عمر شبانة : موجة حداثية جديدة

يجمع الشاعر شربل داغر في مجموعتيه الشعريتين الجديدتين، "تخت شرقي" و "حاطب ليل"، بين كتابة شعرية وأخرى تنظيرية. ففي الأولى هناك مقدمة، وفي الثانية خاتمة، نثرية ذات طابع تنظيري، تتناول تجربته هو الشعرية خصوصاً، والكتابة الشعرية عموماً. فما الهدف من ذلك؟ أهو رغبة في التعبير بلغتين مخلفتين، بل متناقضتين؟ أم أنّ الأمر ينطوي على رغبة في التعريف بنظرة الشاعر إلى شعره، وإلى مسائل فنية أخرى؟ وما الغاية من ذلك؟ ألا ينبغي على الشاعر أن يكتب قصيدته ويمضي تاركاً لقارئه أمر القراءة والتذوّق وال...الخ؟
كان في إمكان شربل داغر أن يجمع، في كتاب مستقل، كلاً من "المقدمة" والخاتمة أو "المقدمة المتأخرة"، ليقول كلّ ما يريد قوله نثراً و"تنظيراً" بعيداً عن القصيدة. لكن وضع كلّ منهما في المكان الذي وضعت فيه من الكتاب، أمر ينطوي على مغزى ودلالة. ومن ذلك ما أعتقد أنّه إجابة عن سؤال حول طبيعة النظر إلى الشعر وماهيته، ككيان مستقل، من جهة، وإلى علاقته بالكتابة عموماً، من جهة ثانية. فما طبيعة هذه العلاقة؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي القول إنّ تجربة داغر هذه، في قصائده كما في نثره، وخصوصاً ما جاء في خاتمة مجموعته "حاطب ليل" حول "الكتابة بالحاسوب"، هي تجربة تطرح، وتعيد طرح الكثير من الأسئلة والنقاش والجدل، حول مسائل كان البعض يعتقد أنّها وجدت إجابات نهائية عليها، في حين أنّ إعادة طرحها هنا تتحدّى أيّة إجابات سابقة، متطلّبة إجابات جديدة. فمن سؤال الكتابة، والكتابة الشعرية، أهدافها وغاياتها ووسائلها وأدواتها، إلى سؤال المعنى، وسؤال القراءة، وعلاقة القارئ بالشاعر، وسؤال المنبر... الخ، يطرح الشاعر/الناقد المنظّر الكثير ممّا يستحقّ المناقشة.
هنا، ينبغي الالتفات إلى انفصال الشاعر عن الناقد المنظّر، الذي فيه، من جهة، وتواصلهما معاً، من جهة ثانية. فبقدر ما ينفصل الشاعر عن الناقد، هنا، نستطيع أن نلمس نقاط اللقاء بينهما. ففي قصائده ما يلتقي مع تنظيره، وفي تنظيره ما يمهّد لقراءة شعره. وهو ينتقل بين العالمين، بخطى متناغمة، لكن هذا لا يمنع الانفصال والاختلاف في بعض الأحيان، ولا يمنع افتراق الشعر عن التنظير، وانشقاقه عليه، وتمرّده على مواضعاته.

الشعر والقصيدة: علاقات
ما يقوله تنظير شربل داغر، وما تقوله قصائده أيضاً، في هذين الكتابين تحديداً، هو أنّ التجربة الشعرية أمر شديد التعقيد، مركب من عناصر غاية في التكاثر والتركيب والتشابك. فالشعر كائن يصعب تحديد هويته أو نوعه أو جنسه، دون امتلاك أدوات تقربنا منه، فهو كائن يدعوه داغر بـ "زخم من أثير". أمّا القصيدة، فهي كيان لا يمكن رؤيته بالبصر المجرّد من البصيرة، أو بالعقل المنفصل عن الخيال والوهم والحواس. فهي "لحظة، حالة، بلورة"، كما يرى شاعرنا. لكنّها، في الوقت نفسه، شكل من أشكال الكتابة، وتخضع "لشروطها التأليفية". وفي هذا القول ما يدعونا إلى التوقّف قليلاً لطرح القضية الأولى، قضية الشعر لجهة كونه شكلاً من أشكال الكتابة، يقف إلى جوارها ولا يرقى عليها، ولجهة علاقته بالشاعر. فشربل إذ يجمع الشعر والتنظير للشعر، في كتاب واحد، يقوم – في اعتقادي – بوضع القصيدة، والشعر، في مكانة معادِلة (بكسر الدال) لأشكال الكتابة الأخرى، ليس فوقها كما يصنع الشعراء عادة. رغم انّه يعود، في لحظة تالية، ويسمي القصيدة "بالبلورة" التي لا نقوى على الإمساك بها، بل على النظر إليها من زوايا عدة، والنظر السابر من ناحية إلى أخرى؟ ففي هذا تمييز لطبيعتها، لا لأفضليتها بين أشكال الكتابة، ولا لوظيفتها المتميزة! وعموماً، فالشاعر يعتقد أنّ جدوى هذه الكتابة، هي فيها وليست خارجها.
