مع عمر أبو الهيجاء: الوهم جسد المعنى ولحمه

 

يعد الشاعر اللبناني شربل داغر واحداً من أعلام قصيدة النثر البارزين، وأحد المنظرين لها في عدد من كتاباته ودراساته، ويعمل حالياً أستاذاً للأدب العربي في جامعة البلمند، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون.
مؤخراً أقام عدد من الفنانين العرب والأردنيين معرضاً مستقى من شعر شربل داغر بعنوان "تواشجات بين شاعر وفنانين" استضافه "المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة".
التقيت داغر وحاورته حول الصورة البصرية والصورة الشعرية والعلاقة ما بين الفن التشكيلي والشعر، وحول معرض "تواشجات".
* إلى أي مدى تستطيع الصورة البصرية تحقيق الصورة الشعرية بصرياً؟
- لا يمكنني قياس هذا المدى، ما يمكنني ملاحظته والتأمل فيه ودرسه في هذه العلاقات المعقدة بين الصورة الشعرية والصورة البصرية، هو أن بينهما صورة أساساً. هذا ما قاله النقاد والفلاسفة القدامى، وهذا ما يقوله الدارسون الحديثون. وإن كان لي أن أتوقف عند هذا الأمر في شعري، في تعالق فنانين به من خلال إنتاج صور بصرية انطلاقاً منه، فيمكنني القول، أو استعادة ما قاله نقاد قبل هذا المعرض عن شعري، مثل الناقد العراقي فاروق يوسف الذي تحدث عن "المجاز البصري" فيه، أو ما قاله الناقد المصري أمجد ريان عن "الشعرية المشهدية" فيه. ولو عدت إلى ما فعله عدد من الفنانين المشاركين في هذا المعرض لانتبهت إلى أن بعضهم أقبل على قصيدتي من تلقاء نفسه، طوعياً، لما وجد فيها من "ممكنات بصرية"، إذا جاز القول. ذلك أن بعض هؤلاء الفنانين أقبل على تصوير أعمال فنية سابقة على هذا المعرض، وسابقة على فكرة العرض نفسها. ولو عدت إلى ما حدث لبعض الفنانين الآخرين، ممن عملوا تحضيراً لهذا المعرض، لوجدت وتحققت من أن إقبالهم على القصيدة حمل معه تغييراً لافتاً في عدتهم الفنية، مما أدهش الفنانين أنفسهم قبل النقاد والمتابعين والذواقة. وفي هذا كله مؤشرات ومؤشرات تفيد عن هذه "التواشجات"، والتي تنبىء عن وجود علاقات تكافل وتساكن في التعبير، تتعدى شخصي وتتعدى علاقاتي الشخصية بالفنانين. علاقات تحاورٍ بحكم التجاور بين القصيدة واللوحة، أي بحكم وجود وسائط قابلة للتبادل بينهما.
إلا أن سؤالك يتعدى هذا الجانب، ويطاول قدرة الصورة البصرية على تحقيق الصورة الشعرية، ويشبه هذا السؤال الاستفسار عن أمانة الترجمة في النقل. ولو كان لي أن أجيب بما أقوله في الترجمة عادة لقلت بأن الترجمة غير أمينة دوماً، وإن كانت تسعى وتجهد في النقل. ذلك أن فعل الترجمة كتابي في حد ذاته، وإن ينطلق من نص على أنه المطلوب انتقاله من ضفة لغة إلى ضفة لغة أخرى. وهو ما يمكنني قوله في علاقة الصورة الشعرية بالصورة البصرية في معرض "تواشجات"، إذ أن الفنانين المشاركين انطلقوا من قصائدي طبعاً، إلا أن حاصل أعمالهم الفنية يتسم بالتأليف والاجتهاد البنائي بالضرورة. فاللوحة لا "تترجم" القصيدة حكماً، إذ أنها تتعامل معها بأدوات أخرى غير أدوات اللغة: تتعامل معها بلغة الشكل واللون، وبما تحيل عليه وتعرضه هذه اللغة المخصوصة على العين، وقبل الذهن أو الذاكرة. أسوق مثالاً على ما أقول، حتى لا يبدو كلاماً نظرياً مجرداً، وبعيداً عن واقع التجربة نفسها: إن القراءة البصرية التي أجراها الفنان البحريني جمال عبد الرحيم على قصيدتي الطويلة "رشم" خََلُصت إلى سجل بعينه من الأشكال، التي تتكرر وتتوالد وتتغير في مدى المحفورات الفنية (12 محفورة). من هذه الأشكال قبة تنشق على نفسها، فتتجاور وتتحاور وتتباعد. وتبدو هذه القبة في محفورة أشبه بحيزين مكانيين متجاورين ومنشقين، وتبدو في غيرها أشبه بجسدين قريبين وبعيدين في آن، إلى غير ذلك من لعبة الأشكال التي تتشابه وتتغاير. ولو عدت إلى قصيدة "رشم" نفسها لوجدت أنها تتحدث عن رجل وامرأة، في مدى جغرافي منشق ومتجاور، في استانبول، التي تنشق بين قسم غربي وآخر شرقي، وربما في بيروت التي "يتلصص" بعضها على بعضها الآخر... اللعبة مفتوحة على آفاق التأويل، على التخييل، وهو ما يقوي من علاقات التفاعل بين الفنين.
