أمجد ريان : شعريّة المجاز المشهدي
ها نحن نشهد التغيرات المعرفية الكبرى والتأثير المطرد على الحياة والثقافة، والزمن هو الفيصل، وعمليات الفرز دوّارة حيث تخلق باستمرار متوال حساسيات يتم استيلادها تلقائياً بإيقاع النبض، ولم يعد من السهل الآن أن نغفل هذا التجدد الذى تسعى كافة القوى السياسية والفكرية أن تدمجه فى أطرها الجاهزة التى بدأت تعانى من حالة الاهتراء والتعفن الذى لا يمكن إيقاف رائحته، التجديد يتسلل بكل تنوعاته إلى الحويصلات الهوائية فى أعماق الرئة، ويتسرب إلى الفِراش الليلى، وباكو الشيكولاتة، والنشرة الجوية، وأسلوب التحية الصباحية العابرة ، أو أسلوب تقديم البرنامج التلفزيونى اليومى ، تجدد يغزو مواقعنا المهنية، وكيفية تقديرنا لسلوكيات بعضنا العابرة، الدنيا تتحرك، والإنسان ممتلئ تماماً بالقناعة، بأن شيئاً كبيراً قد اهتز فى الوجود، ومثلما يقول ارنست بلوخ فى كتابه: "مبدأ الأمل" (The principle of hope ) فإن الإنسان يمتلك الوعى الذى يمكنه من أن يستبق الحوادث، وأن يضع يده على مراحل قادمة، هو التنبؤ بعينه، وهو هنا خصيصة غير ميتافيزيقية، ومن هنا بالضبط تمكن باختين من أن يتنبأ بمرحلة يتجاوز فيها الإنسان الحداثة بكل ما طرحته من استشراف هائل لإمكانيات وكنوز بشرية.
عندما نطالع "تخت شرقي"، وهو الديوان الأخير للشاعر اللبنانى شربل داغر، سنكتشف كم يسعى هذا الشاعر لمعرفة أسرار الكون الغريب الذى نعيش فيه، ونستخلص هذا من الشريط الحوارى الخلفى خافت الصوت الذى نظل نستمع إليه على الرغم من خفوته، إنه الحوار الأعمق، على الرغم من أنه لا يتصدر المشهد الأمامى، وبالإضافة لهذا الصوت الخلفى سينصب لنا الشاعر عشرات من الفخاخ الصغيرة التى سنبدأ نحن فى توقعها بعد تقليب صفحات قليلة، إنها فخاخ اللحظات البسيطة اليسيرة العادية المعيشة، ولكنها تخفى من ورائها أهوالاً ومشكلات فلسفية عويصة ستتحرك داخل أدمغتنا بقوة ثاقبة ترجرج أفكارنا وتأكل عقولنا أكلاً.
كم يسعى هذا الشاعر لاصطياد الحياة فى شباكه الناعمة، واصطياد تلك اللحظات الخاصة الغنية بالدلالات وبالمعنى سواء أكان هذا المعنى حسيا أو روحانيا أومازجاً بين المستويين لأن هذه اللحظات الخاصة هى الحياة الحقيقية بالنسبة للشاعر، وما دونها سراب.
الأنا فى فلسفة الحداثة تمثل بنية مصطنعة وزائفة، ننجذب إلى تشييدها على شاكلة أقدم تجاربنا فى فترة الطفولة، وهى التجارب التى رأينا فيها أنفسنا، وقد انعكست صورنا فى المرآه، مما يجعلنا نفترض أننا نملك نواة دائمة ثابتة من الهوية الذاتية.
كان هدف حملة جاك دريدا المعقدة المتأنية هو تحطيم المكانة الزائفة لـ "أنـا" مصطنعة، وهى فى الوقت نفسه حملة لتحطيم اللغة المحكيّة فى مقابل تأكيد اللغة المكتوبة.