وعلاقة الشاعر بالشعر، وبالقصيدة، معقدة. فالشعر لا يؤتى، بل إنّ الشاعر قد ينسى القصيدة أو تنساه القصيدة، ولا يلتقيان إلاّ لماماً. يقوم على كون القصيدة "تأتي" ولا تؤتى. أي انها ترتبط بعنصر "غيبي" لا يتحدث عنه الشاعر، وإن كان يرى الشعر عزيزاً وعصياً. ويرى كتابته تشبه حمل صخرة "سيزيفية" لا يعرف الشاعر من كلّفه بحملها. بل إنّه لمن الطريف أن يشبه داغر الشاعر بـ "المرتزق" الذي يعمل لخدمة شخصه؟ وعليه، فالقصيدة عصية يبدو الشاعر امام بواباتها "مستعطياً ذليلاً"، وعند الانتهاء منها يبدو "محارباً مستنفداً". لذا، ليس غريباً امتناع الشاعر عن كتابة الشعر أحياناً، خصوصاً لمن وجد في هذه الكتابة ما يحرق أكثر ممّا يسعد. ولهذا يذكرنا شربل أنه كتب في صدر مجموعته "فتات البياض" هذا الإهداء "إلى شربل: لئلا يصير شاعراً". لكنّه لم يستطع الهرب من القدر، قدر الكتابة، وكتابة الشعر تحديداً. أما من حيث الماهية والوظيفة، فالشعر ليس مثل الفكر ولا ينبغي أن ينظر إليه كما ينظر إلى الفكر، فهو لا يقوى على الإحاطة بل على التلمس، ولا على إملاء النوايا، بل على التعثر والتردّد والتخبّط في الدنو من إعلان الكلام. والشاعر يعرف غاية الشعر، فلا يحمّله فوق طاقته، كأن يصبّ في دعوة، أو في ادّعاء معنى أكيد، بل تراه يتسرى بحثاً عن الهارب الذي يغوي عيوننا ويفلت منّا. الشعر لحظة مشرقة من الأبدية. وفي تجربة داغر، لا ينفصل الشعر عن الحياة، بل إنّه هو الحياة. إذ ان الإقبال على الشعر، إقبال على الحياة. والإقبال يعني إرادة التوجّه للكتابة، كما هي إرادة التوجه لعيش الحياة. وفي هذا ما فيه من إقصاء للنظرة التقليدية إلى كتابة الشعر بوصفها عملاً إلهامياً، يرتبط بقوى غيبية وحسب. فكتابة الشعر عمل ينطوي على الكثير من الرغبة والقدرة والتخصيص والتوجه. ولا يمكن أن يجلس الشاعر – خصوصاً في زمن الكتابة بالكومبيوتر، مثلما سنبين في ما يخصّ تجربة شربل مع الحاسوب – وينتظر آلهة الشعر أو شيطانه أو جنّياته كما كان يقول. لكن هذا لا يجعل الشاعر جاهزاً أو آلة، فهو "المروبص" (الماشي في نومه) حيناً، و"الحالم" حيناً آخر.

القصيدة وترجمة الشعر
بذلك كله، وسواه الكثير، يغوص الناقد/المنظّر في أعماق العملية الكتابية (الكتابة الشعرية تحديداً)، وفي أعماق الشاعر، في مراحل ثلاث: ما قبل دخول تلك العملية، وفي أثناء العمل / الكتابة، وبعده، أي ما ينتج عنه. ويرتبط ذلك عنده بالقضية الثانية، قضية العودة إلى مفهوم القصيدة. فنجده يعود، بأدواته الجديدة، إلى الفهم القديم للقصيدة على انّها "تقليب" للقصيدة، محاولاً تفسير "القصد"، كما ورد في حديث ابن رشيق القيرواني. فيرى أنّ القصيدة تشير – من طرف – إلى "طابع القصيدة الإرسالي، الذي يشتمل على إخبار وفق طريقته المخصوصة في التعيين والترميز التي تختلف عن طبيعة الإخبار في السرد، وعن المحتوى الرمزي الذي يوافق المبنى الضمني للسرد"، كما أنّ القصيدة تشير، من طرف آخر، "إلى طلب التأثير واستثارة الانفعال الجمالي".
