جهاد الترك : الإقامة في الرؤيا هي البقاء على تخومها

ليس في هذه النصوص ما يحمل على الاعتقاد بأن صاحبها قد غادر لتوّه "لعنة" التجريب في الكتابة الشعرية. حسناً فعل. ما أن يصبح الشاعر شاعراً حتى يعلن إفلاسه. يصبح شكلاً أجوف بلا مضمون. يصاب بعقم الرؤيا. يشيخ وهو لا يزال في ريعان الشباب. تترهل مسام المخيلة، فتسبق نفسها الى حيث الجحيم المزدول. الى حيث لا قيامة من الموت بعد ذلك. يبدو أن شربل داغر في نصوصه الأخيرة "لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك"، يعي هذه المعادلة الصعبة، على الأرجح. يقترب من دوامة الشعر، ثم ينسحب منها، على وجه السرعة حتى لا يلتقط عدواها، فيحمل لوثتها الى دروب التعبير البعيدة، فيسقط على الضفاف قبل أن يسترجع أنفاسه. الأغلب أنه يفعل ذلك بحسابات شعرية دقيقة تشبه إيقاع الرياضيات التي تنقذ الأرقام من شرك الألغاز التافهة. ثمة ما يبعث على الظن بأن شربل داغر يقارب الحالة الشعرية ليرتدّ عنها من دون أن يقيم فيها طويلاً حتى لا يألفها وتألفه. لا يسعى، في ذلك، الى أن يحظى بغنائم كبيرة، أو أن يلقي بأثقاله حيث يصل في رحلته الطويلة. الأغلب أنه لا يحمل أثقالاً في الأساس، ولا يتوخى الربح. وقد يتقبل الخسارة بروح رياضية. هذه، على الأرجح، السمات العامة الخفيّة التي قلّما يظهرها داغر في نصوصه. وقد تبدو هذه الملامح المختبئة بعناية في ثنايا النصوص وزواياها وظلالها، أسلوباً هو من نسيج الحالة الشعرية التي تتوخى الإقامة في الظلّ وتأنف الأضواء الساطعة. والدليل أن الشاعر يحوم حول المعنى المستهدف، مراراً وتكراراً، على نحو دائري، جاعلاً من هذه المراوحة تجربة ممتعة في تكوين الرؤيا الشعرية. يشرف على المعنى من مسافة بعيدة. لا يرغب في رؤية التفاصيل المملة. ينقاد الى الانغماس في الصورة الكلية المفتوحة على آفاق مجهولة. ولعلّه، في ذلك، يحيل المعنى الشعري الى منظومة من الخيارات الواسعة. تجربة مشوقة قد لا تؤتي ثمارها فيما لو انجذب الشاعر مباشرة الى قلب الحدث الشعري، على الفور. تقنيّة ذكية، بارعة، ذات إمكانات متعددة للاقتراب من الشعر والابتعاد عنه في آن. يكتب في نص عنوانه: "ثلاث نقاط شاغرة": الى هواء مخزون تصل العين قبل ميعادها، والابتسامة قبل صاحبتها، والفنجان قبل شاربه والفاتورة قبل حاملها. تصل قبل أن تصل وتَستقبل قبل أن تصل، فيما الجملة لا تصل بل تجول تتعقّب فلا تتفقّد، ما ينقلني الى هواء مخزون. سيناريو متحرك لرؤيا لم تتحقق بالفعل، بل تبقى على تخومه البعيدة. الكيفية التي يقارب بها إغراء الصورة الشعرية تقوم مقام الصورة عينها. هذا ما يجعل من التجريب حالة شعرية بديلاً من التورط المباشر في متاهة المعنى الواحد. الابتسامة، كما نقرأ في النص أعلاه، تصل قبل صاحبتها والفنجان قبل شاربه، على نحو يشير الى أن داغر معنيّ بالتعبير عن مقدمات الحالة الشعرية قبل وقوعها أو بلوغها نهاياتها المحتملة. يكتفي الشاعر بمرافقة الابتسامة في إيقاعاتها المتحركة من دون أن يضطر الى التحدث عنها في ذاتها، أو في ما ينبغي أن تمثل لشربل داغر في تحولاتها الصورية. الأرجح أن ما يدعم هذا التصوّر في النص المشار إليه، هو أن الجملة (المقصود هنا جزء من انسيابية العبارة الشعرية) وحدها لا تصل بل تؤثر التجوال حول المعنى المقصود على نحو من الدوران الدائم والهادئ من دون أن تلهث أو تنقطع أنفاسها. يكاد يشكل هذا النص ما يمكن اعتباره "نظرية" يعتمدها الشاعر وهو يتوسل أقصر الطرق الى