كريم عبد السلام : القصيدة غرفة مفروشة باردة
"إعراباً لشكل" هو الكتاب الشعري الخامس للشاعر شربل داغر، جاء بعد اعمال "فتات البياض 1981، "تخت شرقي" 2000، "رشم" 2000، "حاطب ليل" 2001، وهو شأن كتب شربل الشعرية السابقة كتاب يأتي الشعر من موضع النظر والتمعّن واستبطان حركة الذات في العالم، وحيث الكتابة أو الإنشاء الشعري نوع من السعي في اتجاه مثل السفر، وكذلك نوع من اللعب أو ممارسة السحر كما يمارسه الشامان أو العارف في المجتمعات البدائية بهدف الانتصار على الأخطار ولتحقيق الأحلام والرغبات، ولتعبيد الطرق التي سيسير عليها الشاعر سواء كانت طرقاً داخل الكتابة أو مفاهيم ترى بها الحياة نفسها.
هذا الكتاب الأخير يشتمل على سبغين قصيدة موزعة على أربعة أقسام: "نميمة الكترونية" (اثنتان وعشرون قصيدة)، "الشارع" (تسع عشرة قصيدة)، "إعراباً لشكل" (ثماني قصائد)، "زهرة في قفل بيت" (إحدى وعشرون قصيدة). وتسبق هذه الأقسام الاربعة مقدمة نظرية هي نوع من سيرة الشاعر داخل النقد والشعر معاً، إذ لا ينسي شربل داغر أنه ممارس محترف للنقد الأدبي وأن له إسهامه في نقد الشعرية العربية. لذا، فهو يقبل على قارئه بعدته النقدية حتى في موضع إنشائه شعراً، فيفصح عن موقفه من الشعر والكتابة وكأنه يسوق قارئه إلى طريقته في النظر إلى الأشياء وبناء القصيدة، أو كأنما يبرر لقارئه ما اقترفه من لعب ومعمار، أو لنقل: ربما يصيح في وجه قارئه كالشرطي: أنا أقبض عليك بحكم سلطتي اللغوية وبفضل عدتي النقدية وهما بياني ومصدر حجتي. وقد يبدو شربل داغر خلافاً لكل ذلك مدافعاً عن طريقته في القول ومنافحاً عن بيته اللغوي بسياج نقدي يمكن تجاوزه إذا اهتدينا إلى المدخل حيث تجد الممر إلى القصائد والعناوين وما بينهما من فراغ مسكوت عنه. على أيّة حال يبدو شربل في كتابه هذا مغوياً بالنقاش والتلقي، بالإعجاب والصدام في آن لأنه من الشعراء اليقظين، الباحثين عن انتصارات داخل اللغة ونجاحات للحدس الشعري واكتشافات في حقل التفكير.
مع شيللر، يخبرنا شربل داغر في مقدمة كتابه أنه ينحاز إلى الفن باعتباره نوعا من اللعب يصدر عنا، لا شيء فوقيا يقع علينا، فهو ليس وحياً إلهياً وليس الشاعر رسولاً، ليس صوراً خالدة أو موسيقى الأكوان السرمدية، بل الفن مجرد طريقة في التعويض والتسلية والالتهاء، تماماً مثل لعبة التمثيل، حيث يقدم الممثل العاقل دوراً لمجنون أو لمهرج يرتدي الخرق الممزقة ويأتي بالحركات الدالة على الجنون أو يمارس القفشات الباعثة على الضحك، والممثل بقدر جديته في ان يكون المجنون أو المهرج، بقدر ما يقنعنا بلعبته وبفنه، ومثل لعبة الغناء وترديد الآهات (التطريب) واستعراض الزخارف الصوتية، حتى بدون كلمات ذات دلالة، فذلك كاف من مغن حسن الصوت متمكن من أدائه لينقلنا من حال إلى حال دون أن ينطق أو أن يقول شيئاً سوى أن يقيم مسرحه ويقدم لعبته الصوتية.
