زياد العناني : الكتابة من علو شاهق
كيف يعرب الشاعر شكله عبر نميمة ما أو عبر شهوة غائب عن ملكه؟ هذا السؤال، بكل ما فيه من لبس، يتجول مثل صبي ذاهل في مجموعة الشاعر اللبناني شربل داغر "إعرابا لشكل"، الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر": يبدل أكثر من سائد أو متفق عليه، وذلك كأن يجزم في إشارة له بأن الابداع مثل نوع من أنواع اللعب، وأن المبدع يتسلى فيما يعمل، وهو يستثير ملكة الانفعال الجمالي، نافياً بذلك ما أجمع عليه المبدعون من معاناة واحتراق أثناء الكتابة أو قبلها.
فالنميمة، عند داغر، توريش ورفع الحديث على وجه الإشاعة والإفساد أو تزيين الكلام بالكذب الذي يحدث في النص كما يحدث في الحياة. وكتابة النص لا تعني بالضرورة انها تجيء بتصميم انتحاري، ولا تعني أيضا أن هذا ما رأى وما عرف بقدر ما تعني أنه يحلم أو يكتب من علو شاهق، وربما يكتب عنه لا بدلاً منه، ما دامت قارئة الأخبار تمد يدها عبر الشاشة لإيقاظ المتفرجين: موتى بالمفرق في حرب بالجملة؛ موت بحسب الاحياء الواقفين في العزاء وكاتبي السير وشراة الأكاليل وصيادي الفرجة في المسارح المكشوفة؛ موت بمقادير الحياة التي أعطيت لمن يتصرفون بها في النص الذي جعله مسرحاً للعب في كل شيء، لكي يضع المتلقي أمام احتمالات مغايرة ومفاجئة، عدا أنه وكشاعر يصر على توليد المفارقات التي يمكن أن ترينا ما يقول وما يمكن أن يتبدل، وما يمكن أن يتجه إلى اشياء كان صعباً أن تقال في ما مضى، وسيكون من الصعب جداً قولها الآن. غير أن للنميمة ووسواسها الذي رأى وعرف، وهو يتلصص من كوة لا يراها أحد: هذا ما رأيت وما عرفت؛ هذا ما أكتب في هيئة مجرم من دون جريمة عن جريمة قضى فيها القاتل قبل ضحاياه. اكتب من علو اعتراف طويل لشاهدة قبر من دون جثة وهذا ما يقوى عليه عزاء متأخر؛ معترفاً بالوقت ذاته بالفرق بين ما يكتبه وما يشعر به ولافتاً إلى ان مختبر الشعر في غرفة الانتظار، وان خروجه الى الكتابة مجرد فعل فردي بامتياز لا تخفف من مفاعيله لعبة مسرحية تسمح بالتلطي والتخفي او حتى الزي التنكري ليقول: قد اكتب بما يشبه الاعتراف طمعا بكتابة ما، قد اكتب لكنني اخشى من أن يكتبني غيري. ماذا اقول عن تمرده اللافت على ما تعودنا عليه من صياغات مبجلة شديدة الفبركة تكتب ولكنها تنسى بأنها تكتب لتعيش احتراماً راجحاً، او تمرن العين على ما رأت ثم تغلقها.
فالشاعر شربل يتمتع جداً في هتك الأسماء الفاحمة، ويكره العطر الرخيص، وكذلك التعلق بما يضيق به صدر البناء وصدر المخلوق الذي يقول له: هذه السماء أبعد من أن تصل إليها اصوات دفينة لاهية بما يشغلها... بما يعنيها بما لا اعرف له وصفا ولا خريطة، هذه السماء غطاء طنجرة في أحسن تقدير. وفي علاقة لا يبدعها النص فقط تظهر الحياة عند داغر كمتعة تحدث فوق شاشة إلكترونية، تتداخل فيها الأجساد والعلامات والأسماء عضواً عضواً، وحرفاً حرفاً، وفجأة يتنصل النص من الحياة في لجوء أخير إلى المقبرة وجهامتها معلنا عن مسنة تتعرف على خاتم زواجها من دون اصبع، وعلى ملصق إعلاني للبقايا غير المستعادة، او التي لا يستردها أحد ولا يسأل عنها أحد. وهنا تظهر الحرب وكأنها فردة حذاء جندي بعد عاصفة الصحراء، خصوصاً في قصيدة "مذبح للشهيد بحجم كاميرا" التي تقول فيها: الشهيد يسبقني الى القصيدة يتلقى التعازي بوفاتي انا الشهيد شربل داغر بعد نهاية الجملة. وعلى ذكر الجملة التي يجيد اللعب بها بعد وقبل انصراف الرغبة فيها تظهر هنا وكأنها علامة استفهام وعلامة تعجب وذلك في مشهد الجسد الانساني الذي ينتصب وينحني او يصبح فجأة فضيحة دون ان يسترد سراب عتمته. وهو ما جعل داغر يسأل نفسه كيف اكون نفسي فيما انا اتوجه الى غيري؟ وهو السؤال الذي يحاول الإجابة عليه في قصيدة حيلة ان تنصب فخا حين يقول: حيلة ان تضحك اذا سارعوا الى الضحك، ان تبدي الاسى ان ابدوا الاسى، ان تظهر كما يشاؤون ويرون، وان تسكت اذا ترددوا: حيلة تودي بضعيفها.
لقد اجتهد داغر في مناقلاته عبر كتابة نص مختلف عن الآخر الذي يكوي لسانه ويقلم اسنانه بمجرد ان يستيقظ مسجلا نصا جديدا لا ينقطع عن التدخين وفي طبائع لا تنفك عن رصد الملاحظة وتسجيلها خصوصا وانه يكتب قصيدة التفاصيل بامتياز بيّن، من دون ان ينظر من فتحات قلعتها القديمة، ومن دون ان يمارس تقليدا معلوما. وهذا هو الجديد في مجموعة "إعربا لشكل"؛ وهذه هي دروب الافتراضية التي بقدر ما تخيف تكتب وتأخذ سطورها امام العديد من الاحتمالات المغرية للبناء والتجديد.
(جريدة "الغد"، عَمان، 8 أيار-مايو 2005).