مع زينب حمود:
قصيدة التفعيلة مثل القصيدة بالنثر تولدتا في السياق عينه
يرى الشاعر المتعدد الأساليب الشعرية والفنية الدكتور شربل داغر أن الشعر الحديث أكثر تعبيراً عن أحوالنا الجارية، ويؤكد بأن القصيدة الحديثة لا يزال عمرها فتياً، ولا يقاس بعدد القرون التي حظيت بها القصيدة العربية القديمة. ويشير في حواره مع "الأنوار" إلى أن القول بأن القصيدة بالنثر تجاف الإيقاع قول مردود، على ما درس في دراسات مختلفة:
* لنبدأ من جديدك الشعري، وهو صدور مختارات شعرية عن "دار شرقيات" في القاهرة بعنوان: "غيري بصفة كوني". ماذا تريد القول منذ العنوان؟
- العنوان مأخوذ من جملة ترد في إحدى القصائد، ويشير إلى اكثر من معنى. وتحيل المعاني كلها إلى لزوم الآخر، إلى ضرورته، في تحديد معنى للمتكلم. فالقصيدة لا تقوم على الإنشاد، على قول النفس، إلا بالقدر الذي تندرج فيها الآن في علاقة مع الآخر، سواء أكان الوجود نفسه أم الإنسان. وفي ذلك تبتعد القصيدة عن تعبيرات عن النفس أشبه بإعلانات عنها، فتفيدنا عن ما تظنه وتعتقده وتؤمن به، وهو ما يحفل به الشعر الحديث خصوصاً، حيث انه تعبير إعلاني عن المتكلم – الشاعر، ويبلغ عند أدونيس حدود القول: "لغم الحضارة هذا هو اسمي".
قصيدتي تبتعد عن الأنوية النرجسية، ولا تدعي علماً أو حدساً بالوجود، وإنما هي تتحرى عن نفسها في غيرها: تسعى إلى معرفة أحوالها في علاقاتها بالموجودات التي تحيط بها، وبغيرها من البشر ممن يحددونها بدورهم. وهو ما أوضحه الدكتور التونسي مصطفى الكيلاني في تقديم المختارات، إذ قال بأن الغيرية في تجربتي هي ذاتيتها. وهو ما سبق للفيلسوف والشاعر الفرنسي جان بيار فاي أن قاله في شعري، إذ شبهني بالشاعر رامبو، بالمشاء الذي يقيم علاقة حيوية، متحركة، بالوجود؛ علاقة تتحرى عن نفسها في الحركة، وتستقصيها في الذهاب نحو الآخر.
* ولكنك قلت سابقاً بمقدرة الشعر على التغيير وأنت تكتب الشعر منذ الثمانينات. ماذا غير الشعر برأيك؟
- هذا ما قلته في زمن الصبا، في زمن الطيش، عشية الحرب. إلا أنني ما لبثت أن انقطعت عنه، بعد اشتعال الحرب في لبنان، وقد وجدتني "مهجَّراً" منه، صارفاً في الغربة سنوات وسنوات انقطعت فيها إلى نقد الذات، بما فيها نقد صلة الشعر بالسياسة. هناك في أوضاعنا ألف سبب وسبب لنقد السياسات العربية، وهي لا تنجح في أيام السلم إلا في القمع الداخلي، وفي الحروب إلا في الهزائم المهينة. إلا أن للشاعر دوراً غير دوره السياسي، على ما أرى، هو إنتاج القصيدة، وإنتاج معنى إنسانيتنا المهشمة أو المكبوتة أو المهانة. لهذا لا أرى الشاعر في موقع الخطيب أو مطلق شعارات في التظاهرات وإنما أراه في كاتب رسائل خصوصية يقرأها أكثر من قارئ على أنها له، خاصته.