* ما هي التجارب التي لفتت نظرك في هذا المجال؟
- لا يسعني التمييز بين الأعمال المشاركة، لا لأن في الأمر ما يحرجني مع أصدقاء، وإنما لأن الأعمال مختلفة في أدواتها وسبل تعبيرها. فهي تتوزع، كما تعلم، بين لوحة ومحفورة وفيلم ودفتر وتركيبات ورقية وفراغية وبنائية وغيرها. ويصعب بالتالي إيجاد أسس تقويم واحدة لمثل هذا التنوع، بل لهذا الاختلاف.
ومع ذلك لن أتمنع عن الإجابة، أنا الذي قلت في المؤتمر الصحفي الذي سبق الافتتاح بيوم: "يا ليتني في موقع الناقد لهذا المعرض!". زيارة هذه المعرض، وقراءة أعماله المختلفة، تغري العين بجدة ما ترى، بل تدعوها لمساءلات تقع في صميم الفن، على اختلاف أنواعه. استوقفتني في هذا المعرض جملة من الأمور التي تخص الفنانين أنفسهم بالمقارنة مع تجاربهم الخاصة، والتي تخصهم كذلك ولكن في السياق العام للتشكيل العربي الراهن. قد يبدو للزائر أن هذا المعرض يجدد حضور "الحروفية" في العالم العربي، ويمدها بحياة متجددة، وفي ذلك توصيف وتقويم صحيحان، إذ أننا لم نشهد في حركة المعارض العربية ما يشير إلى مثل هذا التجدد سابقاً. وهو ما يشير في حد ذاته إلى أن الحروفية باقية، متحولة، بخلاف ما أشار إليه البعض عن "موتها" بتسرع ونزق. إلا أن اللافت في أمر الحروفية، هو أن تجارب الفنانين الذين جربوها في هذا المعرض اتسمت بالتجدد، كما يمكن أن نلقى ذلك خصوصاً في أعمال وجدان وأبو النجا. إذ هي أعمال تبتعد عن الهاجس الحضاري أو شاغل الهوية الذي حرك مجهودات الحروفيين في ما مضى، وتقترب من شواغل التعبير الإنساني، الفردي والجمالي، المخصوص. فليس الغرض من تجريب الحرف، أو اللفظ، أو الجملة، أو ربما القصيدة كلها، التأكيد على معناها اللغوي، ولا التفنن في أشكال هذه المواد اللغوية، في لعبة خطية أو كتابية حرة، وإنما المقصود من ذلك هو التحاور مع المتخيل في القصيدة، والعمل في فضاء خيال الكتاب.
ولو توقفت عند تجارب الفنانين أنفسهم، لوجدت أن بعضهم أقبل على القصيدة وتعامل معها تعاملاً فيه كثير من الحرية والتجدد، كما ألقى ذلك في أعمال وجدان وغادة جمال، حيث أن أعمالهما المشاركة تختلف في صورة بينة مع كان عليه سابق تجربتيهما. وفي هذا ما يشير إلى أنهما التقيتا مع القصيدة حيث هي، بما هي عليه، فكان اللقاء غير مسبوق بالتالي.