وهذا ليس تعريفاً للقصيدة، فهي – بحسب داغر – غير قابلة للتعريف، بل أقصى ما يمكننا هو التعرّف عليها. ويتّضح ذلك أشدّ الوضوح لدى طرح قضية أخرى، هي قضية ترجمة الشعر. ففي حين يمكن ترجمة النصوص الأخرى، تبقى ترجمة الشعر مستحيلة، فترجمته هي "وضع جديد له، مهما بلغت درجة الأمانة. (...) فإنّ مجهودات (المترجم) في ترجمة الشعر تؤدّي، واقعاً، إلى احتمالات التكثير والالتباس والتجديد في كلّ لفظ، ما يجعل ترجمة الشعر عرضة للتأليف، لا للنقل، بالضرورة".
قضية أخرى تثير داغر وتشغل حيزاً في كتابته، هي شعر الغزل ومضامينه، فهو إذ ينظر في شعرنا العربي، يجد أنّنا قلما "نقع على قصيدة في الرغبة". ثمّة شعر عن الرغبة، وشعر عن اللذة، لكن الشعر الذي يكتب "في" اللّذة، قليل. فشعر الغزل العربي يتحدّث عن الرغبة، كما لو أنّه يتحدث عن "الممدوح" أو "الفقيد"، وهو ما سيبتعد عنه شاعرنا لدى كتابة قصيدته التي يسعى أن تكون "في" الرغبة، وإن بدا، في "تطبيقه" قواعده، على شيئ من الانفصال عن هذه القواعد. وهذا أمر غير مستبعد، خصوصاً لكونه يحاول أن يكتب "لحظات، أحاسيس، وصوراً، تتعدى العلاقة الخارجية، البرانية، المتعاهد عليها، لقول شيء يقع في التجربة، في الاحتكاك، في ألفاظ الحركة، ونزوعات الجملة".
هذا الانفصال نقع عليه بين شعر كل شاعر وبين تنظيره! فمعلوم أن وعي المسألة نظرياً، لا يعني امتلاك تنفيذها "نصياً". غير أن نص شربل يقترب كثيراً من وعيه النظري، فهو يكتب منطلقاً من واقع مشهود ومرصود، ولكن شعره، وكما يرى د. جورج دورليان في كلمة الغلاف الأخير لـ"تخت شرقي"، "شعر متحلل من كل الروابط بالواقع بالرغم من انطلاقه من مشاهدة دقيقة له". وبهذا فهو يتطابق مع قول القائلين إنه ليس ضرورة أن يكون الشعر نتاج تجربة في العيش، وليس ضرورة أن يعيش الشاعر التجارب التي يكتب عنها!

ملامح الشاعر وعلاقته بالحاسوب
ومن القضايا التي يلح عليها شربل، محاولة رصد ملامح للشاعر، من خلال تجربته هو. فهو، مشاء أعمى، وفاقد الذاكرة، حيث الذاكرة عدو الشعر. وربما كان أجمل وصف للشاعر، هو أنه ليس مثل "بوسيه الصغير" الذي يمشي وينثر الحجارة ليعرف طريق العودة. فصنيع بوسيه هذا، هو صنيع الناظم الملتزم بقواعد محددة، أما الشاعر، وخصوصاً إذا كان يتبع أثر رامبو، فهو من يتقدم صوب خوفه حراً، ففي مخاوفه "يمتحن (الشاعر) قدرته على تشكيل إنسانيته من جديد". ويظلّ شربل - المنظّر - يحاول توليد أوصاف جديدة للشاعر الذي فيه، فهو "صياد في ماء الصدفة"، لا يعرف ما يصيد. وبهذا المعنى، فدخول الشاعر إلى القصيدة هو مثل دخوله إلى المكتبة: يشتري كتباً غير التي قصد شراءها. باختصار، إنه يولد من جديد مع كل قصيدة.