* في تعابيرك النقدية عن الشعر ألفاظ اصطلاحية مغايرة كيف لك أن تصف ذلك؟
- لا يخفاك طبعاً أنني، إلى كتابتي الشعر، درسته أكادمياً واستمر كذلك في تخصيص دراسات وكتب نقدية كثيرة له. ولقد عملت في هذا الجهد الفكري على تحديد أدوات النظر إلى الشعر، حيث أن عدتنا القديمة، البلاغية والتفسيرية، تبقى محدودة، تربوية وتقنية في عرضها للشعر. عدا أنها تدرس البيت في الغالب لا القصيدة.
هكذا ابتعدت عن مناحي الدرس التقليدي للقصيدة، وسعيت بالاعتماد على المناهج اللسانية وغيرها إلى تدبير عدة نقدية متجددة عن القصيدة. وهي عدة تعتمد على مفاهيم وتقنيات وألفاظ اصطلاحية جديدة بالتالي، سواء بعد نقلها من منابتها الأجنبية أو بعد مساعي تأصيل الألفاظ العربية انطلاقاً من منابتها القديمة. وهي مساع في التسمية والتعيين تطلب التجديد لا للتجديد، وإنما لتحسين المعرفة بالقصيدة. وهو تحسين لا يستقيم من دون ربط دراسة القصيدة بغيرها من العلوم الإنسانية، ومنها دراسة الخطاب بأنواعه كلها. لهذا تبدو العملية شائكة وصعبة، وتشكو أحياناً من صعوبة التواصل. على أية حال، هذه المقترحات أقدمها للقارئ والدارس، طامعاً لا في تسويقها، وإنما في قبولها إن كانت صالحة وموافقة، أو تعديلها أو انتظار غيرها من غيري في حال فسادها.
* بماذا برأيك تقاس جمالية القصيدة؟
- هذا سؤال يستحيل الإجابة عنه في مقابلة صحافية، إذ يحتاج إلى عرض متوسع، فلسفي وفني في آن. أكتفي فقط بقول مبسط في المسألة، مشددداً على ان القصيدة صورة عن الوجود وبديل عنه. فهي صورة عنه بمعنى أن القصيدة في شعري على الأقل تطلب علاقة معاينة بما يحيط بها. قصيدة تقوم على التتبع، على المعايشة، وإن تنتهي في لحظات بعينها تتركز في القصيدة. والقصيدة ليست شأناً كلامياً أو كتابياً بالتالي إلا بالقدر التي ترسم فيه عالماً مرئياً في صورة لازمة. القصيدة تحتاج إلى غيرها بالتالي، إلى خارجها، ولا تكتفي بإرسال القول منه غناءً أو شكوى أو بوحاً، وإنما تستقصي معناها فيه. القصيدة في ذلك تبحث عن كيانها في العلاقة مع الخارج إلا أنها تستقبله بأدواتها هي، وهي أدوات بناء جمالي. هذا ما جعل الفلاسفة، مثل هيغل على سبيل المثال، ينظرون إلى القصيدة بوصفها "أعلى" الفنون، أي تختصر في مبناها العمارة والموسيقى وغيرها. لهذا فإن التحقق، أو قياس جمالية القصيدة يتعين على مستوى القارئ في اللحظة الانفعالية، مثل التي تصيب المشاهد لأعمال فنية معروضة. غير أنها لحظة قراءة في القصيدة الحديثة، وليست لحظة سماع كما هي عليه في القصيدة العربية القديمة. والقول بأنها لحظة لا يغيب كونها مبنية مسبقاً في صورة ثقافية وإدراكية، وأنها فجائية وتلقائية انطلاقاً من نظام بنائها هذا. سبق أن كتبت أن "العين مثقفة تاريخياً" حيث تتلقى بنظرها لوحة للمرة الأولى، سواء أكانت مفاجئة أو منسجمة مع سابقات لها. هذا ما يحدث لقارىء القصيدة الحديثة، إذ يتلقاها وإن صدمته، بما عنده من نظام تلقي شعري وجمالي. وهو نظام تقل العناية بتربيته في بلادنا ومدارسنا، ما يهدد تلقي الشعر الحديث في صورة مناسبة ومتمادية. غير أن للدارس علاقة قياس أخرى لجمالية القصيدة لا تنحصر في تلقيها الانفعالي وحسب وإنما أيضاً في درس مستويات بنائها الفني والجمالي. فالمستويات هذه مشتركة بين قصائد الشعراء مثل المستوى النحوي والمستوى الإيقاعي والمستوى التركيبي– الدلالي، إلا أن لها معالجات مختلفة وتدبيرات في توليدها، ولها مقترحات في صوغها قد تكون موفقة أو عقيمة، ومجددة أو مقلدة.