لقد صنع دريدا "تفكيكات" للكتابات الفلسفية ولمفهوم الأنا ولكل مفهوم مغلق صلب عندما تناولها كلها بالتحليل وبيّن فيها التناقضات الداخلية، على الرغم مما تبدو عليه كما لو كانت تخضع لنظم فكرية كاملة الاتساق، وهذه التفكيكات التى أجراها دريدا تشكل هجوماً شديداً على الأفكار العادية، وخصوصاً الأفكار التى تتعلق بمفاهيم "الذات" و"الهوية" و"البنية" وغيرها، وقد أثبت دريدا أن للغة قوى لا نستطيع السيطرة عليها حتى عندما نستخدمها استخداماً شديد الوعى، لهذا فالمعانى التى سترد فى النص ليس لها بالضرورة أن تتطابق مع المعانى التى يعتقد الكاتب أنه وضعها فى النص، بل ستكون متطابقة أكثر مع متطلبات القارئ ومع ظروف القراءة، وقد أستغل دريدا الانتاجية الهائلة للغة ليعمل على زعزعة الأفكار الفلسفية السائدة، وسوف تتماس التجربة الشعرية لشربل داغر بقوة مع هذا الاتجاه الفلسفى عندما تعلن بوضوح مخاصمتها لحالة الحداثة النقية، وبداية تنقيبها فى مناطق جديدة ذات طابع حسى مختلف، وإيمان بأنه لاتوجد أحاسيس وأفكار تسبح فى الفضاء، ولكن البشر هم الموجودون الخالقون لدنياهم، تمتلك القصيدة القدرة على طرح كبرياء الشاعر، وأسراره الشخصية، والتأكيد على معنى التروّى، والتأمل، ويعطينا مجالاً كبيراً للتحاور السرىّ مع النص، وقد كنت أقرأ بعض النصوص، فأجدنى كما لوكنت أسأل نفسى عن بعض التفاصيل، وأجيبُنى، وكذلك كأننى أسأل الشاعر فيومئ لى!
لم يعد الشاعر مجرد تابع للنص ولقوانين الكتابة، بل صار هو الذى يكتب النص ويحرّكه ويحرّك قواه الكاشفة:
"ذلك أننى
- إذ أستفيق -
أهزجُ بنومى المنقضى،
مخموراً من دون كأس،
ناشبٌ فى ما يعرض لى
أظافرَ شغفى،
فلا الزهرةُ لاهيةٌ عما يوقد أناملى،
ولا الشمسُ ترسلُ أشعَّتها لهذا وذاك،
معى،
بل تبادلُنى هذه وتلك
تحية التواطؤِ اللطيف:
أن تتظاهرَ بشراكةِ الغير لما هو لنا
مثل غيمةِ النعمةِ فوقنا.
وفى تجربة شربل داغر سنرى إلى نزوعات لم يعرفها الشعراء الحداثيين السابقين على مدى ثلاثة عقود على الأقل، وسنتعرف على الأنا بمعناها الجديد، وسنتعرف على هذا البحث الدؤوب عن شهادة جديدة من داخل الجزئي والعابر والمعيش وثورة الذات بالمعنى الشخصانى، فلم تعد هناك لحظات شعرية، ولحظات محرمة على الشعر، كل لحظة يحق للشاعر أن ينقلها لقارئه، حتى لو كانت لحظة وقوفه أمام المرآة لعقد ربطة العنق، كل لحظة لها ما يبرر علاقتها بأعمق التأملات، عندما تنداح الذات بداية من الذرة والجسيمات الدقيقة الصغرى وأنويتها الصغرى المتقدة بالحركة حتى تنتهى فى المجرات والكونيات الكبرى، فالذات تقطع هذه المسافة بقوة لكى تعبر عن الكشف الخاص، وعن المواجهة البريئة، وتعبرعن إن انتصار كبرياء الشاعر على الرؤى الشعرية الجاهزة التى يعتبر الارتكان إليها امتهان للشاعر ولآدميته وقدراته الإبداعية، والخلوص للحظات الحقيقية الخاصة تعزيز للنص، والشاعر يجعلنا نتفرج على هذا العرض المثير فى نصه، ويرينا كيف ستتعدد الأفكار وتتجاور، وتنسلخ عن التكوينات الكلية المغلقة ، والأفكار التقليدية المطلقة بعد أن تفككت هذه التكوينات، إلى معطيات صغيرة غزيرة ومتجاورة داخل منطق فلسفى شديد الاختلاف عن السابق، منطق قادر على طرح أسرار الذات، واكتشافاتها شديدة الخصوصية:
"هكذا أستبقى حالى فى
ما كانت عليه، عامرة
بدفء زادِها، أو أتنعم
كلياً بحلاوتها المديدةِ والباقية.
حتى أننى أتسائلُ أحياناً :
ألا نكون نعيش في
هذه الجلسات ما لا يعيشه غيرنا".
