قد تغدو هذه النصوص، في بعضها أو أكثرها، ضرباً محبباً على الأرجح للكيفية التي يستخدمها أحدهم لكتابة سيرة ذاتية لقصيدة النثر، باعتبارها مداهمة رؤيوية للعالم في تحولاته. ولعلّ الأمر كذلك بشكل أو بآخر. أو أنه لا يتجاوز هذا الإطار إلا بمقدار ما تنصرف فيه القصيدة إلى قراءة نفسها بالدرجة الأولى. يخيّل إلينا، والحال هذه، أن شربل داغر مولع بتتبع خطى القصيدة منذ ولادتها وصولاً الى ولادات متعاقبة، على نحو من الميل الغريزي الى وضع "خارطة طريق" لما ينبغي أن يكون عليه مزاج القصيدة، وتقلباتها، وسلوكها كذلك. والأغلب أن في هذه المحاولة شيئاً كثيراً أو قليلاً من هذه النزعة إلى الحدّ الذي يبدو فيه داغر ذا ميل تلقائي إلى جعل هذه "الخارطة" نمطاً من الاستنتاج يشبه "القانون".
المجموعة بعنوان "القصيدة لمن يشتهيها" صدرت حديثاً عن "دار النهضة العربية" في بيروت، وتشتمل على نصوص تبلغ خمسة وخمسين. يضاف إليها، في خاتمة الكتاب، مطالعة أرادها الكاتب تحليلية تتناول تجربته الذاتية في ترصد القصيدة، أو تدبّرها، أو اللعب الصعب معها. ولربما أقحم الشاعر هذه المناقشة المستفيضة على نحو من استكمال إنشائي هذه المرة للسيرة الذاتية للقصيدة. والأغلب أن ليس في هذا الإقحام المتعمّد ما يشكل منعطفاً هاماً لفضاء المجموعة. لا تحتاج القصيدة، في طبيعتها، إلى دعم معنوي من هذا النوع. تكتفي بذاتها. بغموضها، بظلالها، برموزها. ما أن يصار إلى شرح حيثياتها حتى تحتجب عن الرؤية. لا تعود أفقاً للاستشراف، بل ذاكرة خرساء. والأغلب أن داغر ينأى بنصوصه عن هذه التصورات لأن هذه المداخلة المشوّقة منقطعة الصلة بالمناخ المتحوّل للنصوص.
ومع ذلك، لا يبدو أن بمقدور داغر أن يشطب من حساباته محاورة القصيدة في ما تنطوي عليه من أجواء تبعث على التأمل في كينونتها العميقة الخاصة بها. يرقبها ملياً بنهم المقبل على الرؤية المدهشة. يصنع لها طقوساً هي من نسيجها الكامن في متاهاتها الداخلية. يستدرجها إلى النص كمن يستدرج صورته من المرآة. لا يصدق للوهلة الأولى أن المرآة تتخلى عن صورها بهذه السهولة. تارة يخيّل إليه أن القصيدة تسرق موته، أو أنها تفسد أصابعه، أو أنها تقرع بوابات الغفلة من دون استئذان، أو أن اللفظ فوق رأسها يشبه التفاحة، أو أنه ينظر إليها للمرة الأخيرة... إلخ.
يمضي الشاعر في هذه الاحتفالية الملحوظة كبينونة القصيدة على نحو لا يهدأ. يفرد لها من شعائر الإعجاب والإطراء ما يجعل منها نصاً مستقلاً عن النص. والأغلب أنه يبتغي بذلك أن يحيلها النص الأوحد في مجموعته الشعرية. القصيدة هي الحالة النرجسية الكاملة التي تفيض على نصوص الكتاب من دون استثناء يذكر. إنها الفضاء الضيّق، على الأرجح، الذي يستولد الشاعر من خلاله علاقته الذاتية المحض مع اللغة التي تصنع من العالم والأشياء قاطبة نصاً مفتوحاً على الذاكرة وعلى المجهول في آن.
القصيدة، في تحركاتها، وتقلباتها، وولادتها وموتها، وارتمائها في المتاهة، وانسلاخها نحو الظلال، هي الرؤية التي تنساب بتلقائية في ذاكرة هذه النصوص. والأغلب أن الشاعر لا يجد غضاضة في أن يحلّ القصيدة بهذا المعنى، محل الرؤية بتحولاتها المختلفة. ولربما تعذّر العثور، في هذه النصوص، على رؤية شعرية من نوع آخر. الرؤية الطاغية في الكتاب تتمثل، على الأغلب، في المنحى الذي يسلكه داغر من أجل أن يحيل السيرة الذاتية للقصيدة رؤية شعرية في حدّ ذاتها. مقاربة ليست مستغربة لنمط في استكشاف اللغة الأكثر اقتراباً من الحواس التي تشعل جغرافية الجسد.
