حافظ محفوظ : لعبة المرايا المهشّمة

 

تتوضّح في هذا الكتاب الشعري الجديد لشربل داغر رؤيته المستحدثة للكتابة باعتبارها انسجاماً مع الذات المتشظية أو ملاءمة الذات الشاعرة مع الذات الظاهرة للكائن. وهذه الرؤية تنشغل أيضاً بتتبّع فعل الكتابة ووصفه وصفاً ثنائياً شكلياً وتأويلياً. ومن هنا خطورة هذه التجربة وفرادتها لا سيما أنّها تمتح من معرفة باحثة في الجماليات وتاريخ الفنون.
يتصدّر الكتاب بيان حول معنى الكتابة عنه شربل داغر، الكتاب/الإبداع في صيغة المطلق: لعب بمواد جليلة سامية، وهي من المنطلق لعب مخادع في الظاهر لكنّه يأخذ الجدّ كلّه والإخلاص كاملاً عندما ينزوي المبدع إلى نفسه خارجاً من مطاحن الواقع، الهروب من الجمود والخطية الحكمية إلى التوزّع في الممكن بغير قواعد سوى قاعدة الحرية في التشكيل والرؤية. الإبداع تسمية لفضاءات الصفاء المخبأة في الروح والذاكرة. الروح بما هي خزينة الرغبات ومخلأة الأحاسيس المتضاربة والذاكرة في استيعابها للطفولة لهذا "فإنّ الإبداع" كما يرى الشاعر ذاك الذي "يدوم ويبقى في وجداننا" ويستثير فينا ملكة الانفعال الجمالي في كل مرة، هو الإبداع الذي يرتهن إلى مقادير واسعة من اللعب والذي يعيدنا إلى أوضاع الطفولة اللاهية التي نرى فيها أنفسنا على أهبة بناء الحياة من جديد، في ألعاب نتسلى بها بقدر ما نظهر فيها جديين".
هي المخادعة إذن، يضعها الشاعر منذ البداية عقداً بينه وبين قارئه. وهي عقد ضمني بينه وبين نفسه أي بينه وبين نصّه وبالتالي بين النص ومتقبّله. وهذا يكشف استحالة الجدية حيث يبرز الخيال واستحالة اللعب حيث يغيب الخيال. منطلق خلّب، محكوم بالتوالد الفلسفي وفق الطريقة الغائية التي ترى في خروج التعبير عن الذات لغة قادرة على خلط إمكانيات عديدة، بل لا نهائية من الإحالات السرية تلك التي يطلق عليها الفيلسوف الوضعي اسم حقول الإشارات أي منابتها، وترابة أخصابها. والكتابة بهذا الشكل حركة طبيعية لذات تلعب أي تضع اللغة في رهان المقامرة، هذه اللغة وهي المادة الثانية لدى الشاعر ترى نفسها في محل الخسارة فتشرع في التوالد، وصفاً، شرحاً، تحليلاً، استلهاماً، تداعٍ، تنويعاً، أي إعراباً لشكل كما ورد في العنوان. يضع شربل عبارة عبد القاهر الجرجاني "الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها" تصديراً للفصل الذي يعطي للكتاب عنوانه. وهو المكان الأثير لدى الشاعر لممارسة لعبة المفترض، محاولة التجرّد من المعنى في سبيل اكتسابه بعد اختباره وخارج الذهن وخارج الدائرة المغلقة التي نطلق عليها اسم الذاكرة تجاوزاً. كيف نكتب نصاً جاهزاً للذوبان لو حاولت قراءته دون الرجوع إلى تواريخ ألفاظه الشخصية دون إعادتها إلى أصلها، إلى شاعرها. لعلّ الاحتفال "بالأنا" غير المقيدة هو ما يدفع النصّ إلى الإطلالة على السيرة من جهة وعلى المنشود الإجمالي من جهة ثانية. وبتتبع العناوين المثبتة نقف على أن "الأنا" تبدو عازمة على إقرار مبدأ البحث عن تسمية تليق بها: إذ أنسى قد أكتب، أكتب عنه لا بدلاً عنه، قد أعترف بما يتهمني به، اسكن في عيني، أخرج من البيت من دون سبب، أبتذل أمكنتي لا أشغلها، اسمي عنوان، أكتب إذ أرى، أرميها أمامي ولا ألبث أن أتعقّبها، أرى لكي أكتب...".
