حاكم مردان : مِلوانة شعرية زاخرة بالألوان
بعد الانتهاء من قراءة نصف كتاب شربل داغر "حاطب ليل"، لا بدّ للقارئ من فسحة تأمل، وللناقد من رغبة في الكتابة، وتحديداً عند قصيدة "حلم مبهم يدرج"، لأنّ التحريض على التأمل والكتابة يبدأ هنا. فالشاعر وارث حيوات انتهت إليه بصيغ جمالية متعدّدة يبدأها بعبارة "في كونه غائباً / بوصفي متكلماً"، ويتواصل معها قائلاً: "كونه غائباً / يوقظ الأشجارمن غفلتها/ يستدرك السواقي قبل نهايتها"، وينتهي إلى القول: "تلدني الكلمات / بما لا يسعه قماطي". قبل أن تبدأ قصيدة "حصى لصبرها الصاحي"، عناوين تخيط عباراتها جملة جملة، والشاعر فيه قوة الثقافة التي تشكّل خلفية كل قصيدة، وفيه براعة فكر ومهارة مخيلة، هي في شدّ وجذب بين احترافية عالية، وبكورية، لولا امتهان صاحبها حرفة الكتابة لظلّت عذراء. وبعد القصيدة الآنفة "حلم مبهم يدرج" وجدت في نفسي ما يشبه مسحة الناقد التي عندها تتوقف براءة القارئ، الذي نصحناه بداية بفسحة تأمل، والتي استلها مني شربل داغر في سهولة، فنصوصه تتطلب أكثر من براءة واقلّ من نقد لكي ينصت إلى الكلمات التي تقول "للحجارة أن تروي / بأحمالها / وهن الصاعدين".
ويوقفني النص في اماكن تتطلب مني أكثر من قراءة. ففي القصيدة الآنفة أقع في هذه النهاية: "وأن ترى الوادي / صاغراً / في وحشته"، وللحجر أكثر من حضور في شربل داغر، أكثر من حيّز في الفراغ وله وزن. إنه ذاكرة ووصية وربما أكثر من ذلك. أيقونة ولقى "صخور لمطارحنا / بين هواء وخلاء / نعيش فيها متخفين / أمام كنز مرصود". وفي القصيدة التي تليها "تعلونا صخورنا، بيارقنا"، والعنوان لكل قصيدة مطلع، فهو في صلب الصورة إذ لا فسحة لدى الشاعر ليفصل بين قصيدة وأخرى لتمكنه وحذقه أحياناً، ولتعدد مصادر ثقافته. وملوانة شربل داغر زاخرة بألوانها وأكثر من قصيدة استوقفتني طويلاً: "حجر لرأسينا / نسند إليه خوفنا / من رغبة أدركناها في عيوننا المذعورة / وفي حصرم مبقع على ثيابنا". وينتهي تأمل القارئ فيها، إلا أنها انصاعت أخيراً لثقافة شاعرها وإغراء الحجر الذي فقد، فجأة ابهامه: "حجر يرمينا ونؤؤب إليه / حجر يفضي إلى حجر / ومنه إلى حجر". حجار الشاعر لا تشبه سواها، إنها الآن أنصاب وشواهد (بعدما كانت وصايا ولقى)، وهي يقظة الماضي الذي يواربه الشاعر بالحجار نفسها والتي، تدلّ في الآن ذاته عليه: "للحجارة أن تبقى يقظة إن غفونا / وأن تستر ظلّنا". وعند هذا الحدّ يشعر المرء مع شربل داغر بصعوبة الكتابة (النقد) على حساب التأمل فالرغبة في الاختلاء بالكتاب تبلغ أوجها عندما يقول: "هذه الجبال انخفضت / لتتلقاني براحتها / بين سطور غيبها". ومن هذه البوابة التأملية ادخل "حاطب ليل" القصيدة على الصفحة 39، ويترجم لي الشاعر "صخوره". انهم أهل تنكروا لمغتربهم، أو صبّروه (وراثياً) خلف أسمائهم "ينتظرونني / أنا أو غيري"، ويكاد يفصح شربل داغر عن صخوره التي (كانت وصايا ولقى ثم صارت أنصاباً وشواهد) انتهت "إلى زحام من الديون المستحقة".
طفولته دين مستحق على ماض "وربما عائلة" يعالجه بمستقبل يكرر نفسه، فالشاعر اليوم حاطب ليل يطالب بالحصة الكاملة ومستعد لتحطيب ماضيه الذي يتنكر له بقدر ما قلب له هذا الماضي ظهر المجن: "كان للعتبة أن تفضي إلى مصطبة / لا إلى رصيف". وهنا اشعر بميل لنسيان (شخصي) أقعدني عن طفولتي لموضوعة النقد (المقال) عندما أقرأ في "مقتلة باردة". وشربل داغر همّه على نفسه، لا يؤلم أحداً ولا يلوم، وهو من فرط ماضيه الذي يحاول اليوم وقد امتلك عدّة (النق) الشعر أن يخطبه في ليلة تشكو ضوء القمر، أنه يفضح سرّ المهنة "طفولة ناقصة" وأن لا يكرّر مستقبله كما يودّ الشعراء عادة في طفل يأتي نتيجة خطأ محبّب.
في دغل الكتاب اكتشفت قلق الشاعر من شيخوخة باكرة قبل استيفاء الطفولة حقّها، ويعلو صوته كمن تحرّر من ماضيه ليقع في ورطة المستقبل: "شهيد / قلقي / يقرع بابي / في هدأة الفاحص في مرآة / عن تجاعيد مبكرة".
لا ينتهي في سهولة كتاب شربل داغر لأن لكلّ قارئ فيه شأوا وبقية وفي امكان من شاء أن يقول غير ذلك، وأن يرى منه ما لم اره، لكن لأسباب أجدها جمالية الآن (قدر ما هي شخصية، وفي الكتاب شيء مني)، أكتفي بمتعتي الخاصة وادع للقارئ، إن شاء، حسن سجيته في اكتشاف مواضع الجمال، وهي كثيرة، وللمتأمل في إدراكه، مواطن الاستغراق، ولي هذا القدر فحسب.
(جريدة "النهار"، بيروت، 21 آب-أغسطس 2001).