وكذلك الشاعر في نظر داغر، فهو يسعى لقول أخص ما عنده ليقرأه غيره: "الكتابة تكون لي ويقرأها غيري، أطرحها على نفسي عبر الصفحات لأتبينها فيما يتنبه غيري إليها على أنها تومئ إليه وتتوجه إليه".
"كتابة فيها جلبة وفيها صوتي، أحدهم يسمعها على أنها له وحده، بل قد يتبناها ويتوجه بها إلى غيره على أنها من كلامه المخصوص".
"الكتابة لعبة بمعنييها اللاهي والجسيم في آن، لعبة يكون فيها الكاتب لاعباً وساحة لعب".
إنّ الاستعارة ركن ركين من حياتنا، لا نكاد نحيا بدونها، وهي قديمة قدم الحضارة الإنسانية، وتكمن جوهر الاستعارة في كونها تتيح فهم شيء ما وتجربته انطلاقاً من شيء آخر، وهي لأنها موجودة في النسق التصوري لكل منا، بل إنها ليست ممكنة في اللغة إلا لأنها موجودة وقديمة في تصوراتنا، في كيفية تعاطينا مع جزئيات الحياة من حولنا، ومع تاريخ هذه الجزئيات، بمعنى آخر، فإن شربل داغر في انحيازه لمفهوم الفن باعتباره نوعاً من اللعب إنما يذكرنا بالاستعارات التي نوظفها في ممارساتنا الحياتية دون إدراك منا في معظم الأحيان، لجوهر هذه التصورات الاستعارية، بل إنه يشير إلى مفهوم اللعب القائم وغير المعترف في آن، عند أولئك الشعراء والنقاد الذين يتصورون الكتابة الشعرية من بعد واحد من أبعادها، كأن يتصورونها كشفاً للمستور السياسي، أو يتصورونها مجرد ترجيع بكائي وكفى، أو إنشاء حماسيا وكفى، ولكن الشعر ليس مجرد الفضح السياسي رغم إمكانية اشتماله على النقد لجوهر فعل سياسي، ثم إنّ هذا "الفضح" نفسه هو تصور استعاري يقوم على اعتقاد "شاعر" بأن لقصيدته سلطة المحقق الجنائي أو قدرة الإعلامي على الكشف! وكذلك الأمر الذي يتصوّر الشعر ترجيعاً بكائياً قادراً على نقل المستمع من حال إلى حال، أو الشاعر الذي يتصور الشعر انشاداً حماسياً وكفى.
إنّ الفارق النوعي بين إعلان الانحياز إلى الفن باعتباره لعباً أو ممارسة للاستعارة ومراقبتها في آن واحد، وبين الانحياز إلى الفن باعتباره إلهاماً أو حتى محاكاة للواقع وتعبيراً أميناً عنه، كالفارق الذي يأخذ في تطويع حياته كلها مظهراً وحركةً وسلوكاً تشبهاً ببطله السينمائي المحبوب.
إنّ الأول يلعب، يضع الاستعارات التي يعيش داخلها تحت الضوء من خلال نموذج دال وهو يعي بما يفعل، والثاني يلعب من خلال قصور استعاري لا يدركه ولا يفكر فيه. غارق فيه وحسب!