التعبير عن الحالة الشعرية. ليس في هذا ما ينمّ عن اعتراف مبطّن لدى الشاعر بأن ظلال الصورة أكثر أهمية منها، أو أنه، على سبيل المثال، يعلن عجزاً دفيناً عن بلوغ المعنى المقصود، أو يبدي لا مبالاة، أو أنه يضيق ذرعاً بأجوائه الرتيبة. ليس في هذا شيء من ذلك. إذ تصبح الظلال، في هذا السياق، هي الصورة عينها، والاقتراب المتمهّل من المعنى هو المعنى عينه قبل أن يصبح كذلك. والأغلب، أننا، في هذا الإطار، لا نعثر على معنى محدد، لأن لا وجود له. المعنى الوحيد يكمن في انتفائه لإنقاذه من نفسه. على هذا الأساس، يغدو اللامعنى هو المعنى في تحولاته الواسعة. لا شيء جاهزاً أبداً، في هذا الإطار، سوى ذلك الاستعداد المحموم للتجريب الشعري. القناعة المتحولة ومع ذلك، يستثمر شربل داغر هذه القناعة المتحوّلة على نحو يشحن الصورة الشعرية بأسباب التألق. يقدم بهدوء على التبصّر المتأني باستنباط ما قد تسفر عنه المسافة الفاصلة بينه وبين ما يعتبر صوراً شعرية عميقة الأبعاد. يحرث هذه المسافة مستكشفاً تضاريسها، مستقرئاً منظومة شاسعة من الإيحاءات وشظاياها ومركباتها ومحتوياتها. يفعل ذلك، على نحو لا بأس به من السيطرة الواعية على مجرى الشعر المتدفق. غير أنه قلّما يقع في المحظور. لا يقترب من عمق المتاهة حتى لا يؤخذ بسطوة الوهم الثقيل. المتاهة الجميلة، في هذه الحال، هي أن تراها من بعيد، أن تعيد إنتاج حلقاتها وألغازها وأسرارها وسراديبها من دون أن تقع في أسرها. المتاهة الشعرية، على حقيقتها، تكمن في قدرة الشاعر الاستثنائية على ابتداعها من جديد. أن تنجذب إليها من دون خوف أو تعرّق. من دون أن تضع قائمة بحسابات الربح أو الخسارة. يقول داغر في نصّ عنوانه "ريق شجرة":
"راحة يدي غسيل مدعوك
لا يجفّ،
حركاتي ليدي شجرة
أصابعي
جوق عازف
قاعد في العتمة:
هذا قيدي الثبوتي
من دون صورتي."
نصّ ذو إيقاع هادئ حتى السكينة. يخيّل إلينا أنه لا ينطوي على إحساس عنيف أو جارف. علماً أنه لا يخلو من صور مصوغة بقوة نتيجة لرؤية مشتعلة في أتون التحولات. الأرجح أن السكينة التي تخيّم على النصّ ليست كذلك إلا بما توحي به من تأمل تلقائي في الاحتمالات التي قد تتحرك، في اتجاهها، اليد والأصابع. وكأن الشاعر، في هذا السياق، يرقب عن كثب طبيعة الأشكال التي قد تتخذها أو تقتبسها اليد والأصابع وهي تسعى الى أن تنبذ ذاتها الرتيبة على نحو يجعل منها ذات مغزى يتجاوز الوضع الذي فُرض عليها من خارجها. سكينة هادئة في الشكل عنيفة متحركة في المضمون، تكمن أهميتها التعبيرية في أنها تتوخى المعنى ولا تصل إليه. الإيحاء المتحول للصورة يجعلها عرضة للتخلّي عن شيئيتها على نحو عفوي. ملمح آخر للكتاب هو نتيجة، على الأرجح، للإحساس المرهف بالمتاهة أكثر منه الاضطرار إلى الاستسلام الطوعي لأفخاخ الوهم المتعمّد أو الانسياق إليه لأسباب أخرى. الوهم في النصّ المذكور لا يشكل عبئاً عليه، ولا ينطوي في الوقت عينه على حالة وجودية تتلبّس الشاعر لتجعله حاضراً في قلب المعاناة القاسية. إنه، على الأرجح لا يراوح مكانه بل يحتفظ لنفسه بمكانة تفضّل البقاء في منزلة بين المنزلتين. لا اقتراب كلياً من دائرة الوهج والاحتراق فيه، ولا الابتعاد كلياً عنه. يتلمّس لنفسه طريقاً وسطياً حيث يظل بطبيعة الصورة ومكوّناتها أمراً ممكناً. حسناً يفعل داغر وهو يطور تجربته الرؤيوية على إيقاع من الوعي المرهف بتعرّض الصورة لاحتمالات التشكل الدائم. يكتب في نصّ عنوانه: "شريكي في موسمي": وهمي لعبتي