* في دراساتك النقدية للشعر الحديث جعلت من الزمن سمة حاسمة ميزت وتميز حداثة عقيمة، ومجددة أو مقلدة؟
- هذا ما خلصت إليه في درسي للشعر العربي، في قديمه وحديثه. فلقد تبين لي أن الصلة بالزمن ليست أكيدة أو مطلوبة كثيراً في الشعر العربي القديم فيما هي في أساس القصيدة الحديثة. طبعاً نحن نقع على قصيدة لابن الرومي تتحدث عن وليمة عباسية فاخرة ضمته مع جملة من الأصدقاء، وأخرى لأبي نواس تتحدث عن تذوقه لرائحة الشواء في مطعم بغدادي، وهو ما يصح كثيراً في قصائد قديمة عاينت وتابعت ما يقع تحت ناظريها. إلا أن هذا الشعر قليل، لو أحصيناه، ويعود هذا التغيير إلى صلة القصيدة اللازمة بعمود الشعر، الذي جعل من إنتاج القصيدة صنعاً كتابياً موصولاً بسابق، باتفاقات وموضوعات وأغراض، أي بمرجعية هي مجال الحكم عليه.
أما القصيدة الحديثة فتكاد لا تنتظم من دون صلة لازمة بالزمن، وهي صلة يستمد منها الشاعر موضوعاته وشخصياته ومناخات المعنى وغيرها. وهي صلة تستمد لزومها من الحداثة نفسها، أي من حصول التغيرات نفسها، أي من انصراف الإنسان إلى فعل مختلف في الوجود. وقيل في ما مضى بأن "الشعر ديوان العرب" فيما أظن العكس، وهو أن الشعر الحديث أكثر تعبيراً عن أحوالنا الجارية. وهذا يعود إلى أن الشاعر بات وسيطاً بين القصيدة والقارئ وهي وساطة يحتاجها الشاعر الحديث لكي يقوى على اجتذاب القارئ إليه إلى شراء مجموعته الشعرية، إلى قرائتها، ما يتعين في اقتراح الشاعر على القارئ قصائد حاملة لما يتعرف القارئ إليه من المعين الإنساني. في ذلك لا تبتعد القصيدة عن الجريدة، والشاعر عن الصحافي، أي أنهما يحتاجان فيما يعرضان على القارئ إلى ما يجذبه في كتابتهما. ومادة الجذب واقعة بينهما، في الزمن. تحددت صلة الشعر القديم الاجتماعية بوسط هو البلاط أو جلسة العلماء، وبمرجعية ذات أغراض وأنواع شعرية مطلوبة للتقيد بها، لتنفيذها، ما جعل صلة هذا الشعر بالزمن، بالجريان، بالتغيير، طفيفة أو ملتوية السبل. أما في الشعر الحديث فانعقدت صلة الشعر الاجتماعية بالقارئ المجهول في أغلب الأحيان، وبمرجعية باتت بتصرف الشاعر ينتجها ويتفنن فيها على انها محل اجتهاد وتوليد منه، ما جعل الشعر قيد التداول ويحتاج إلى حمولات الزمن مثل عملة نقدية، إذا جاز التشبيه، لكي ينتظم تناقل القيمة والمعنى بين الأفراد.