ما دام شربل داغر قد قدم لنفسه هذا التقديم النظري المتماسك، وبرر لقارئه سلوكه الشعري بأنه "اللاعب وساحة اللعب معاً"، فقد امتلك فيما يبدو قدرة التحرر من كل خوف وأحجام وعجز داخل الكتابة، الخوف من التعثر بين المعاني والعجز عن الإفصاح. فالاستناد إلى "اللعب" محرر للشاعر ومحفز له بأن يدوس أرض الكتابة. فالكتابة توجد بحجم خطوة الشاعر، بدلاً من تصور كان يراها ارتقاء لجبل شاهق يحتاج أدوات واستعداداً وأمراً فوقياً. الاستناد إلى مفهوم اللعب جعل من شربل داغر نحاتاً داخل اللغة وبهلواناً وممثلاً يقدم دوره الحقيقي على المسرح مرتجلاً سيرته الذاتية في ساعتين كل يوم هما زمن العرض. وسأفصل ذلك من خلال قصائد الديوان وإن كنت أحب أن أبدأ باستعراض طريقة اللعب التي اعتمدها شربل وأظنّ أنها تبدأ بالوقوع على جملة العنوان، فتكفي جملة العنوان الساطعة في ذهن الشاعر كي ينشأ قصيدته، أو كي ينشأ بها قصيدته، أو كي ينشأ لها قصيدته. فاللعبة تبدأ بالعنوان، وليس مهمّاً أبداً ان تكتمل بنجاح، أو أن يصل العنوان بالشاعر إلى شيء مكتمل.
يقول الشاعر: "إذ أن ما يربكني يقع في بداية الفعل، لا في وسطه ولا في نهاية الحبل الواصل بين ريبتي ووصولي".
العنوان في قصائد هذا الكتاب هو كنز الشاعر، كشفه ومنبع إثارته واتّهامه بذاته وبالحياة وبالكتابة، هو باب للمكان الذي ينشأه داخل اللغة ويختبئ داخله ليضحك بصوت عال، أو ليقوم بعرضه الفردي حيث تظلّ حركاته وإماءاته محفوظة داخل حيّز هذا المكان، حتى يقتح هو الباب لقراءة القصيدة أو بنشرها أو لا يهم كيف يطلع الآخرون على القصيدة أو ما اقترفته يداه من حركة وكتابة. يقع شربل داغر على عنوانه أو يسعى إليه قبل اي شيء آخر، ومن العنوان يوجد النص استكمالاً للعبة، فيظهر الشاعر وهو يكسر الإبهام ليقول عن القصيدة والشاعر:
"لا أرصفها أحجار باطون في جدارية
ولا أنتخب منها عبارة للؤلؤ القصيدة
فما يطفو لا ينجو بنفسه
ولا يسلمني وصيته يداً بيد
إذ إن شربل داغر كاتب عدل
يوقّع عقداً يتعدّاه".
يكتب الشاعر عناوين قصائده متصلة بالقصائد، لا فراغ بينها وبين المتن، وهي مفتتح للكلام، يتّصل به، وهي فقط مكتوبة ببنط أكبر قليلاً من بنط المتن ولنرى إلى بعض العناوين حتى يتّضح تكنيك الشاعر في اللعب.
يفتح لي الكلام مصيدة
تمرين النظر على ما يبدو من دون أن يظهر
قارئة الأخبار تمدّ يدها عبر الشاشة
عن زياد ودروثيا وقد اجتمعا في البيت
لا يتقيّد العابر بين شارعين بإشارات المصور
حيلة أن تنصب فخاً
أسكن في عيني
اسمي عنوان
أكتب إذ أرى
أرى لكي أكتب
متكلم وجوباً.
إنّ العنوان لدى الشاعر هو الباب الذي يدلف الشاعر منه إلى بيئته اللغوية، كما أنه لدى شربل طيف الخيط الذي يكرّ بعد أن يجده حتى نهاية القطعة الشعرية، وهو يتعامل معه طباعياً على هذا النحو، فيكون اول سطر من القطعة الشعرية أو بداية الطريق إليها هو العنوان وهو تكنيك ليس جديداً وقد سبق فيه عديد من الشعراء، إلاّ أن الفارق بين الشعراء الذين سبقوا إلى هذا التكنيك وبين شربل داغر في هذا الديوان، أنّ شربل يحوّل تكنيكه إلى مفاجأة بعدد القصائد فلا يظلّ مجرّد نزع جملة من السطر الأول في القصيدة ورفعها ببنط أكبر إلى أعلى الصفحة، وإنّما تتعدّد السياقات التي يستكمل فيها الشاعر كلام قصيدته انطلاقاً من عنوانه دون أن يكرّره وكأنّه لا يضع عنواناً أصلاً، وإنما يسود السطر الأول أو بداية الخيط الذي وقع عليه، أو كأن القصيدة تبرز بدايتها للقارئ كجزء من لعبة الارتجال، أو لعبة التصوير الفجائي لمشهد من ملايين المشاهد التي تمرّ امام العين في تقلّبات الذاكرة.