ولأنه يعوّل على الجديد، ويهرب من الذاكرة، فحتى استعادته لدفاتره وخربشاته القديمة ليست استعادة في المعنى المألوف، فالغالب أن يكتب الشاعر غير ما دوّن، وقد تبقى لديه "صفحات ميتة، باردة في الدفتر الصغير". كما يمكن أن يقع في دفتره على لفظ مغلق كرسالة. أليست الكتابة "لعباً فيه مقادير من الجسامة، أو فعلاً جسيماً فيه مقادير من اللهو"، كما يتساءل برشاقة وعمق؟ وهي كذلك لكلّ من يبتعد بها عن تلك الاعتيادات المستندة إلى اعتقادات رومانسية. والكتابة لديه، منظوراً إلى علاقتها بالقارئ، هي وفق العبارة الفرنسية: قنينة في البحر قد يعثر عليها أحد وقد لا... ولذا فليس على الشاعر أن يكتب لجمهور محدّد. وهذا ما نلمسه في شعر شربل، الذي يغامر في تكسير العلاقة التقليدية مع القارئ، لبناء علاقة جديدة.
نقف على مفهوم "القراءة" فنجده يقوم على ركائز اساسية، أولها كون القراءة "سابحة في أثير من رغبات وانفعالات..."، والثانية تنبني على كون الجمالية المغايرة التي يطلبها الشعر الحديث، هي مسألة تقوم على أن دورة الشعر تتحقّق خارج الدورات الاجتماعية التقليدية، أي في مسالك وقنوات تقوم على العلاقة الفردية في المقام الأول، وتتمثّل في إقبال القارئ على شراء المجموعة الشعرية وعلى القراءة الانفرادية.
قضية أخرى تتصل بالقراءة، هي علاقة الشاعر باللغة من جهة، وبالمتلقي من جهة ثانية. فشربل معني بطرح التناقض بين أن يكون الشعراء خدمة اللغة وحراسها من جهة، وبين أن يكونوا مستعمليها ومجدديها من جهة أخرى، الأمر الذي يعني الخشية من تجديدها ومن تطويرها. وعليه، فمهمة الشاعر الجديد هو أن ينقض المبنى والوظائف القديمة، مع أنّ الشعر يظلّ "الميدان الذي يمتحن فيه الشاعر اللغة فيما يجدد ويغير إمكاناتها في القول والتعبير". والشاعر المبدع هو من ينظر إلى اللغة نظرة حسية تبتعد عن الفصاحة، وترى اللغة بوصفها هدفاً في ذاتها، كما يبتعد عن اليومي والتالف الذي يجوف اللغة. وهذا يعني أنّ حياة اللغة مستوفاة أو متحققة طالما أن الشاعر يجدد الإقبال عليها بطراوة المبدع الذي لا يكتفي باستعمال اللغة مثل زينة أو حلية، بل بنحتها وتكثير دلالتها وتقوية تعبيرها.
وهنا يلحظ شربل كيف أن بعض الشعر الحديث ما يزال يحتفظ في مبناه ووظائفه، ببعض معالم العلاقة القديمة مع اللغة والمتلقي، معللاً ذلك برغبة هؤلاء في "التأكيد والإبلاغ" وليكون الشاعر هو من يملي بياناته، والمتلقي هو من ينصاع إلى ما يقال. في حين أن المطلوب من الشعر الحديث، أن يؤسس لـ "جمالية مغايرة"، جمالية تقوم على جعل التلقي عملية "تملكية". كما ينبغي النظر إلى القراءة بوصفها ترحالاً في المعنى، لا استسلاماً لمعاني معطاة سلفاً.
القضية الأخيرة، بين قضايا كثيرة ما تزال تستحق وقفة خاصة، هي قضية شربل وحاسوبه الفاضح، وعلاقتهما التي تكشف لنا أنّ الكتابة عمل مستمر، فيه كثير من التدخل والتدبير والتسوية، فيه رتق وتحسين وشطب وتدقيق وكل ما من شأنه إزالة أية غشاوة رومانسية، سميكة، عن أمور الكتابة. وهو ما يجعلنا نتحقق من "صنع" الكتابة في لهوها الأكيد... فالحاسوب يدبر شيئين مختلفين، متضاربين: العمل اللاهي فوق شاشته الإلكترونية، والإنهاء الدؤوب والمتمادي للنص. فالحاسوب – لشربل – ليس مجرد "آلة" طباعة، بل هو "المجاز المحمول" للشاعر. وعلى هذا الرأي سنجد آراء كثرة من المعترضين، ممّن ما يزال يتمسك بالقلم والورق وعاداتها "الأليفة والحميمة"، هذه العادات لم تعد تعني لشربل سوى وسائل متخلفة عن ركب التقدم، والتي لا بدّ أن يطاولها التجريب. وللحق فإنّ هذه العادات يجري اكتسابها مع الزمن، وهي مع الزمن – كذلك – تصبح حميمة كما أصبحت تلك من قبلها.