* تميز كذلك بين الشخص الطبيعي والشخص الكتابي وبين الكتابي وأصوات الكتابة فيه. من الذي يتكلم في نصك الإبداعي؟
- فعلاً، ذلك إنني في القصيدة غيري في الحياة. ففعل الكتابة، حتى إن طلبت فيها نقد تجربة أو إحساس إلى القصيدة، فعل محول في حد ذاته، فعل مختلف، طالما أن القصيدة تنبني من ألفاظ، وتنصرف إليها، وتتدبر حالها معها. وهي عمليات لا نعيها كفاية، إلا حين نقبل على درس الشعر، إذ يتحقق لنا أن للألفاظ علاقات تحتاجها في صيرورة البناء، ولها ضرورات تتقيد بها متآتية من الفعل الشعري نفسه. إلا إنني طلبت من هذا التمييز الوقوف أيضاً على علاقات لا نتبينها كفاية بين الشاعر وبينه في القصيدة. ذلك أنه إذ يقبل على القصيدة يخرج منها مختلفاً بالضرورة بمعنى إن قصد كتابة بعينها فهي تأتي مختلفة بالضرورة إلا إذا كانت كتابة القصيدة تدويناً لها ليس إلا. فكتابة القصيدة تخويض في أحوال يتكشف فيها الشاعر لنفسه، وينكشف لغيره، حتى وإن لم يطلب البوح أو الإفصاح الشديد. من هذه الأحوال، أن أصواتاً كثيرة تتخلل فعل الكتابة، وتسبق الشاعر إلى قصيدته، متآتية من ذاكرته. وهي ذاكرة شعراء وقصائد متأتية من عيش عرفه الشاعر أو بلغه عن غيره، ومتآتية من إحساسات سبق للشاعر أن ذاقها، أو رغب فيها من دون أن يدركها بالضرورة... القصيدة تتآتى من هذا الكم المبهم والغامض والمعروف في بعضه القليل، على إن الألفاظ، أو سبيل كتابتها، هو الذي يتحكم بها، أو يصرفها وفق هذه الوجهة أو تلك.
فمن أين لي، بعد هذه المقادير العالية من العناصر والعمليات الخافية على الشاعر، أن أتبنى القصيدة، أن أنسبها في صورة صريحة إلى إسمي العائلي؟ فمن يتكلم في القصيدة قد يحمل صراخي، صراخ الطفل الذي كنت إذ خرجت إلى الوجود، إلا أنه يتضمن أيضاً وخصوصاً أصواتاً تقاطعت مع صوتي أو بلغتني أو تلفظتها مثل ممثل ناقل لها عن آخر مجهول.
* كناقد، ما حال قصيدة النثر، وهل استطاعت تأكيد مكانتها معنى ومبنى؟
- حالها في أحسن حال، بدليل أنها تنتشر في البلاد العربية انتشاراً واسعاً، وتكاد أن تستجمع وحدها المواهب الشابة، وطالبة التمرد والتجدد في الشعر العربي.
مكانتها أكيدة بالتالي، إلا إنها لا تحظى بعد بما يناسبها من درس أكاديمي ونقدي جدي. فالموسيقية التي تشتمل عليها متنوعة ومتغيرة الحدود، من دون أن ننتبه إليها ونعتني بفهمها المختلف. وهذا ما يمكن قوله في ثراء موضوعاتها، إذ دخلت إلى مناخات معنى قلما بلغها الشعر العربي، عالم الغرف الحميمة، لا مجالس الخطابة والتظاهرات.
* يقال بأنها انتهت وأصبحت قديمة وقد بلغت من العمر عتياً؟
- لا يزال عمرها فتياً يقتصر على عقود قليلة ولا يقاس على أية حال بعدد القرون التي حظيت بها القصيدة العربية القديمة ويأتي سؤالك عن نهايتها استفزازياً بل نوعاً من الدعابة.