وفي الوقت الذي يكون فيه العنوان هو الباب إلى القصيدة وهو مفتاح ومبرّر اكتمالها، تكتمل القصيدة وتخلف وراءها العنوان، ليختفي تدريجاً من خلف الحبكة التي تتصاعد لتأخذنا أبعد من العنوان.
الشاعر يلعب بحرية، يتسلّى، يقدّم صورة عن نفسه، فهو الشكاك، الساخر، العارف أحياناً، ساحة اللعب والألعاب في آن، ثم يأخذ في تقليب موضوعه الأثير بين يديه، "الكتابة"، وهي في كل أحواله يلعب بما يفكر به، بما يأكله ويقلب فيه نظره. والكتابة من حيث كونها الفعل الذي يواجه به الشاعر العالم هي اكثر الأفعال خضوعاً للنظر في هذا الكتاب. الشاعر مشغول بتقصّي كيف يواجه العالم فيما يواجه العالم، كيف يكتب ولما، فيما يمارس الكتابة، وكأنّما القصيدة لدى شربل هي نظر موضوعه نفسه لتدعيم وجود الناظر. وكأن الشاعر الذي بات مهمّشاً للغاية في هذا العالم المادي الاستهلاكي، بات في حاجة إلى تدعيم نفسه بتدعيم موضوع وجوده الرمزي: الكتابة الشعرية، وهذا التدعيم يأتي بإعادة الاعتبار للكتابة وإعلاء ارتباطها بوجود الشاعر في العالم كإنسان وليس كنصف إله.
يقول الشاعر:
"أرى لكي أكتب
وأعاين ما يطالعني
يأتي قبلي ويبقى بعدي
لكي أتدبّر خلاءً موحشاً
لا يلبس أن يلتم على سرّه
أرى فأكتب
فلا تسرع الألفاظ أمامي
تمشي ولا تنفذ".
"أكتب إذ أرى
دفتر غيم لأصابع تدسّ أطرافها في الغفلة
طالما أنّ الشيء بالشيء يذكر
أدع صوتي يتحسّس وجهاً معتماً
فيما الوديعة لا تنتظر أحداً
ولم يخلفها أحد لغيره".
"في الطريق إلى القصيدة يشقى الشعراء
ويتابعون
في الطريق إلى القصيدة عابرون
يتساقطون في الاتجاهين
فلا يتخالطون".
"الضاد في عهدتي
بتصرفي
حتى أنّني أصرفها من الخدمة:
أكتب بما يمنع الترجمة من أن تكون".
"القصيدة مراهقة
غرف مفروشة باردة
مقاعد حجرية في روض مجهول
جمل تفرغ حمولتها وتعود
من دون أن تجني مقدار ما أنفقت".
إنّ الشاعر الذي يعرف كم هو بحاجة إلى تدعيم وجوده في هذا العالم المادي الاستهلاكي لا يستطيع سوى ان يدعم المهارة الوحيدة التي يجدها، مهارة الكتابة، وهو إذ يعلي من شأنها بوصفها مهارة لا بوصفها إلهاماً لا دخل للإنسان الشاعر فيه، إنّما يبقى على استمرار لعبة الكتابة لعبة الفن مهارة الفن في مواجهة عوامل الإزاحة والاندثار التي تهدّدها من كلّ جانب!
("أخبار الأدب"، القاهرة، 20 آذار-مارس 2005).