ولعلّ قلّة من الذين يتعاطون مع الكمبيوتر، يعرفون، بالتجربة، لعبة المفاتيح، لكن كثيرين – مثل شربل – يظلون يتساءلون: "ما الذي يقود الأصابع إلى الحروف في لوحة المفاتيح؟". وهنا سنجد من يسأل: ماذا عن أجهزة المستقبل، عن الجهاز الذي لا استعمال للأصابع فيه، بل للصوت؟ وإلى أيّ حدّ يخفف الحاسوب "الشعور بالعمل المتمادي على شاشته. فأنت لا تعبأ بما لم تحتفظ به"؟ وهل يختلف شعور الشاعر الذي يمسح (DELETE) مادة عن الحاسوب، ثم يكتشف أنه أخطأ وتسرّع في شطبها، عن شعور من فَقَدَ مخطوطة في قطار، مثلاً؟ هي أسئلة... وأخيراً، إلى أيّ حدّ استطاع الشاعر التنظير لتجربة شعرية هي تجربته، أو تقاربها؟ هل هذا هو الهدف أو الغاية من هذا الجمع بين الشعر والتنظير له، في كتاب؟

الشعر: الموسيقى والتشكيل
أولاً، نحن أمام مجموعتين شعريتين، تمثلان تجربتين تتمايز كلّ منهما عن الأخرى. وهذه نقطة تصبّ في مصلحة التجربة الشعرية التي تختلف وتتطور. لكن الصورة لا تكتمل إلا باكتشاف ملامح هذه التجربة، التي تشكل هويتها. فما أبرز هذه الملامح؟
يشتغل شربل، في شعره، ضمن فهم وإدراك يعملان على المزج بين دور الوعي واللاوعي في بناء النص الشعري. فإلى الخيال الجامح، يبرز جلياً دور العمليات الذهنية، ودور ثقافة الشاعر، في إنتاج صور وعلاقات لغوية سمتها الأساسية الجدّة والغرابة، دون إلغاء كلي للبحث عن المعنى وعن الطاقة التعبيرية الكامنة في اللغة، اللغة الخاصة به.
ومنذ البدء أشير إلى اختيار الشاعر عناوين كتبه. فهو، منذ مجموعته "رشم"، التي تلعب في منطقتي الرسم والوشم معاً، يقع على مفردات تنتمي إلى مناخ قديم يستعير منه، ويمنحه نكهة الجديد وظلاله. فـ "تخت شرقي" التي تحيل إلى الموسيقى الشرقية، تحيل في هذه المجموعة الشعرية إلى أجواء حسية مترعة بالشهوة، أجواء شرقية جرى تحديثها و"عصرنتها"، من خلال إضفاء روح الشاعر و "أبطال / بطلات" قصائده عليها.
الأمر نفسه نجده في استعارة العبارة العربية الشهيرة "حاطب ليل"، التي تكتسب هنا دلالات جديدة، دون التخلّي تماماً عن المعنى القديم، وبما يلائم حال شاعر حديث، فهو "حاطب ليل يهرس العنب في عريشته". ولا ندري، ولا يهمنا، حقيقة، معرفة سبب ذلك: "أهو نهم التوأم إلى بديله / الساكن في خلاء الانتظار؟". فهو يقول لنا: "عبثاً تستجلي / ما انعقد في غابة الحروف / أشكال تسعى من دون أقدام / رؤوس / أضاعت قبعاتها امام مفترق العبارة".
تؤكد الملحوظة الأولى هذه، دور مكونات الشاعر الثقافية، والحياتية، في صوغ عالمه الشعري، وأخص بالذكر اشتغاله بعالم الفنون الجميلة، والتأثير المدرك لهذا العالم على نص الشاعر. وهذا أمر لا يحتاج طول بحث لإدراكه، ففي نص "نظر رقراق"، وهو الأول من مجموعة "تخت شرقي" نقرأ "لوحة" تشكيلية بمفدرات وحركات التشكيل نفسه.