ينبغي على الناقد أن يوجه ضوءاً قوباً للكشف عن سعى الشاعر لاصطياد لحظات خاصة، وقد حكى الشاعر عن مشهد عايشه فى باريس بنفسه: شيخ كفيف يذهب إلى عمله كل يوم، ويركب المترو بدون مساعدة من أحد، ويمارس هذه المسألة بدقة وبدأب وبإرادة حديدية، وبحماسة لا تخمد، وهو يرى أن الشاعر يشبه هذا الرجل الكفيف والمصرّ على الرغم من افتقاده للبصر أن يتحقق كإنسان، فالشاعر يضرب فى تيه اللغة العام، وضباب المشاعر العام لكنه محتشد ومصمم على أن يواصل طريقه بدقة وبدأب وبإرادة صلبة، وصورة الأعمى وهى لحظة شديدة الخصوصية تملأ الديوان كله بأشكال مختلفة، وقد اصطاد الشاعر هذا المعنى الخاص واستثمره استثماراً شعرياً رفيع المستوى، فاستفاد من تعدد الدلالة الذى يمكن أن يوحى به، واستفاد من مضمونه الإنسانى الحميم، ويمكن أن نتابع استخدامات الشاعر لهذا المعنى بأشكال مختلفة، فى المقدمة النثرية يذكر الشاعر بيتين كتبهما:
"ما همّنى
يقودُنى الأعمى إلى بيتى!"
وهناك صورة ("لشراع لا دفة له")، وفى قصيدة ("غبار") سنرى إلى الأشياء و(القضايا) مغطاة بالغبار، أو سيكون الشاعر أعمى سيَّان، أي أن هناك دائماًعازل بينه وبين الأشياء، وهناك رحلة صعبة للتعرف على الأشياء:
"واجداً أن الصور
تستقرّ كيفما وقعتْ...
يعلوها الغبارُ وحسب ، يعلوها
أحياناً، حتى أننى كنت أتحسّسها
بهدأةِ الأعمى
فى أمكنتِهِ الأليفة".
وفى قصيدة: "أعمى يجس الصورة ويزنـها" سنرى إلى الشاعر كالأعمى، يتحسس الأشياء كى يتعرف عليها، ونجد حشداً لمعطيات يتعامل معها الإنسان من خلال التحسس واستخدام الأصابع، فهناك النول، ووصل الخيط بالخيط، "ووصل القافية بالقافية"، وقطف العشب، والإمساك بالقنديل والكتابة بالطبشور إلخ، وفى قصيدة "وجدتنى " يجد الشاعر نفسه فى وجهةٍ، من دون أن يعرف مقصده فيها، وفى القصيدة الأخيرة ستكون كلمة السر ورقة مطوية فى يد الأعمى، ومن هنا يصبح جلياً لدينا أن الفكرة مسيطرة على النص الشعرى، ومن داخل هذا المنطق نفهم سعى االشاعر المستمر لاصطياد لحظات ممتلئة بالحيوية والدلالة، وهى لحظات شعبية بسيطة ولكن تطرح من زاوية نظر شاعر مثقف، ومن هنا نعود لفكرة الفخ مرة أخرى، فالظاهر هو استعارة فكرة العمى، وما أن نسقط فى الفخ حتى نجد أنفسنا نناقش أعقد القضايا العصرية، وأكثرها ثراء باللحظات الحسية المؤثرة، كما لو كانت هذه اللحظات تمثل نوعاً من التعويض الذى يشكل بديلاً لكل أشكال الحصار التى تهدد الكيان الآدمى، سواء أكانت هذه اللحظات حسية أوروحانية أو معنوية:
فى قصيدة "هزازة" يصطاد معنى اهتزاز الحياة، ويبدأ القصيدة بتعبير: "ومع ذلك" كإنه كان متواصلاً مع المتلقى من قبل، وتشيع المعانى الحسية الدقيقة مثل التشبث بالأطراف، وانجلاء الصور، وانبعاث أضواء الحنين، انه يكتشف اهتزاز الوجود كله: "تبدو الحياة / هزازة / بين أبى وأمى / بين أمسى وحاضرى"، ولكن وبالمقابل سيتمكن من اصطياد لحظة أضواء الحنين ذات القدرة الكاشفة.
وفى قصيدة "كلية التربية" يلتفط لحظة االتفاعل مع الوجود: السلم يتفاعل مع القدم لإنجاز عملية الصعود" "كنت أصعد على درج تنبسط درجاته أمامى كلما وقعت قدمى على الهواء". إنه يذكرنا بالمعنى الجميل الذى قال به يوفتشنكو من قبل، عندما علّق بقصيدة له، على استغراق عازف البيانو متسائلاّ: هل العازف هو الذى يعزف على البيانو، أم أن البيانو هو الذى يعزف على الرجل. ويمكننا أن نواصل تتبع بعض اللحظات الخاصة التى يلتقطها الشاعر...