لا يكسرها طفلي وحديقتي يزرعها غيري الأغلب أن ما يعنيه الشاعر في هذا النص المقتضب الرشيق، هو أن الوهم الذي يرافقه ليس عرضة للانكسار لأنه ليس من ذلك النوع الذي يعرض صاحبه لانكسار مماثل. ليس وهماً فاتكاً قاتلاً مريباً، على الأرجح، يستحوذ على نبض الشاعر بالكامل ليحيله حطاماً مهشماً. إنه أداة استثنائية لتشكيل الوجود وإعادة تشكيله الى ما لا نهاية. لم يتمكن من اجتياح الوعي الشعري لشربل داغر ليصبح وحده مصدر الرؤيا أو ملعباً لريح التعبير وهي تنقض على الأشياء لتقتلعها من جذورها. يقول في نص آخر بعنوان: "ضيفي": ضيفي يسبقني الى طاولتي وينتظر وصولي الغول الذي على مائدتي يعرض أطباقي على المدعوين ويربت على كتفي إذ ازدرد الكلام الشاعر لا يسمح للوهم بأن يتقدمه في المسافة الفاصلة بينه وبين الرؤيا في حالاتها المتقلبة. قد يسيران معاً، أو يتعمّد الشاعر أن يتجاوزه بخطوات قليلة. والدليل أنه يرقب بعينه الداخلية الضيف الذي سبقه الى الطاولة وأخذ يوزع أطباقه على المدعوين. الوهم الجالس أمامه الى المائدة يصبح مثاراً لحوار صامت بين الإثنين. لا يغيّب أحدهما الآخر، بل يعترف كل منهما بنظيره الماثل أمامه بشيء من الوقاحة، ليس في هذا النص ما يشير الى أن ثمة نسفاً جذرياً للواقع بالمفهوم السوريالي حيث يظهر الوهم وحده بطلاً أوحد على خشبة الحالة الشعرية. لا يستهدف الشاعر اغتيال الواقع أو مصادرته أو هدمه ليستبدله بنسيج آخر لمكوّنات أخرى. لا ينتمي داغر الى هذه الفئة من الكتابة التي تبدو ضرباً من الجمال المستحيل. يريد أن يستمتع بما تصل إليه المخيلة من صور مبتكرة، غير أنها حقيقية جداً في عالم الفكرة الشعرية. الوهم، في هذا السياق، رفيق دائم للشاعر، غير أنه معتقل في الإقامة الجبرية. لا يطلقه إلا بشروط يمليها مزاج الشاعر ورغبته في استخدام الوهم على نحو ذاتي جداً بعيداً عن كونه حالة مستعصية من المعاناة الوجودية الصعبة. تمهّد هذه الحالة، كما في كتابات كثيرة لشعراء كثيرين، لطرح مسألة هي في غاية الأهمية والغموض في آن. تتمثل في التساؤل المعقد الآتي: هل الشعر تدمير منهجي منظم للعالم؟ هل هو المتاهة المثالية التي ينشدها الشاعر وصولاً الى الحقيقة الأخرى التي تناقض سائر الحقائق المتداولة؟ هل هو كيان قائم بذاته لا ينتمي الى عالم الأشياء بل يصنعها على نحو خرافي أخاذ؟ هل هو قتل متوحش لكل ما يتوارثه الإنسان؟ وأخيراً وليس آخراً، هل هو إمّحاء للذاكرة للشروع في تكوين ذاكرة شعرية تمهيداً لقتلها من جديد؟ الأرجح أن الشعر شيء من هذا القبيل وأكثر. شربل داغر في كتابه الهادئ والصعب يذكرنا بهذه التساؤلات جميعاً على نحو يمتنع عن الإجابة عن أي منها. إنه يفضل، إذا جاز التعبير، أن يسقط في متاهة التجربة لا أن يضيع في متاهات الوهم البعيد. لم يصل بعد الى إحدى ضفاف هذا الجحيم المشرع على انقلاب موحش على كل الأشياء. والأفضل ألاّ يستسلم طوعاً لهذه الحمم التي تحيل كل شيء رماداً فتاكاً. الشعر هو الجلاد وهو الضحيّة، يستمتع بإلحاق الأذى الشديد بصاحبه، ثم يصرخ من الألم الرهيب. داغر، على ما يبدو، يدرك هذه المعادلة. لا يسعى الى سلطة الجلاد، ويبتعد عن التلذذ بألم الضحية. يقارب الشعر من زاوية انتقائية محبّبة، غير أنها شاقة وأحياناً مزعجة ومرهقة كذلك. ومع ذلك، لا يقترح نظريات في التعبير الشعري. لا يهمّه أن يكون من هذا الطراز الذي يفرض على الشعر ما ليس فيه.

(جريدة "المستقبل"، بيروت، الأربعاء 14 حزيران-يونيو 2006).