"زرقة التي تنحني على نافذتها
محبرة للذي يمسك ريشته
ويلعق الأشكال الخبيئة
وزهرة ما يعرض له
استباق شغوف
لنظر رقراق".
فالرسم والتصوير، بما ينطويان عليه من طاقات للتعبير، هما أداتان أساسيتان من أدوات الشاعر لصوغ عالمه. فكثيراً ما ينشغل بالصورة وكأنه، كما يعبر في إحدى قصائده، "خطاف صور"، لا يعبأ سوى بجماليات هذه الصورة. فهو لا يصور المشاهد الأليفة والعادية، بل الظلال والتفاصيل والمشاعر ذات الحضور والتأثير الطفيفين. وهو يصور الإحالات، لا الحالات البارزة. فثمة ما هو مكثف وذاهب إلى غايته بلا مواربات، ولكن عبر لغة غير مستهلكة، قد تحيل إلى معنى، وقد تحيل إلى ذاتها. فالهم الأساسي هنا هو إعادة صوغ العالم المألوف على نحو غير مألوف. بل على نحو تبدو معه الأجسام أطيافاً، فيما تتجسّد الأطياف "تدخل في أجسامها"، في عالم يحيل المادة روحاً، والجسد تراباً أو شجرة، والطبيعة كائناً حياً.
والتصوير يأخذ أشكالاً مختلفة، بأدوات متعدّدة، التصوير بالتطريز، وأدواته: خيط، بياض، حبك، رغبات الحدائق، خيط أحمر، خيط شهوة، باقة محبوكة. هذا كله يقود إلى "مكيدة مدبرة / لها وريدي خيط / ورغباتي إبرة". والتدبير هنا كأنّما يحيل إلى العبارة العربية "يداك أوكتا، وفوك نفخ". لذا لا يدري "المدبّر" كيف يفلت ممّا دبر. هذه حياكة لمشاعر ورغبات، يجري تصويرها بلغة الخيط والإبرة.
ثمة أيضاً تصوير بالتطريس، أي "إعادة الكتابة على المكتوب، فالطرس: صحيفة مُحيت ثم كتبت" (القاموس المحيط: طرس). وثمة تصوير آخر بالكتابة، لكن الكتابة هنا متعدّدة الأشكال والأدوات والغايات، ومتداخلة مع "فنون" أخرى، منها النحت:
"أدور حول حواف جسمك نحاتا
وأسوّيه بملامساتي
خزافاً، راقصاً طامعاً".
وثمة الكتابة التي تشبك مع الحياكة وتتماهى فيها:
"صبية على شباكها
على متكأ القمر،
تكتب ام تحوك
حروف النوم أم نقش الرغبات؟"
والصبية هذه هي "تشيكايا" التي كان أطفال "الزنقة" (الحارة، أو الحي، والإشارة هنا إلى مكان ما في المغرب)، كما كلّ أطفال العالم، يعابثونها بمشاعر جنسية بريئة، أو ببراءة محتشدة بمشاعر الجنس الطفولي، ويهرجون مرحين: "أنا شفتو"!
كما انّ الكتابة التي تذهب إلى الطفولة، قد تعني "الانفصال عن"، بدلاً من "التواصل مع". وفي هذا معنى جديد يرتكز على رؤية للعالم، ومحاولة لإعادة صوغه. وفي محاولته صوغ العالم، يتشبث الشاعر بالعلاقات والعلامات: "يعرض لي وجهك / مثل نافذة / تتدافع فيها العلامات". فالعالم مجموعة من العناصر المتعالقة، وفي كلّ علاقة ثلة من العلامات التي تقود الكائن نحو مصيره. للعشق مفرداته، وللشهوة مفردات وأسئلة: الضياع، الضباب، الجسد الضيق، الإبحار المقيم في اشتهاء مجهول.
وللحب ومفرداته علاقة لا يختصّ بها البشر وحدهم، فثمة علاقات بين عناصر الطبيعة:
"أهزج كلما اصطفقت ورقة بأخرى
وأخال الأغصان صفاً من منشدين"
وتبلغ العبارة الجنسية ذروة شهوانيتها في استعارة مفردات / أدوات البحر، بكل ما في هذه الاستعارة من قدرة على التهييج الشعري:
"يتقدمني طرف لساني
مثل مجداف
يلعق توق الوصول
كما في مضيق".