هكذا يظل الشاعر فى طرح عوالمه التى تنقلنا إلى مجالات أنثروبولوجية وتاريخية قديمة، ثم تنقلنا إلى أكثر الصور عصرانية وتمرداً، وينقلنا من الجدية إلى الفانتازيا بكل ما فيها من تيمات نوعية، حيث هذه الحالة الخاصة من التحليق ذى الطابع الكونى، وشاعرنا بهلوان حقيقي، بهلوان نبيل، أو بهلوان شهيد لأنه يتعمد كل هذه التنوعات مبتعداً عن شعرية الأساتذة الرسميين الذين يرقدون على البيض الأكاديمى الفاسد. وهناك صورة غريبة يتأمل فيها الشاعر علاقته بجسده ("لو أننى أسكن جسدى/ملكا، لا إيجارًا لوقعت قدماى فى حذائى") فكرة سكن الجسد ملكاً أو إيجاراً تدهشنا وتجعلنا نتأمل الفكرة لنطبقها على أنفسنا لنجرب الإحساس بمعنى شديد الغرابة، ويجعلنا نناقش القضية المهمة: هل نحن نمتلك الجسد أم نعيش من خلاله، وهل وجود الإنسان وجود جسدى؟ وكيف سيصبح الجسد معبراً للعلاقة بالعالم، كما سيرد بعد قليل، بعدِّه من أكثر المعطيات انغماساً فى قلب الرمزية الاجتماعية، مثلما يرى دافيد لوبروتون، وحيث لا يوجد شئ أكثر إيحاء بالنسبة للإنسان من عمق جسده الخاص.
وفى (ص 127) قصيدة عن امرأة تتركه فى لوعة وحيدا مثل شاعر جاهلى! هى لقطة كاريكاتورية، ولكنها تتضمن تأملاً للموازة بين تطور الحياة وتطور الكتابة.
والقصيدة القصيرة التالية، وعنوانها "فى نهاية المطاف" يصطاد فيها الشاعر لحظة صغيرة، هى لحظة شرود عادية وبسيطة، ولكنه يريد أن يصل من خلالها إلى حقيقة ما:
"ما أكْسَلَنى
فوق هذه الكراسى !
أرمى صنارتى على أن
تقودَنى إلى المأدُبة !
السَلَّةُ بجانبى :
رذاذٌ وحسب فى هذه الحلكةِ البيضاء !
رُب شاردةٍ تجدُ نفسَها فى نهايةِ المطاف !"
ويلتقط علاقة بين الحسى والروحانى، فى التقاطة شديدة الخصوصية : "العين طرف الروح". وهكذا يمكن أن نتتبع اللحظات الخاصة فى كل مقطع، وبخاصة أن الشاعر لا يكف عن فتح عتبات بشكل عفوى مستمر، وبمجرد وضع أقدامنا يتركنا فى تيهه الداخلى لينشغل بفتح عتبات أخرى للمزيد من الإيقاع بنا!
وكما سبقت الإشارة، فالشاعر سيبحث عن هذه اللحظات الخاصة لأنه يتحقق إنسانياً من خلالها، وهو يرى أن الحياة "حلم لا ينقضى"، وهى لحظات خاصة، ومحايدة أو لعلها تدعى الحياد، فالشاعر لا يشرح أو يدّعى ولا يؤول، ولكنه يتركنا متورطين فكرياً وجمالياً، وهى ورطات فكرية وجمالية ممتعة بالنسبة للقارئ لأنها تجعله يقوم بالاكتشاف. وقصيدة "أليفتى المجهولة" ستكون بمثابة فخ يورطنا فى تخيل معان متعددة عن هذه المتناقضة ألفةً وغموضاً معاً فقد تكون هى اللغة أو الحياة أو الحقيقة ويمكن لكل قارئ أن يضيف معان أخرى، لكن يظل المعنى الكلىّ قادراً على طرح رؤية تفجر فينا معان شديدة الحميمية، تشيع هذه الدراما الشعرية التى تتضمن التاريخى السحيق، والاجتماعى المعاصر معاً، وفى الوقت نفسه فهى رؤية تعبر عن الفوران الثقافى الذى نعيشه الآن بعد تحلل أنماط التفكير التقليدية جميعا.