ويعنيني في هذا المجال الوقوف عند خطأ شائع في العربية، وهو سوء ترجمة اسم هذه القصيدة، نقلاً عن الفرنسية. فالعودة إلى التجربة الفرنسية، التي تأتي منها هذه القصيدة، والتي ابتدأ بها شارل بودلير في قسم من شعره، والمجتمعة في التركيب الفرنسي (Poème en prose ) تشير إلى "قصيدة موضوعة نثراً" أو "القصيدة الموضوعة نثراً" أو عن "قصيدة بالنثر"... أي أن التركيب الفرنسي يشير إلى أولوية في التعيين تعود إلى القصيدة، وأنها تتحقق في هذا النوع بالنثر. هذا يشير إلى اختلاف أكيد مع ما يفيده التركيب اللفظي العربي الساري: "قصيدة النثر"، الذي يعني كما لو أنه جرى الانتقال بالشعر إلى نطاق النثر، فيما المقصود وضع الشعر، وضع القصيدة، بالنثر أو نقلُ النثر إلى الشعر.
* غير أن البعض يتهم "قصيدة النثر"، أو "القصيدة الموضوعة نثراً" بأنها تجافي وتختلف عن الشاعرية العربية بخلاف "قصيدة التفعيلة"، على سبيل المثال. فماذا تقول؟
- إن الحديث عن قصيدة التفعيلة بوصفها سليلة الشعر العربي، وغيرها بوصفه سليل الشعر الأجنبي، يجانب حقيقة العمليات التي أصابت الشعر العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فما يطلق عليه تسمية "قصيدة التفعيلة" لا يعدو كونه الصيغة المتأخرة لمسار تاريخي شعري له أوجه وسمات فنية تعينت في تسميات أخرى، مثل "الشعر الحر"، "الشعر المنطلق"، و"الشعر المرسل" وغيرها. وهي صيغ شعرية توافق وتبتعد عما انطلقت منه، أي من نماذج من الشعر الغربي. إن مراجعة بسيطة لقصائد عربية كثيرة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين تظهر تأثرها، أو أخذها من صيغ الشعر الغربي. فما سمي بـ"الشعر الحر"، على سبيل المثال، في الشعر العربي تأثر بنمط فرنسي معروف. وهذا ما يمكن قوله في "الشعر المرسل" أيضاً الذي يجد صلته في الشعر الإنكليزي... إلا أن متابعة تجارب الشعر العربي المتأثرة بالأدب الغربي تظهر بأنها لم تتقيد تماماً بأي الصيغ هذه، وإن عرفتها وتأثرت بها. ويعود الأمر إلى إن الشعراء العرب المجددين لم يسعوا إلى التجديد، إلى التأثر، طلباً لتقليد، بل تجريباً لما يمكن أن يكون عليه التجديد انطلاقاً من مكونات القصيدة العربية. هذا ما يفسر، على سبيل المثال، ورود بعد التجارب الأولى في القرن التاسع عشر، خالية من القافية، او متنوعة القوافي. وهي صيغ تجربية أولى ما لبث الشعراء أن تحاشوها، إذ استعادوا صيغة وسطى احتفظت بموجبها بالقافية في أشكال مخففة وغير متوالية.
بهذا المعنى عرف الشعر العربي "قصيدة التفعيلة" أو "الصيدة الموضوعة نثراً" في السياق التاريخي والشاعري نفسه، في سياق تفاعله وتأثره بنماذج شعرية غربية. فلماذا يصح في "قصيدة التفعيلية" نسبتها إلى الأصالة والعروبة والشاعرية، وينسب غيرها، أي "القصيدة الموضوعة نثراً"، إلى الدخيل والعميل والنثري!