ويمكن ان نقول إن هذه العناوين الفرعية لا تشير إلى النصوص التي تحمل اسمها بقدر ما تشير إلى رغبات الشاعر عند كتابة تلك النصوص: الرغبات تقابل الحالة الذهنية والوجدانية التي يكون عليها عند الذهاب إلى الكتابة وهو ما يفسّر أن حاصل التأويل يكون الذات الكاتبة بمدارها الأساسي ومنتهاها أي بثبوت وصفها وتزعزع جوهرها. يكتب شربل داغر منطلقاً من احتمالات ليصل إلى احتمالات. القصيدة لديه لا تتّخذ موقفاً من الوجود بل تلعب بعناصر الوجود وهي تسائله. وهذا الضرب من الكتابة يضع القارئ أمام مخاطبين اثنين: النص اللاعب، واللاعب بالنص، الشاعر بالمعنى التروبادوري، المخبر والمخبر عنه. ليس في هذا معنى الغنائية بل المقصد هو تلك التوليفة العجيبة التي تقرن الشعري باللاشعري عن وعي. لنقل كتابة الشعري باللاشعري ونحن نقصد الميتا – شعري، والبادئة "ميتا" هنا لا تعني "الماوراء" ولا تعني "وصف الكتابة الشعرية" بل تعني "الشرح" بما هو افتتان النص بذاته إلى درجة تجعله يشرح ذاته بنرجسية حيناً وبنقد داخلي حيناً آخر.
"بما لا يقبل التوقّع،
يما يغني عن ضبط موعد،
بما يقطف الزهرة من غصنها عندما تحلو للنظر، أكتب".
فالشاعر هنا يترجم موقفاً من الكتابة وهذا الموقف هو المكتوب فعلاً. إنه يشرح الدافع ذاك الذي يكمن وراء إتيانه للفعل وطريقة تمظهره في آن. ويمكن ترصده على الشاكلة التالية: هو كسر لأفق انتظار الشاعر والقارئ معاً ويعبّر عن ذلك "بما لا يقبل التوقع". و"الما" هنا تذهب أكثر إلى معنى اللعب الذي لا يمكن التكهّن معه بالنهاية وإلا انتفى تعريفه، وهو "يغني عن ضبط موعد"، أي جعل الصدفة قانوناً كما في لعب الورق "البوكر" مثلاً. فالورقة المقلوبة مجهولة من اللاعب "المقامر" ولأنّها كذلك تخلق لديه ذاك الشعور الذي يفسره لاكان بأنه الدافع الأول للعب، أي اختبار الممكن. ولولا ذلك الدافع لما أمكن للاعب مواصلة فعل الترقب الذي يصبح مع شربل داغر المحرّك الأساسي للكتابة. إنّه يفاجئ نفسه بما يكتب أي أنّه اللاعب الذي ينتظر الورقة التي تمكنه من تكوين مربّع الفوز، وهو في نفس الوقت موزّع الأوراق الذي يجهل بدوره نوعها.
"وميض شكل
إذ يسري في بدن الورقة
زيح رغبة تنقضي،
من دون أن ينقضي اشتهاء جلاء
الكامن في هسيس الاصابع
في تمتمات الزغب:
وميض بكاء البياض
وميض أن يكون".
ما الذي يسري في بدن الورقة غير آثار ضوء البرق أي تأجج الفكرة في ذهن الشاعر، ثم يكون الاشتهاء، اشتهاء تكونها ومحاولة الإمساك بها كاملة لكن ذلك لا يتطابق وطبيعة اللعب فترتجف الاصابع آلة الكتابة المادية وتصرخ الذات من الرغبة في امتلاك مثيلها على الورق أو امتلاك صورة عنها على الأقل، من أجل إعراب شكل الذات.
فلا تظفر بغير العدم والخيبة فهي لن تكون مطلقا،ً ومن ثمّ إعادة الكرّة، أي مواصلة اللعب. والملاحظ أنّ الفعل الوحيد في هذا النصّ فعل وصف وليس فعل حركة "فيسري" المسبوق بـ"إذ" الحالية يخرج عن الفعلية إلى التعليل، أي النعتية غير المباشرة وكذلك "ينقضي". فالقوة في هذا النصّ للحالة التي عليها الشاعر وليس لفعل الكتابة من حيث هو وقوف على تحوّلات النصّ واستجلاب للمعنى.
بهذا المعنى نفهم ما يقوله الشاعر في بيانه صفحة 14 وصفحة 15: "هذا ما أكتبه عن الكتابة. هذا ما أتمنّاه لي معها. وهو أن تكون في متناولي، في عهدتي، بتصرّفي، تصرّف القادر والواثق والذي يحسن "العفو عن المقدرة". هذا ما أحلم به معها وهو أن تكون لي أمينة وعلى أهبة، مثل عدّاء قبل الصفارة الأخيرة، وأن تكون لي معها الخفّة التي لبهلوان فوق خيطه الدقيق بين بنايتين شاهقتين وبعيدتين".