ولكن كل هذا لا يمنع أن يعبر الشاعر أيضاً عن الرفض الدفين لبقايا هذا التفكير التقليدى من خلال السخرية اللاذعة، وفضحه لأشكال ومستويات من الخلل الاجتماعى والإنسانى فى الواقع فى الواقع، هذا الخلل الذى يقلب القيم والحقائق، فالجمال والحب يمكن أن ينتهيا إلى الجريمة، فعندما تباغته جارته بقولها: "كم أنت جميل، اليوم!": يتدارك وجهه بالجريدة، ويسرع إلى السرير، إلى سرِّه، متخفياً، متلبساً بالجرْمِ المشهود! وفى قصيدة "أحبك" سيتحقق الشئ نفسه وعلاقة الحب تعنى: الإمساك عن الحركة، والامتناع عن الكلام، وندم الأنفاس والحماقة، وفى (ص51): "ولهذا ترانا نحب كما لو أننا نعتذر / ونلتقى كمن يندم."
وهناك أشكال مختلفة من خلل الواقع يفتضحها الشاعر، المجتمع كله يعانى على كافة المستويات، المدينة العربية تكاد تصبح متحفاً للموت، وقصيدة "هذه مدينة" يمكن أن تكون رثاء لبيروت أو لأي مدينة عربية أخرى. فهو يقدم مدينة مجهدة تدير حبات السبحة بلا معنى، كما لو كانت تحصيها: إنها حالة من اليأس والحداد والنعاس، يسخر منها الشاعر، كما يسخر من القيم الشائخة والمجد الزائف فى قصيدة "كانت". إنه يرفض سلطة النص القديم، بالضبط، مثلما يرفض تلاميذ اليوم أن يكونوا خاضعين لسلطة المدرسين والإداريين فى المدرسة، ومثلما يرفض المريض اليوم أن يكون خاضعاً تماماً لطبيبه. وهكذا تنسحب القضية على كافة أشكال التمرد التى تعبر عن سقوط كل سلطة تقليدية.
ويمكننا أن نتأمل حساسية التجديد فى تجربة هذا الديوان المهم الذى يتجاوز مرحلة الحداثة، هذه الحساسية التى تتضمن معنى تغيركل من المنطق والأداة فى زمن تتغلّب فيه قوة الرموز المتحركة على شاشة الكمبيوتر على الرسوم المنقوشة على جدران أضخم المعابد من ناحية أخرى.
الشاعر يتجاوز مشكلات النص الحداثى التى صارت تشكل عبئاً على النص، وعلى عملية التلقى معاً، فنستشعر هنا هذا النـزوع لواقعية اللغة، بعيداً عن مناورات التكثيف اللغوى المجازى الذى صار لا يمثل سوى حواجز بين النص والقارئ، المجاز هنا هو المجاز المشهدى بشكل عام، والذى قد يستفيد من بعض المجازات اللغوية اليسيرة فى حدود تأكيد الحالة الشعرية التى تطرحها القصيدة، ومن هنا يمكن أن نلاحظ غلبة الكناية على الاستعارة، وأن الخيال نستخلصه من هذا المجاز المشهدى، وليس فيما بعد نشاط اللغة التركيبى، أو فى المرحلة التى تلى التركيب. وبشكل عام سنكون فى هذا الديوان بإزاء روح تخييلية يدعمها وعى عميق ولغة رهيفة لاتكف عن ابتكار التيمات المتجددة المتوالدة باستمرار.
إن حساسية التجديد لتتمثل فى هذه التجربة من خلال بعض الملامح منها: هذا التعبير المباشر عن المشاعر والأفكار دون إرجاء أو إسدال ستائر على أى شئ، والنـزوع نحو واقعية اللغة، وحيث يوجد ابتعاد واضح عن المجاز اللغوى، ولكن هذا لا يمنع وجود المجاز المشهدى، كما سبقت الإشارة، وهو المجاز الذى نستخلصه من المشهد كله بشكل عام وليس من مجرد الانحراف اللغوى فى لغة جون كوهين. ومن هنا يمكن أن نفهم هذه الإشارة الذكية عندما يقول لفتاته: "وأنا لا أصفك بل أعايشك".
والنـزوع الواقعى الحميم لا يعنى معنى الواقعية الذى عرفناه فى المدرسة الواقعية التى سادت فى حياتنا الثقافية لفترة طويلة، ولكنه يعنى الشهادة الحية ومعايشة رائحة الحياة، كما يقول الشاعر، ويمكننا أن نتابع هذا النـزوع على مستويات عديدة ففى قصيدة "زخم"، على سبيل المثال سنلاحظ أنها تبدأ بالوهم وبالغيوم وحركتها ثم تنتهى بتأمل واقعى للحظة حب حياتية حقيقية. وفى (ص77) يصف الكتابة بأنها "جنيننا": هى إذن علاقة حميمة، ومعايشة وأبوّة.