ويعود الشاعر وينوع على الوتر البحري نفسه، ولكن على نحو يبرز التيه والضياع في المجهول، لكنه المجهول الذي له فجاءة الألفة. وهنا تسلس اللغة وتشف ويغدو إيقاعها بطيئاً كما ينبغي للغة التائه الباحث عن مخرج من مفترق الطرق الضبابي الذي اندفع إليه:
"وأتهادى في ضباب
تائهاً مستهدياً
في جسدي الضيق،
أأنت سفينة أم غيمة
أهو إبحار مقيمٌ
في اشتهاء مجهولٍ
له فجاءة الألفة؟"
على أيّ شيء ينمّ هذا الضياع بين مضائق، وفي كوابيس من الوحدة والانفصام، والضياع بلا هوية، طالما أنّ الرحلة، رغم انتهائها، مستمرة:
"أنا هو آخر
في مضيق الشفتين"،
"شهوتي لا أوراق ثبوتية لها"،
"... حلم لا ينقضي مع انتهاء الرحلة".
ومن أجواء الموسيقى التي ينطوي عليها التخت الشرقي، المغمّس بالجنس والشهوة، تتوالد مفردات الدوزنة المقترنة بالمحاسسة وكلام الأصابع الكثير، حيث للأصابع ذاكرة وتقاسيم (في مقطع آخر نقرأ "للأصابع ريشات / مدى.. ولها أوتار") ونقرات وملامسات كما للآلات الموسيقية. وهذا شأن القصيدة بما لها من إيقاعات. وثمّة لعب باهر بالحروف وتشكيل المفردات: جرم، جارة، جريدة، سرير، سر. وثمّة استعارة للحواس: البصر، الشم، اللمس، السمع، والتذوق.
في "حاطب ليل" ثمة دعوة إلى الطفولة والماضي عموماً، مثل كتاب عتيق، وحياكة، وتفاح الشهوة الأولى، وحصاة طيش، حصاة بحجم اليد أو الرغبة. لها توق السهم، حجر يخاطب صمتنا ويحوك ليلة بعد ليلة كنزة لرغبة. والفتى يمسد في العتمة زغباً. لكنّه مثل حاطب ليل: "يسعى على قدمين خفيفتين / بيدين عجولتين.../ يهرس العنب في عريشته".
الشاعر يبدأ الكتابة بالنقر على "شبّاك البياض"، ويظلّ يخبط في هبوب الخطى، لا يدري عن تجواله، ولا يدرك رحلته قبل تمام الكتابة. فالكتابة هي الرحلة، والسير إلى إيثاكا هو الهدف، وليس الوصول إليها. المتعة هي، كما يؤكد معشر الشعراء، في السير، لا في الوصول. ومثل الرحيل إلى إيثاكا، يكون الكلام. "لا يصل الكلام، بل يسير". ومثل الكلام والرحيل، تبدو الدلالة، فهي ليست شيئاً يقبع تحت حجر وادع في الغفلة، بل هي في خطوات الشاعر، في سيره الدائب. وهنا لا يستقيم السطر، الإيقاع، إلاّ بمران الحواس.
الاشتغال على المفارقات الساخرة والمريرة، سمة لافتة في قصائد شربل. فهناك "فقيه بإصبعه الطويلة يسوسني/.. عيني لا تصلح للنظر، ولا لساني للتذوّق، بعد أن ساقوا سلمان رشدي لحضور فيلم هندي فيما يقوى على رؤيته سماعياً، وخلّفوا لرضيع المعلقة علبة من الحليب الصناعي". فرغم ما يبدو من لغة نثرية، وطاقة سردية، تأتي القصيدة لتشف عن عالم غريب. وهذه الغرابة، البالغة حدّ الغرابة، هي نتاج وعي بالعالم بتكشف عن هواجس تغييره.
نحن أمام لغة ينتجها التعاطي مع الحاسوب وعالمه. العالم المكوّن من فضاءات خاصة تختلف عن فضاء الورقة البيضاء. وهذه لغة وظيفتها الكشف والاستقراء، لا القول والمخاطبة. وهي بقدر ما تنطوي على أسئلة، متوترة، قلقة، تتلمس في الفراغ مكاناً للخطى، مثل "صبية تمسد ضفيرتها / أمام مرايا الخلاء". لغة مشحونة بالمفردات الجنسية، وما تشكله من عبارات الشبق واللذة الغائبة، التي تبعث الحياة في اللغة والرؤية، وتميط الحجاب عن المزيد من التساؤلات والمعاني الغزيرة المقيمة في الموجودات الخرساء.