ما زلنا مع البهلوان المغامر، المخاطر بحياته من أجل خلق اللذّة لنفسه أوّلاً، ثم للمشاهد ثانياً. وبين هذا وذاك يبرز معنى الكتابة باعتبارها تجاوز مرحلة القدرة إلى مرحلة إمكانية القدرة الفائقة على الفعل، أي توليد الطاقة الثانية تلك المخفيّة وتحتاج إثارة ما لتخرج. ولعلّ أكبر إثارة بالنسبة للشاعر هي مجابهة العدم والموت ونشدان الخلود بوصفه مخلّصاً من فكرة الاضمحلال والنسيان.
"أيّها اللّفظ لا تقنع بما حصل،
ففيك ما يبني حياة معطّلة
أو حافية مستلقية
وفيك ما يرمّم خلوات هربة
استكانت لغبارها
في وحشتها".
مخاطبة الشاعر للغته، هنا، تُظهر بجلاء تلك المسافة التي تفصله عنها، وتسمح له بمشاهدة عطبها، وعطب حياته من خلالها، تلك الهوّة الفاجعة بين ما كان فعلاً وما كان يجب أن يكون. غير أنّ الأمر يتعدّى هذا السّطح المحسوس إلى منطقة من التأويل حيث يغدو الشاعر - وهو ينشئ نصّه الشعري - قارئاً لذاته، بمعنى أنّه يرسم كيانه ويحاول إصلاح ما تهدّم منه، مستفيداً من خساراته الواقعية تلك، التي ترتبط بحالته الفردية في الحياة وخساراته الثقافية، التي ترتبط بتوقعه في الزمان والمكان ممثّلاً لكيان جمعي. وهذا ينبّئ بوقوع الشاعر تحت وطأة مفهوم الانتماء المتجدّد، أي ذاك الذي لا يستقرّ على أساس واحد. إنّه الانتماء للكون المتعدّد، أو لنقل لفكرة غائمة بصدد التشكّل. وهي بالذات ما يطلبه المغترب المبعد عن أرضه، عن أصله، أو بعبارة أخرى الغائب عن ملكه، الذي تحرّكه شهوة أساسية هي العودة إلى النفس من خلال السفر إلى الآخر.
يخرج الشعري في "إعراباً لشكل" من حيّز الانفعال إلى حيّز الترجيح الهيدغري النّظر في ما كان بعين الآن. هي محاولة تحفيز الذاكرة على إعادة صوغ مادّتها بالشكل الذي تقتضيه الحالة أثناء الكتابة. وهو ضرب من مسخ القديم من الأفعال، أو نسخها بأفعال متخيّلة تقوم مقامها وتلغيها:
"إلاّ أنّ له طاحونة لأيّامه
تدور بما يتيحه الهواء
بمجرّد جوع الأشكال إلى ألق الصباح
وسيلان الشجرة في عروق اللّسان".
لا تخرج الطاحونة عن معنى العود الأبدي الدّوران في الريح باتّباع نفس المسار المقدّر لها حول محور ثابت في ريح متغيّرة (حال الشاعر). وما يتيحه الهواء هو المصير المفاجئ الذي يخرج عن الترتيب، والذي يقف بموازاة القدر، وإن كان لا يطابقه. لأنّ للشاعر حرية إيقاف القول، لجم اللّسان، وبالتالي إيفاء الفكرة حظّها من التدقيق والوضوح. وسيلان الشجرة، الذي يقابل دوران الطاحونة، هو استعادة للطبيعة الأولى للمادة في عنصرها السائل (الماء)، الذي يشير إلى الذكريات فيما يشير "الهواء" إلى "الحاضر". إنّها مقابلة بين عنصرين متضادّين من حيث الوظيفة، متعاضدين من حيث تشكيل المعنى المنشود، ألا وهو النظر في الوجود بما هو ظاهر للوصول إلى ظاهر الوجود بما هو نظر. العين في جهة من الكون لا ترى ما لا يظهر منه، بل تستجلب ما يظهر منه لتراه. إنّها اللحظة التي يدعوها الشاعر "الإعراب"، أي إكساب الظاهر من القول معنى يشرحه دون أن يحيله على مثال للبرهنة. إنّه يدخل المتاهة مصادفة فلا يربط "خيط أريان" بمعصمه، ولا يدعوها لانتظاره في الخارج. هكذا يقابل "المينوتور" بلا توقّع، بلا تجربة سابقة في المواجهة ولا تخطيط. مغامرة مضاعفة، وهو بالفعل ما يقوم به شربل داغر في هذا الكتاب، كما سبق أن قام به في كتابه السابق "غيري بصفة كوني". النصّ لا يحيل على الخارج، بل يحيل على ذاته وفي ذلك فرادته وتبرؤه من الخارج.