يبحث الشاعر عن اللحظات الحية المعيشة والواقعية التى يمكن أن تنقلها اللغة، لتصبح معطياته: الدرج - السلم - الستارة - المنضدة - ساعى البريد - رقَّاص الساعة - عصا الكمان - الرصيف - القطار - إلخ... فالشاعر يمتلك المعجِّلات التى تمكنه من رؤية الجسيمات تحت الذرية، ويصبح قادراً على متابعة أصغر المعطيات، ويصبح قادراً على طرح التفاصيل العادية المكونة لرؤيته الكلية التى تصدمنا بالعادى، والمعيش، لأننا كنا غارقين تماماً فيما سبق فى هذا الإسباغ المجازى الكثيف على الواقع، وفى الديوان - مثلاً - قصيدة اسمها "كلية التربية"، مما لايمتلك شعراء الحداثة من طرحه فى عناوين قصائدهم. وهذا يعطينا منذ الاطلاع الأول نموذجاً شعرياً يختلف عن النموذجين: الرومانسى والحداثي اللذين تفشت فيهما معطيات أخرى تنتمى إلى عناصر الطبيعة: الشجر - السحاب - الرمال - الشمس – إلخ، وتفشت فيهما الاستعارات اللغوية بصورة تعرقل العلاقة بين القارئ والنص، ولكن العلاقات البسيطة المباشرة، أو البديهية بشكل عام ترينا - مثلما تعلمنا الأنثروبولوجيا - فراغات هى التى ستعطى للفن فرصة لتبرير خصوصيته.
وفى قصيدة "عرض متواصل" يقول: "أنا أكتبك لا أحكيك"، أى يصبح منطق الكتابة الشعرية هنا هو الخروج من اللغة المحكية إلى المعايشة الفعلية التى تميز طبيعة هذه الكتابة، والخروج من المجاز إلى المواجهة، أو الخروج من لعبة العقل فى معجزة اللامتناهى إلى الممارسة الفعلية فى الحياة، وهى التى تعطينا كل هذا الإحساس بالثراء وكأننا أمام مليونير يتباهى بكنوزه.
ونلاحظ أيضاً هذا الحس الذى يميل إلى التفكيك، وهو حس يتوازى مع حالة تفكيك شاملة يعايشها الواقع فى كافة المستويات، اجتماعياً فى تفكك الطبقات وتوالدها الداخلى، وتميز شرائح عريضة بسمات لم تكن تميزها من قبل، وسياسياً بانحلال الأحزاب، وافتقاد فعالياتها، وثقافياً بسقوط أعرق التوجهات الفكرية، وانتشار عشرات من التوجهات ذات الطابع الجماهيرى العفوى والحسى، الخ...
وميل الشاعر المتوقد الذكاء نحو التأسيس المغاير هو نزوع نحوضرب المشهد الشعرى الراكد فى الصميم، من خلال تحويل الكل إلى أجزاء، مثلما يحول الشاعر ذاته إلى أبعاض متداخلة: "ويدخل بعضى فى بعضى"، وفى موضع تال يجزئ الشاعر نفسه مرة أخرى: "كأننى رجال، / واحد بعد الآخر / يجرون الماء برافعات هيكلى"، وتتوالى المعانى الشعرية فى هذه الطريق: "تيقنت من أن لك وتراً واحداً يسع الأنغام كلها".
وفى القصيدة العملاقة: "كأننى رجال" يعدد الشاعر الاحتمالات:
"وإذ بى لا أقيمُ فى حدودي
فالريح تُمْلى
والشراعُ ورقةُ الهبوب ، ما يجعلُنى
احتمالاتٍ فى جسد."
ويمكننا أن نتأمل ظاهرة أخرى تشيع فى هذه التجربة، وهى تؤكد أيضاً معانى التفكيك والتعدد، وهى ظاهرة تبادل المواقع بين المعطيات المختلفة أو بين المهام المختلفة مثلاً فى هذا المقطع:
"هذا الجوق الخافى فى باحةٍ
التوق ينفرد بأصابعى،
ويعزفنى."
فالشاعر هنا يتم العزف عليه، فهو لا يَعزِفُ بل يُعزَفُ، أى تستبدل مهمته، وفى تبادل المواقع أيضاً: "وهى، فى تمارينها / مثل نساء يتعاقبن، واحدة تلو الأخرى / على الدور عينه"؛ وكذلك: "فأمشى بمحاذاة حذائى".