وما دام الشاعر يستعمل الحاسوب، فهو يحاول الإفادة من تقنياته، ومن هذه التقنيات ما يتعلق بحجم الحرف، واستجابة الجهاز لهذا المطلب كما لا تستطيع ريشة القلم أن تفعل. لذا سنجد عنوان القصيدة، بالحرف الكبير، وقد غدا هو نفسه مفتتح القصيدة. ثم يغدو توالد الكلمات أوسع من القماط الذي يشدها إلى بعضها. فالشاعر يولد من كلماته كما لم يكن يتصور. أي أن كلمة تسبقه وتقوده، وليس هو الذي يكتبها ويقرر مصيرها. وهذا ما يسميه "ثمرة تكنولوجيا"، بحيث يكون هو أعمى ينقر بعصاه في أنفاق المترو، وتكون الخطى هي النقرات، ويكون الحاسوب مجاز الشاعر محمول.
في نص "دموع جافة"، ثمة ذهاب إلى عالم الشهداء، كما في "مقابر ضاجة"، حيث تتفجر لغة جديدة من الاستعارات والمجازات، وتظلّ الرسائل المطوية عصية على الوصول إلى قول أو معنى أخير. هي رسائل بالحبر السري. ومثل نصوص أخرى، تقرع ناقوس الهباء، فيما هي تنتهي بالبحث عن تجاعيد الطفولة وهمومها: "شهيد قلقي يقرع بابي / في هدأة الفاحص في مرآة / عن تجاعيد مبكرة"...
والأمر قريب من ذلك في "محارب أخير" إذ تبدأ بـ "قساوة الفأس التي تكشط جلد الشجرة" وتحتشد فيها "قطعان الخوف"، وتتقدّم الشخص جواسيسه التي ترود بدلاً عنه، وتساكنه أوهامه حقائقه المؤجلة. وفي "مزمرة" نصوص مشغولة برغبة في الوصول، رغم بعد ما يبدو من الطيران المستمر بلا وصول، حيث القعود لا يعني الاستكانة. وثمّة هذا الانتباه الشغوف إلى تفاصيل دقيقة في لوحة، مقل ارتعاشة الشفتين. هنا شهوة تتولّد وتروق كما الشجر. وطبيعة صامتة تنبت في خفيّ الحواس.
بمثل هذا الحب في النظر إلى الكون وكائناته، تتجمّع لدينا نظرة ذات ملامح شعرية ما فوق بشرية، يصبّها الشاعر في قوالب من لغة منحوتة برهافة، لتؤدّي "واجبها" الجمالي والموضوعي في آن، وإن كان البعد الجمالي يغلب على الكثير من أشغالها. وفي هذه النظرة ما يعكس رؤية الشاعر إلى الشعر ودوره وعلاقاته، فهو مهموم باللغة وبالمفردة وبالحرف، انهماماً يندر مثيله، وهو ما يمنح لوحته الشعرية خصوصيتها. فهي لوحة تميل إلى النمنمة أكثر ممّا تميل إلى ضربات الفرشاة العريضة. وهي تركّز على التفاصيل دون المشهد العام، أو المنظر الشاسع والعناوين – المانشيتات.
قد تكون هذه أبرز ملامح التجربة ومفاتيحها. وهي تظلّ تجربة تعد بقراءات مختلفة، لكلّ قارئ منها، كما لكلّ مجتهد، "نصيب". لكن ما ينبغي قوله – أخيراً – هو أنّ قصائد داغر، وإن كانت تنتمي إلى قصيدة النثر، قصائد غنية بالإيقاعات السمعية واللونية والتشكيلية، إلى الحدّ الذي يمنحها فرادة لا تملكها الكثير من تجارب قصيدة النثر العربية. وبهذا فهي، رغم حداثيتها، وربّما بسبب من هذه الحداثة، ورغك اتّكائها على الحاسوب ومعطياته وإمكانياته، تظلّ تحيل إلى قصائد ونصوص كلاسيكية عظيمة، من القرآن والشعر العربي، الجاهلي والأموي، والعالمي (رامبو وبودلير). كما تحيل إلى فنون أخرى مختلفة.. الخ. فهل تؤسّس هذه الملامح لموجة أو نمط من الحداثة؟
(مجلة "ثقافات"، البحرين، صيف 2002).