي وتفقدي للمصادر الأولى. ذلك أنني وجدت أننا لسنا قادرين بالمعنى المنهجي أن نفهم حاضرنا، بما هو عليه (من دون تقويمات، سلبية أو إيجابية)، من دون الدخول إليه عبر بوابتين: البوابة العثمانية والبوابة الاستعمارية. فما نسميه "عصر النهضة" لا يعدو كونه قطيعة بمعنى ما مع كان عليه العهد الإسلامي بتقلبات عهوده وأقوامه وقيمه وسلوكياته واعتقاداته؛ وهي القطيعة التي اتخذت شكلاً حداثياً في العهد العثماني المتأخر، ثم شكلاً حداثياً منسجماً ومغايراً في آن في التجربة الاستعمارية. وما أعنيه من هذا كله هو أننا لم ندرس كفاية عواقب هذا الخروج من العهد الإسلامي، ولا مؤديات الدخول في "حداثة" لها طابع تعليمي، تثاقفي، من دون أن تكون بالتالي حداثة أوجبتها موجبات التغير في البنى المحلية. يكفي للتأكد مما أقول أن نعود إلى عدد من الألفاظ الأساسية في جداول وسجلات ثقافتنا لنتحقق من حاصل التغيرات، من حقيقة الحمولات الجديدة، التي باتت تقود الواحد منا – مثلي في عدد من كتبي – للوقوف عند تاريخية الألفاظ، أشبه بعالم أثار.
ذلك أننا – على ما أعتقد – لم نحسن الخروج، لا من العهد الإسلامي، ولا من العهد العثماني، بل أكثر من ذلك: لم نحسن أن ندير بأنفسنا عمليات الخروج هذه، بحيث بدا في أحوال عديدة خروجنا أشبه بانعتاق، لا بمواكبة؛ وبدت العلاقة بين ما كنا نحسن عملانه وما نتعلمه من غيرنا قطيعة ناجزة: هكذا لم يتعلم المصور العربي الأول تقنيات اللوحة المسندية في ورش ومحلات الحرف التقليدية التي للمزوقين والخطاطين والنقاشين وغيرهم، بل تعلمها مثل الأمي الذي يتعلم أبجدية كتابية للمرة الأولى. وهو ما يمكن التأكد منه لو عدنا إلى سجلات المصورين العرب الأوائل وإلى سجلات الحرفيين المحليين، في الحقبة عينها، حيث لا توجد أي صلة بين هؤلاء وأولئك. وهذا بخلاف ما جرى وانعقد في ورش ومحلات عمل حرفيي أكثر من مدينة إيطالية، في القرن الرابع عشر والخامس عشر، حيث ولد الفنان "الحديث" في محترف الصانع الحرفي. وهذا ما يمكن معاينته في البيت العربي، في أثاثه، في زينته، إذ اختلفت مواده في مدى القرن التاسع عشر اختلافاًُ حاسماً، لا رجعة منه، ما جعل البيت مختلفاً... هذا ما جعل مئات الآلاف والآلاف – مثلما لا أتوانى عن الملاحظة والكتابة – من الصناع المحليين عاطلين عن العمل بين ليلة وضحاها.
لهذا أقول بأن عنايتي بدرس الفن، سواء القديم أو الحديث، لا تعدو كونها مراجعة لازمة – لي على الأقل – أتحقق فيها من دخولنا المتعثر في ما نتباهى بتمسيته على أنه "الحداثة".
هكذا انتهيت إلى القول: هذا بيتي، وله غرف كثيرة فعلاً. هكذا أقيم في ما أوثث له، عدا أنني أستقبل غيري فيه. هكذا وجدت في الكتابة ما يلبي نهمي وفضولي، سواء في الشعر أو في المعرفة. وأنا لا يكفيني الحديث عن غرف وإنما الحديث خصوصاً عن الممرات الواقعة بينها، وعن النوافذ التي فيها. فهذه الممرات تقيم علاقات وصل وفصل، هي التي بين صنوف الكتابة المختلفة التي أتدبرها. فترجماتي لا تعدو كونها غرفة خلفية لشعري نفسه، حيث أنني ترجمت لشعراء عرفتهم وأحببتهم، ولشعراء طلبت تملكهم عبر الترجمة. هذا ما يجعل التلصص نوعاً من السكنى الأليفة إذا جاز القول. وهذا ما يمكن أن أقوله في دراساتي الأدبية أو الفنية إذ أنني بنيت لها مقاربات منهجية وإجرائية، تلتقي في "التداول"، وتصلح لهذا الميدان كما لذاك.
ولبيتي نوافذ عديدة، تفضي إلى خارجه، كما تفضي نافذة فيه إلى غرفتين وفي آن معاً. فأنا حين أقول في قصيدة: "أكتب إذ أرى"، أتلصص كذلك إلى ما أجريه من درس في الغرفة المجاورة.