إن حس التجديد هنا يتجاوز التقاليد التى ورثتها البشرية عن كانط وهيجل وماركس، هو ما يضع التجربة فى مكان تكون قيه متقاطعة مع حساسية ما بعدحداثية، تبدا من أفكار نيتشة وهايدجر ومن بعدهما دريدا وليوتار وجى ديبور وغيرهم، أكَّدها الميل إلى الواقعية والحس التفكيكى، وتعدد المعطيات، مما سبقت الإشـارة إليه وكذلك هذه المعاينـة الحسـية المـادية للواقع، ونحن لو قرأنا قصيدة "محاسسة" سنتعرف على هذه الحسية العالية التى تفيض فى محاولة الشاعر خلق علاقة ما بالوجود، ويمكننا أن نتابع كتالوجاً كاملاً لأنواع من الملامسات الحسية : الأصابع والتحسس والرسم والنقرات والملامسات والجسدين والأعضاء.
ومن الممكن أن تأخذ الحسية ملمحاً آخر: "مسامى احتشاد ضاج / يضيق بجسدى / الذى يتصلب / ويقوى على إهالة مائه / فى حوضها". وبشكل عام فقصيدة شربل داغر أشبه بمركز تصدير للمشاعر الحسية القوية الجريئة التى تشحن احساس القارئ بالمزيد من الرغبة فى معرفة العالم.
ولأن المرأة طوال تجربة التكثيف اللغوى كانت مثل أى قضية أخرى،متعددة الدلالة ، فهى الوطن والجمال والحرية والأنثى والوجود إلخ، فالمسألة تختلف فى التجربة الجديدة اليوم، وكما عند شربل داغر: فالمرأة هى المرأة الحقيقية هى إنسان من لحم ودم تتنفس، وترِقّ، وتخشن، والمرأة فى قصيدة "استباق مؤجج"، رغم غيابها لكنها كائن آدمى حى، وحتى لوكانت هناك روح رمزية تشيع فى التجربة فهناك معنى واقعى غالب، فهو ينتظرها فى مقصورة القطار، ويعطى لقارئه إحساساً قوياً بشخصيتها وأنوثتها الطاغية. وفى قصيدة: "هذه امرأة" سنتعرف على امرأة حقيقية تعانى من احباطات الواقع وتعايش الحياة، ولعل النول الذى أمامها هو الذى يأخذ طابعاً رمزياً.
والعلاقة مع المرأة فى هذا الديوان تأخذ طابع الشهادة الحسية والإنسانية الحانية، المتطلعة إلى أفق شديد الرقى يحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى حوار إنسانى عميق وموح وقادر على الارتفاع والرقى بالوجود الإنسانى كله، البيولوجى الإفرازى المادى يتفاعل مع المعنوى الروحانى التطلعى بصورة نادرة المثال:
"إننا نبلغُ فى ساعاتٍ، متكررات،
نشوةً أو مراتبَ فى العيش، تعطينا هذا الشعور
بعمقِ، بطولِ ما نعايشه
يطول أعمار متعدّدة فى عمرٍ واحد.
هكذا أقولُ إنك تلديننى
من جديد، كل مرة، طالما أن لجسدى
مع جسدِكِ، بين يديك،
طراوة هى التى للطفل
بعد ميلادِهِ، وهى التى للعاشق
بعد أن يكون ماؤُهُ قد أنبت
زهرةَ اللذةِ فيه مثل شجرة،
للغصنِ فيها
أن يعطى الثمرَ وأن ينشر الظلال."
إنه الجسد بالمعنى الذى ينتمى للثقافة الجديدة المتجاوزة، هو معبر التواصل مع المرأة، ومع الكون فى بنية اجتماعية تحتفى بالنمط الشخصانى، لن يكون الجسد إذن سوراً يحد سيادة الأنا بل سيكون وصلة الهمز للاندياح على العالم الخارجى، وصنع العلاقة العميقة من ناحية، والقادرة على الاستقلال من ناحية أخرى.