على أنّ هذه الرؤية للكتابة لا تطمئن لتعريفها بل تتهيؤ لتغييره لانشغالها ببناء ذاتها المتواصل. النصّ ينظر إلى نفسه في المرآة، ويأخذ في التشكّل انطلاقاً ممّا يرتسم في صفحتها. إنّه السفر الثابت، على حدّ عبارة فرناندو بِسّوا. سفر الذات الحرّة إلى الآفاق، وهي ثابتة في مكانها. ألم يتصدّع الجدار الذي يحيط بروبارتو كايرو بمجرّد أن أراد الخروج من العتمة. كذلك يفعل شربل داغر هنا:
"من دون أن أبرح مكاني
أتجوّل،
بثقة المتنزّه في بستانه،
وخفّة الفراشات في أعمالها
ولا أبالي بقبّعة جابي الكهرباء...".
إذا كان خروج فرناندو بسوا خروجاً من الممكن إلى المطلق، فإنّ خروج شربل داغر هو خروج من المطلق إلى الممكن. بمعنى الانعتاق من الحواس وما تفرضه من تحديدات إلى فضاء هلامي أقرب ما يكون إلى فضاء الحلم حيث يغدو الشاعر متمثّلاً لعناصر النظر جميعها المشاهد والمشهد والمساحة التي تقع فيها المشاهدات ويقف عليها الرائي.
فالتجوّل المقصود في المقطع الشعري السابق هو الكتابة بمعنى من معانيها إذا اعتبرناها كتابة شذرية. وهذا الاعتبار يجد تبريره في عمل الفراشات التي تنتقل من زهرة إلى زهرة داخل هذا المقطع بالذات، وهو المقطع الأخير من قصيدة تحمل عنوان "أسكن في عينيّ"، ويجد تبريره في بناء قصائد الكتاب بشكلٍ عام. والملاحظ في هذا الخصوص أنّ الشاعر يعي جيداً اختياره الفنّي في جعل القصائد على شكل شذرات قصيرة بتفاوت. فالكتاب يضمّ سبعين قصيدة موزّعة على مائة وأربعين نصّاً من الحجم المتوسّط. هذا من جهة، ومن جهة ثانية طبيعة هذه النصوص التركيبية تُوحي بأنّها شذرات تكوّن فيما بينها مشهداً عاماً أيّ نصّاً متكاملاً. وهذه الكتابة تفترض التحرّك في النقصان فالشذرة رغم صعوبة تعريفها ملاحقة دائمة للاكتمال دون بلوغه، لذلك تظلّ مفتوحة في حاجة إلى ما يغلقها. ويظهر هذا في أغلب نصوص هذا الكتاب:
"الضّاد في عهدتي
بتصرّفي
حتى أنّني أصرفها من الخدمة
أكتب بما يمنع الترجمة من أن تكون".
إضافة إلى أنّ القصيدة الواحدة في "إعراباً لشكل" تتكوّن من وحدات معنوية متفرّقة، لا يربط بينها رابط ظاهر. كلّ وحدة يمكن لها أن تستقلّ بذاتها، وتشكّل كياناً نصّياً منفصلاً عمّا يسبقها وعمّا يليها. ولعلّ أسمى تمظهرات هذا النّمط من الكتابة تقسيم النصّ الواحد عند توزيعه بصرياً على مقاطع يفصل بينها بياض مقصود لذاته أولاً، ولخلق تباعد بين المقطعين يشي بوعي الشاعر بتشكيل نصّه الذي يعود بالأساس إلى طبيعة تكوّنه المتشظية والمتماسكة في آن.
وهذا ما قصدنا إليه في بداية هذه القراءة برؤية شربل داغر للكتابة، باعتبارها انسجاماً مع الذات المتشظية. وهو ما يفتح في الحقيقة باباً للبحث عن علاقة الذات الكاتبة بما يكتب، لا باعتبارها مصدراً له، بل باعتبارها المرآة المهشّمة التي يحاول المكتوب سبكها وإعادتها إلى أصلها الأول. وتصبح الكتابة تبعاً لذلك شكلاً من أشكال إعادة بناء للذات في مرحلة أولى، ثم بناء ثان لذات مهدّمة في مرحلة ثانية، وربّما تعود إلى المفهوم الصوفي كبرهان على وجود الذات أصلاً.
(جريدة "الصحافة"، تونس، 27 تشرين الثاني-نوفمبر 2004).