* هناك من يعتبر أن تحقيق الشعر داخل الرسم هو محض وهم يجمع بين لغتين، ما هو رأيك بذلك؟
- هذا رأي جميل، ومن أجمل ما سمعت عن علاقة الرسم بالشعر. وما يعجبني في هذا القول هو أنه يجنح بالتعريف صوب فضاء الدلالة، بل صوب فضاء التخييل. وهو ما يحدد علاقة أي فن، سواء الشعر أو الرسم، بموضوعه، كما يقال في النقد. فبعض اللسانيين يقولون بأن اللغة لا تطابق الواقع، والمرجع، والموضوع، إلا في ما ندر. وهو قول لنا أن نسنده إلى ما قاله أبو هلال العسكري، وهو أن اللغة تقيم في "الفروق" (في كتابه "فروق اللغة"): فما تتوسع هذه اللغة أو تضيق في تعيينه قد لا تتوسع فيه أو تضيق لغة أخرى. وهكذا دواليك. فمن أين للغة، للغات، أن تسمي في صورة تامة، وأن تنشىء هذه العلاقة الوثوقية بمادتها الخارجية التي تسميها! ولو ذهبت أبعد في هذا المجال لقلت بأن الوهم هو الذي يحرك علاقتنا بمسائل التسمية والتعبير، لا الحقيقة الأكيدة أو المسبوقة التي تصدر عنها أو نسعى للوصول إليها.
فما يحرك الشاعر هو الوهم، أي التوقع والظن والتخيل والحدس والتخمين وغيرها، والوهم ليس بالضرورة شبح المعنى، وإنما هو أيضاً جسده ولحمه. فالفن لا ينتج حقيقة، وإن تحركنا أقواله أو صوره، وتؤثر فينا تأثيراً يتعدى الحقائق الأكيدة أحياناً.
نتحدث عن الوهم كما لو أنه العلة المريضة في حقيقة نفترض وجودها والركون إليها، ونحن لا نعتاش، ولا نتحاور، ولا نأمل ونرجو إلا وفق مقادير من الوهم. وسبق لي أن قلت في قصيدة: "أوهامي، حقائقي المؤجلة".
اللوحة والقصيدة تتعايشان وتتجاوران في الوهم، في القدرة على التخيل، على ارتياد طرق غير مطروقة، وتجريب احتمالات غير مسبوقة، وبناء تراكيب غير معهودة، ومراودة معان ممتنعة. هذا الذهاب البعيد تحت أجنحة الوهم يوصلنا إلى حيث لم نصل، وما يصبح بالتالي موجوداً، فوق الورقة، فوق اللوحة، وإن في عالم غير عالمنا الواقعي والمادي.
* هل تجد أن قصائدك في هذا المعرض قد أعادت "مجد" الحروفية كأسلوب في التشكيل العربي؟
- طبعاً في هذا المعرض ما يشير، في بعض نواحيه وإنجازاته، إلى تجدد العناية بالحروفية، وإلى كونها فاعلة في المشهد التشكيلي، من دون أن تكون شبيهة بسابق الحروفية. فلقد عنت الحروفية في تجاربها السابقة نوعاً من تبني الهوية، لا من التعبير عن الذات. وغلب بالتالي عليها الشاغل الحضاري، لا الفردي الخالص. اعتنى الحروفيون في ما سبق بأن يكون للفن العربي هوية، محلُ اشتغالٍ مخصوصٍ بالعرب من دون غيرهم، وإلى جانب غيرهم، فيما ينشغل الفنانون المشاركون باهتمامات أخرى، تتمثل في تعبيراتهم الفردية والانفعالية والجمالية المخصوصة.
تتجدد الحروفية في هذا المعرض من دون شك، بل تثبت قابلياتها على التغير والتعايش مع تطورات الفن في العالم. فمن الملاحظ أن الفنانين الذين عمدوا إلى الحروفية في هذا المعرض تجاوبوا في الوقت عينه مع مستجدات الفن التشكيلي في العالم: هذا ما نعرفه عن تجريبات أبو النجا مع الورق، الذي يغدو عجينة ذات حجم قبل أن يكون صفحة مسطحة. وهذا ما يمكن قوله في أعمال وجدان، حيث أنها تبتعد عن بناء اللوحة صوب أبنية فنية ثلاثية الأبعاد، فيتخذ العمل الفني أحياناً شكلاً نحتياً، فضلاً عن تأثره بعوامل محيطة به، تتخلله وتعبره، مثل الضوء والهواء وغيرها. وهذا ما يمكن قوله في عمل العراقية هناء مال الله، حيث أنها، في أحد أعمالها، تعول على لعبة الضوء والظل، ويبدو العمل في صورة متغيرة تبعاً لتغير انعكاسات الضوء عليه.