ومن المهم أن نلاحظ أمراً شديد الأهمية هو الاتزان الذى يلم المعطيات السابقة جميعاً: الانتقال من المحكى إلى المكتوب - التفكيك - التعدد - الحسية المباشرة - تجاور الأنماط - معنى المرأة المحايد وليس متعدد الدلالة، ولعل من أهم ما يميز كتابة هذا الشاعر مسألة الاتزان الدقيق بين توجهات متعددة، أو نزوعات متعددة، فهو يستخدم مجموعة من التيمات المتباينة، ويجمع بينها من خلال علاقة دقيقة مما يدل بقوة على رؤية خاصة، وعلى خبرة شعرية عميقة تريد أن تفضح قبح العالم، هى لا تريد أن تنافح السلطة بشكل منظم ولكنها تريد أن تفضح قبحها، وتبين كيف بدأ هيكل السلطة ينحلُّ ويتفكك، لتتفكك معه الوحدة المغلقة على قيمها وانتماءاتها الملتفة حول بؤرة صلبة، لتتشكل كيانات أخرى ذات طابع مختلف .
الاتزان يعنى الاستفادة من كافة العناصر السابقة وانتهاء الزمن الذى يمكن أن يسود فيه معطى بعينه، بداية من المقدمة نطالع الأفكار المتعلقة بقضية الاتزان: يتحدث عن تجربته الشعرية، ويبين كيف تتنازعه أقوال منها ما ينسب القصيدة إلى "لحظة" أو "حالة" وغيرها، أو أن تتحقق فى كتابة أوتدوين وحسب، أوقول آخر ينسب القصيدة إلى الكتابة وشروطها التأليفية.
يمارس الشاعر حالات من الاتزان بصورة تجعله يسيطر على خبرات تكاد تغطى الإبداع الشعرى العربى فى أنماطه الأساسية، والصورتان المتتاليتان الآتيتان تنتميان إلى منطقتين مختلفتين، الأولى استعارية، وفيها تشكيل مبهر، والثانية صورة عادية تخلو من أى انحراف لغوى ، وتعبر عن المعنى بشكل مباشر :
1 - يتقدمنى طرف لسانى / مثل مجداف...
2 - هكذا أنت أمامى : / مقصدى وسبيلى...
وبلغة أخرى فالتجربة تطمع فى ممارسة كافة أشكال الكتابة، فتمارس الغموض، وتجعل البطولة للغة فى مرة، وتمارس الوضوح والتعبير المحايد البسيط فى مرة أخرى، ونجد قصيدة تدور حول معنى مركزى وحيد ينتشر فى النص كله فى مرة، ونجد قصيدة تتداخل فيها أبعاد كثيرة فى مرة أخرى، بل وتتقاطع مع أفكار أخرى خارج النص، ونجد أنفستا نعايش عدة معان معاً.
يطرح الشاعر فى بعض الأحيان نصاً غنائياً من حيث مضمونه، وقوافيه، وإصاتته، ويطرح فى أحيان أخرى نصاً نثرياً خالصاً يعتمد على التوالى السردى البسيط، واللغة المحايدة، يقدم أحياناً لغة شعرية متعددة الدلالة، وأحياناً لغة شعرية أحادية الدلالة، ولنقرأ هذه الأبيات، لنتابع فيها الانتقال من الفكرة البسيطة المباشرة فى السطرين الأولين إلى المعنى الخيالى فى السطور التالية:
"يقولون أن للصدرِ حُدوداً،
قفصاً :
فعلاً، بدليل أننى أخرجُ منه مِراراً
لزهوٍ
أو فوحان."
أما قصيدة "وجدتنى" فتنتهى بالصراع بين "الصدفة" من ناحية، و"الرغبة" من ناحية أخرى، وكأن الشاعر يريد أن يجمع بين المنطقتين بعدهما الشكلين الأساسيين لحكة الأحداث فى حياة البشر :
"أيتها الصدفة
أنا حسابُك المنتظر.
أيتها الرغبة،
أنا طفلُك الغامض."
وهناك اتزان بين ما يريد توصيله من رؤى من ناحية، وقدرة المتلقى على التلقى من ناحية أخرى، واتزان آخر بين مدارس متباينة أواتجاهات متعددة: فقد نقرأ نصاً رومانتيكياً بعض الشئ، وفى صفحة أخرى قد نقرأ نصاً يتسم بواقعيته الشديدة، أو بحداثية، أو ما بعد حداثية، وهكذا يضفى الاتزان طابعاً شمولياً قادراً على طرح كافة الحساسيات التى يمكن أن يطرحها النص الشعرى اليوم، وهذه هى لعبة الشاعر الذكى الذى عرف جيداً أنه لم يعد هناك ابتداع شعرى صاف من داخل منطقة محددة ولكن الشاعر اليوم يتفاعل مع كافة التيارات فى نصه ويلعب بالتناص وبالقدرة على استلهام كافة التيارات الشعرية.
(مجلة "أبواب" الفصلية، دار الساقي، بيروت-لندن، العدد 30، 2002).