ومع ذلك، ينبغي التساؤل، على الأغلب، عن جدوى هذا الاحتفاء المفرط، إذا جاز التعبير، بالطرائق والهيئات والمحطات، التي تعلن القصيدة من خلالها قدومها إلى النص ومن ثم افتراقها عنه، أو إقامتها فيه على نحو دائم. ثمة، في هذا الإطار، ما يوحي بأن الشاعر يحتفي بقدرته على ملاعبة القصيدة ظناً منه أنه بمقدوره أن يرسم لها خطاً بيانياً يستدل منه على رصد حركتها خارج النص التقليدي. وكأنه يتولى بنفسه مهمة الناطق الرسمي باسمها. يسقط عليها ما يعتقد أنه من سماتها وطبيعتها ونبضها وقلقها كذلك. ليس هناك ما يشير، على الأرجح، إلى أن القصيدة تحتمل هذا النوع من الإسقاط العنيف الذي لا يتآلف مع حركتها الداخلية. القصيدة، في العادة، لا تذعن لقناعات مسبقة كهذه لأنها ليست من الأمور البديهية. إنها أقرب ما تكون إلى النزوع الدائم نحو العدم. بمعنى أنها تدرك بالغريزة أن تهافتها على الحياة مرهون، بالدرجة الأولى، بتقبلها فكرة الموت. تعدم نفسها بنفسها لتحيي نفسها من العدم. لا تستطيع القصيدة أن تلتزم بأي من القوانين أو الفرضيات التي من شأنها أن تحد من قدرتها على السير عكس الجاذبية. إنها مزيج، على الأغلب، من المفاجأة الصارخة، والسقطة المدويّة، والضربة القاضية، والقيامة المدهشة من تحت جفن الموت، أو الذهاب مسرعة إلى مثوى من مثاويها المتعددة. ليس من شأن القصيدة، والحال هذه، أن تقدم فروض الطاعة لأي من الأفكار الجاهزة لأنها، وهي تعيد اختراع العالم، إنما تفعل ذلك على غير مثال. ولعلّ الشاعر، وهو يدوّن على هامش القصيدة، بعضاً من حياتها السرية وشيئاً من خصوصياتها المحظورة على غيرها، إنما يسعى بذلك إلى مرافقتها عن كثب وهي تتجرد من أقنعتها وتخفف من الحمولة الزائدة التي تثقل بها على نفسها. ولعله كذلك، بدا مأخوذاً، وهو يرقبها من خلف الذاكرة بالجرأة الباردة التي تمارس بها القصيدة أكثر عاداتها في تربة الوهم.
قد لا تبدو هذه التصورات الأولية امراً يقتطع نتفاً من الفضاء الشعري لمجموعة شربل داغر. على النقيض من ذلك، قد تنطوي على قراءة هي ممّا توحي به النصوص المشرعة، في طبيعتها التكوينية، على ما يتجاوز اللغة المباشرة الى مدلولاتها العميقة في عالم الظلال. والأرجح، في هذا السياق، أن داغر يعقد تسوية مع نصوصه، ذكية ومعتبرة، تفيد بأن لا أحق من القصيدة نفسها في أن تحتل صدارة الرؤية الشعرية. والمقصود بذلك، أن تمعن القصيدة النظر في مرآة نفسها. أن تتلبّس صورتها في كل المرايا، وصولاً إلى أن يتلبّس الشاعر نفسه صورة قصيدته التي تمتلئ بها مرآة الرؤية. اللافت أن الشاعر، وهو يفعل ذلك، إنما يستخدم السيرة الذاتية لقصيدته مرآة لنفسه، والعكس صحيح أيضاً. تبدو القصيدة، في مراحل صيرورتها المختلفة ضرباً من الرؤية منفتحاً على القصيدة عينها، وهي تعجب بنفسها، بمهاراتها المتعددة في إغواء صاحبها، وحمله على التعلق بها، والتشبث بأحوالها والإدمان على تعقّبها لحظة بلحظة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن القصيدة موضع الرؤية، هي عينها ذات الشاعر موضع الرؤية. ثمة تآلف لا يقبل الشك بين الإعجاب بحركة القصيدة وتحولاتها من جهة، والإعجاب بقدرة الشاعر الذاتية على اللحاق بهذه الحركة وجعلها من مكونات الرؤية المذكورة، من جهة ثانية. لا فرق، على الأغلب، بين تململ القصيدة في مرآة ذاتها والرؤية الشعرية المنبثقة من هذه اللحظة بالتحديد. أرادها الشاعر على هذا النحو بنزعة تلقائية إلى الاعتناء الأقصى بشكل القصيدة ومحتواها وفضائها وتداعياتها أيضاً. كل من هذه العناصر يشكل كشفاً جديداً للسيرة الذاتية للقصيدة وهي تروي قصتها اليومية للشاعر في مقهى الحياة وشوارع المدينة وجغرافيا الذاكرة. يتحدث داغر، في هذا اللقاء المطوّل مع قصيدته، عن شؤونها وشجونها وملامحها ومواعيدها وفرحها وحزنها وحياتها وموتها. وكأنه يتحدث عن سيرته الذاتية من دون زيادة أو نقصان. طريف أن ينحو هذا المنحى ولو كان أحياناً على حساب المدى الذي قد تبلغه القصيدة التي خرجت من مرآتها الى غير رجعة.
(جريدة "المستقبل"، بيروت، 15-5-2010).