مباحث في الحروفية، إذن، وخارجها في آن. والفنان في هذه التجربة صاحب هم جمالي وإنساني، في المقام الأول، ولم يكلف نفسه بمهمة أو بمسؤولية، ولم يَدَّعِ تمثيل غيره، قوماً أو معتقداً أو غيرها. هي "تواشجات"، أي صلات تفاعل، بين أخذ ورد، وليست تكليفات ببرنامج حضاري أو قومي.
كما لا يسعنا بالمقابل نسب هذا المعرض برمته إلى الحروفية، إذ أن عدداً من الفنانين ابتعدوا عنها صراحة، مثل اللبنانية غادة جمال، والسعودي فيصل السمرة، وتكاد تختفي تماماًَ لصالح لغات رمزية وصورية قديمة عند العراقية هناء مال الله، فضلاً عن أن الكلمات العربية لا تدخل في نسيج المحفورة عند الفنان البحريني جمال عبد الرحيم... ويعني هذا أن الفنان اتجه إلى منابع الانفعال في القصيدة، من دون أن يستعيد لفظها بالضرورة، إلى مخيلتها، بل إلى خيالها الخصب.
* هل تتحقق شعرية اللوحة إذا ما فارقها النص الشعري المرسوم؟
- للوحة، في أية حال، أن تتدبر أمرها، أن تتعهد قيامها الفني والجمالي، أي بنفسها، مع النص الشعري أو من دونه. هذا ما تجترحه اللوحة، هذا ما تعمل عليه، ولها أن تتكفل به وحدها. فقد تكون اللوحة معدومة القيمة الفنية وإن استندت إلى قصيدة ساحرة، والعكس صحيح أيضاً.
هذا يعني أن علينا أن نبتعد وأن نغسل عيوننا وذاكرتنا مما علق فيها من متبقيات تراث قديم، قام على وجوب التكافل الظاهري والعميق بين الكلمة والشكل. وهي العلاقة التي تعينت في أن للشكل أن يكفل المعنى، أن يظهره، أن يبرزه، أن يؤكده، مثل حقيقة متعالية، جمالية، سابقة على فعل التأليف الشكلي نفسه. هذا ما يوفره القرآن الكريم طبعاً، إذ أنه في مادته، وفي نظر المؤمنين، نص مسبوق القيمة، ولا يعدو الخط العامل على آياته وسوره أن يثبت ما هو حاصل أساساً. أما في النصوص الأخرى، غير النص الديني، فللمارسة الفنية أن تتدبر جماليتها بنفسها، وبموادها وأشكالها ومفرداتها.
* ما هي الإضافة البصرية في رسم القصيدة، أما أنها موقف ثقافي من الرسام ذاته عبر التفاعل بين المكتوب والصورة؟
- قد لا تضيف القصيدة شيئاً مزيداً على اللوحة تجعلها متفوقة أو متميزة عن غيرها من اللوحات التي لم تستند إلى القصيدة في بنائها، بل قد تضيِّق القصيدة بناء اللوحة عند بعضهم، فيما يتمكن غيرهم من الفنانين من توسعة خيال اللوحة. هذا كله موصول بعلاقة الفنان بالقصيدة، بكونها مادة تحريض بالمعنى الجمالي.