إلا أنني أستعيد الجملة عينها، وأقولها في صيغة أخرى: أعيش إذ أرى. فعيني لا تزال تسوح، وإن بنظارتين سميكتين؛ فتطارد، وتتعقب، وتتفقد بشيء من اليقظة والافتتان ملامساتي للمحسوسات والكائنات. هي عيني التائقة، المسافرة التي تعلمتْ بهجة الألوان في سيدي بوسعيد، ومهابة الصمت في القيروان، وترى إلى الجبل في قريتي مثل أفق.
هكذا استوقفتني الحدود: حدود وحدود، بين بلدان وأشكال وأنواع وهيئات، بما أثار متعة الخروج لدي، متعة "النطنطة" بين الخطوط والسطور، معولاً على ما لا أتوانى عن قوله: "حيث تُقام الحدود ليس المكان الذي يفصل بيننا، بل المكان الذي يتيح لنا أن نتلامس".
***

أحرجتني هذه الدعوة لأنها تأتي من معارف وأصدقاء استوقفوني، ذات يوم صيفي، في صفاقص للحديث عنها. أحرجتني لأنها تأتي من بلد ربطتني به، بالعديد من أدبائه وفنانيه ودارسيه، غير صلة وصلة. أحرجتني لأنني أتهرب عادة مما دعوني إليه، ومن الحديث عن نفسي، وذلك لغير سبب وسبب. وأنا أدفع دائماً أمامي ما أقوله، أدفع أمامي نصي وكتابي، لا هيئتي ولا اسمي الأدبي. وما أكتبه هو بطاقة تعريفي، وبما يتعدى حكاية الاسم نفسها.
وهناك سبب آخر في هذا كله، أكثر صعوبة في الإبلاغ، في الإيصال، وهو صعوبة الحديث عن النفس. كيف لي أن أتحدث عنها، وهي تتعين في أكثر من مجال كتابي. ألي أنا أن أجد تفسيراً لهذا التنقل الدائم؟ ألي أن أطوع نفسي بما يجعلها قابلة لتفسير "منطقي"، وعلى قدر من الانسجام؟ وماذا إن كنت متعدداً بما لا يتيح اكتمالاً ولا تماماً لصورة عني؟ ألي أن أتغاضى عن بعض ما يؤلفني كتابياً لكي أقدم صورة متآلفة عما أنا عليه؟ أعلي أن أقطع بعض يدي أو كتفي، كما في لقطة هزلية شهيرة، لكي يدخل جسمي في الزي، في بدلتي؟ وماذا عما يجمعني: أهو أكثر مما يوزعني؟ وماذا عما يفرقني: أهو أكثر مما يوحدني؟
هذه الصعوبة مزيدة، إن شئتُ الذهاب أبعد في هذا التحري، في هذا الاستقصاء في مجاهل النفس: أين أنا؟ ومن أنا؟ أأنا في ما أكتبه؟ في ما أقوله؟ في ما أفعله؟ أتساءل، ويمكنني أن أضيف إليها أسئلة أخرى تفيد عن حذري من تحديدات الهوية: أتتعين هذه في ما أقوله عنها؟ في وعيي لها؟ أم تتعين في ما أفعله، في أعمالي وحركاتي وفي ما أكتبه؟ أليست هي في الجريان، في الحصول، أي قيد الحصول؟ ألها صورة وتحديدات ثابتة؟ أهي ما أصرح به أو أكتب عنها؟ أم هي أصح في ما يقوله الغير عنها؟
هذا الحرج هو دفاعي الأخير عن ولع الطفولة؛ لعله التمسك الشديد بأهدابها وهي لا تتوانى عن الذهاب، مع حسرة أيامها هي وغيرها مما عشت من دون أن أذوقه كفاية، ومما لم أعش، مما رأيته يعبر أمامي من دون أن أقوى على اللحاق به، على مرافقته، في بلاد ووضعيات تبقى فيها الرغبة أحياناً إعلاناً مؤجلاً عن الحياة.
لهذا قد يكون كلامي الأول عن أن "الكتابة مناورة حية" تشديد مزيد على ولعي بالحياة، على مناوراتي التي لا تنتهي، على أنني أخرج منها حياً، ولكن بعد أن تركت فوق مسرح المعارك أشلاء أحلامي قبل أوهامي، طالما أن الكتابة خلاص مؤجل وورطة مستعادة.
الكتابة مناوراتي الحية، على أنني ذلك الفارس العربي القديم الذي كانت له مع حصانه "كلمة سر" يخاطبه بها، ولا يعرفها غيره؛ ذلك الفارس الذي افتقد حصانه ذات صباح، فلم يجده، فكان أن استعان بعدد من المعارف للبحث عنه، للحاق به إن أمكن؛ ذلك الفارس الذي كان في إمكانه، لما وصل هو ومعارفه على مسافة بينة من الحصان، أن يناديه بكلمة السر، لكنه لم يقلها له، بل عاد أدراجه، تاركاً حصانه يخب في خلاء المجهول والغامض.
ذلك الحصان هو أنا، على أن الفارس، في حالتي، نسي كلمة السر في قصيدة، وباتت للحصان حرية التجول الحر والحي.
(ألقيت في "المعهد العالي للفنون والحرف" في صفاقس بدعوة من "جمعية جسر الفنون" و"جمعية الدراسات الأدبية" في 23-2-2007).