اتجه هؤلاء الفنانون صوب شعري، إلا أنني اتجهت بدوري، وقبل هذه التجربة، إلى فنهم. فلقد عاشرت الفن البصري وأفدت منه، لا في شعري وحسب، وإنما أيضاً في دراساتي للبناء والشكل والتخييل في أي عمل إبداعي. فما ننساه أو نتناساه هو وجود علاقات قديمة ومديدة بين الشعر والفن البصري. وهي متمادية وإن لم ينتبه إليها بعض الشعراء وبعض التشكيليين. ويعنيني في هذا المجال الوقوف عند قلة عناية شعرائنا الحديثين بمسألة الصورة عموماً، وبالتشكيل خصوصاً. وهو إغفال عند بعضهم يتأتى من اعتقاد واهم بقوة الشعر، بأسبقيته، بتميزه، بل بتفوقه على غيره من الفنون، وباكتفائه بنفسه، إن صح القول. وهو إغفال مضر بالشعر نفسه، إذ أظهرت غير دراسة حديثة مقادير تأثر الكتاب الغربيين، على سبيل المثال، بتجريبات التشكيليين، ولا سيما بعد أن جنحت الممارسة الإبداعية، سواء في التشكيل أو في صنوف الأدب، إلى إنتاج "مادوي" للنص أو للوحة. فلقد جنحت الممارسة الإبداعية إلى التعامل مع اللغة بوصفها مادة إنتاج وعجينة للدعك والتسوية والبناء، وهو ما خبرته ممارسات تشكيلية عديدة، سواء في النحت أو في التصوير. فالإبداع إنتاج مادي قبل أن يكون تعبيراً عن شيء خارجه. فالتصوير كما الشعر ابتعدا عن محاكاة مرسومة الأهداف والتطلعات مسبقاً، وطلبا هيئة أخيرة للعمل الإبداعي تتعين بعد الانتهاء منه.
* تمنيتَ في المؤتمر الصحفي الذي سبق الافتتاح لو أنك ناقد هذا المعرض: ماذا قصدت من ذلك؟
- كنت أعرف بعض الأعمال الفنية المشاركة قبل عرضها، إلا أنني اكتشفت غيرها تماماً، بعد أن تعرفت عليها للمرة الأولى مع غيري، عدا أن رؤيتها أبهرتني متذوقاً وناقداً.
* ماذا لو تمارس دورك النقدي إزاء هذه الأعمال؟
- هذا ما يغريني فعلاً، بعيداً عن أية لعبة نرسسية. يغريني، لما تقدمه هذه الأعمال من جديد، ولما تقترحه من معالجات تشكيلية، للذواقة كما للنقاد. يتحدثون في الغالب عن صعوبة نقل رواية إلى الشاشة، أو عن صعوبة نقل قصيدة من لغة إلى أخرى. وهذا ما يمكن أن يقوله البعض عن صعوبة نقل قصيدة إلى لوحة. أنا لست من هؤلاء، إذ أنني أتجنب الحديث، قبل هذا المعرض ومعه، عن الأمانة في النقل، وأتحدث عن التأليف في البناء، وعن التخيل الانفعالي ابتداء من شيء معطى أو مطلوب. فالفنان إزاء القصيدة هو نفسه إزاء موضوع أو حدث أو صورة أو مسعى يُقدِم عليها طلباً للتشكيل. فنانون مشاركون في هذا المعرض تفاعلوا وانفعلوا مع عدد من قصائدي، وطلبوا التعبير عنها تشكيلياً. في هذه القصائد ما حرضهم، ما استثارهم، مثل أي موضوع آخر للتصوير.
* ولكن ماذا تقول في فنية هذه الأعمال؟
- الاقتراب من القصيدة مختلف بين فنان وآخر، بل بين عمل فني وآخر: الفنانة غادة جمال خصت قصيدة "مقبرة ضاجة" بخمسة أعمال فنية، أي بمقاربات متتالية ومختلفة. هذا ما أطلقتْ عليه تسمية: "محاولات دراسية". والاقتراب مختلف بين الفنانين أنفسهم، إذ اهتم بعضهم بالقصيدة نفسها، فيما سعى غيرهم، مثل الفنانة وجدان، إلى مقاربة أول قصيدة لي منشورة في مجموعة شعرية، "مواطن بالوكالة"، الموضوعة في العام 1971 .
لقد أظهر هذا المعرض أن مقاربة القصيدة تتيح تجليات أو ظهورات فنية مختلفة، ما يعني أن التشكيل مفتوح على التخييل، لا على التصوير التفسيري. وفي هذا دلالة لافتة على هذا المعرض إذ ابتعد عن علاقة تفسيرية طالما طلبها بعض الفنانين العرب في علاقاتهم التشكيلية بالنص الأدبي العربي.
معنى القصيدة في التشكيل يقع أبعد من لفظها، ومن دلالاته. يقع في المتخيل بين قصيدة وعمل فني، في منطقة مفتوحة على الفهم والظن، والتصور والحدس، والانفعال والتفكر، وهو ما يبدو خصوصاً في قراءة إيتيل عدنان لعدد من قصائدي.

(جريدة "الدستور"، عَمان، 21 تشرين الثاني-نوفمبر 2003).