* قد يكون الفارق موجوداً في اعتماد القصيدة الأولى على البحر والتفعيلة فيما تفتقد إليها الثانية. ماذا تقول؟
- هذا الحكم لا يستند إلى وصف ومعاينة ودرس في غالبه، وإنما إلى أحكام مسبقة وإلى نظرة خارجية، قالبية وتصنيفية إلى القصيدة. فالمدافعون عن "قصيدة التفعيلة" ينزلون هذه القصيدة من جديد في نظام العروض فيما هي خرجت عليه. فدارس نماذج هذه القصائد – وهذا ما فعلته في كتابي "الشعرية العربية الحديثة" – يتحقق من أن النظام الموسيقي الذي تقوم عليه هذه القصيدة مختلف بين قصيدة وأخرى، ولا يكفي وصفه بأنه يعتمد على التفعيلة عنصراً بنائياً له، إذ أن تعويله على التفعيلة هو العنصر الأقل تحديداً لنظامه البنائي. وهي قصيدة أغنى وواقعها الموسيقي مما هي عليه في نظرات المدافعين عنها، إذ يجعلونها ظاهرة عروضية وحسب. وهم لا يفعلون في الغالب سوى نسبة هذه القصيدة إلى تفعيلات هذا البحر أو ذاك من دون درس موسيقيتها التي تحتاج إلى عدة درس غير العروض، وتتناول عناصر بناء الجمل وأشكال الربط بينها، فضلاً عن نظام الإيقاع الصوتي. والقول بأن القصيدة الموضوعة نثراً تجافي الإيقاع قول مردود، على ما درست في دراسات مختلفة وفي كتابي المذكور، إذ إنني تحققت من وجود إيقاعية ما في هذه القصائد، ولكن على الدارس أن يعاينها، أن يفحصها، أن يدرسها، لا أن ينظر إليها نظرة العروضي، الخارجية والقالبية ليس إلا. وهي بهذا المعنى أغنت الأشكال الفنية في الكتابة العربية، إذ نوعت أشكال ربط الجمل وتوزيع المقاطع والمطالع وغيرها، ما كشف عن إيقاعية بنائية غنية في الكتابة العربية، يقوى بها الشعر وأن تفيض عنه.
* ماذا عن كتاباتك الأخرى؟
- صدر كتابان في ترجمة الشعر عن "المجلس الوطني" في الكويت: واحد عن الشاعر ليوبولد سيدار سنغور، الرئيس–الشاعر السنغالي الراحل، وآخر عن الشاعرة اللبنانية–المصرية الأصل والكاتبة بالفرنسية اندريه شديد، وهما شاعران غير معروفين كفاية بين قراء العربية.
ولقد طلبت من ترجمتها، لا التعريف بهما وحسب، وانما أيضاً التعبير عبر الترجمة عن شعر كنت أتمنى كتابته في عدد كبير من قصائده. ذلك أن إقدامي على الترجمة يتعين في شهوتي الشعرية ليس إلا، أي تطلعي إلى امتلاك قصائد غيري.
* ولكن ماذا تقول، والحالة هذه، عن شعرك بعد ان تمت ترجمة قصائد كثيرة منه إلى الفرنسية والانكليزية والألمانية؟
- عليك أن تتوجهي بالسؤال إلى هؤلاء المترجمين، فلهم الاحقية بالجواب. وإذا كان لي أن أجيب فأقول إن القارئ عموماً، إذ يقرأ، يقوم بعملية تملك للنص الذي يقبل عليه. وهذا يصح في الترجمة كذلك، وإن سعت إلى الأمانة، إذ أن المترجم يتقيد ويلزم نفسه بضرورة نقل النص إلى لغة أخرى، هي الفرنسية أو الانكليزية، ولكن عبر لغته هو، أي خبرته وملكته فيها، أي بألفاظه هو وبعملياته الكتابية المخصوصة على النص.
لهذا يحلو لي، عند قراءة بعض قصائدي المترجمة، التوقف عندها والتعرف عليها، إذ تبدو غريبة وأليفة في آن: غريبة مثل قصيدة أخرى، وأليفة مثل العلاقة بالشبه لا بالأصل.
* وماذا عن عمل أكثر من فنان عربي على نقل قصائد لك إلى لغة التصوير؟
- هذا ما قام به واقعاً غير فنان عربي، مثل البحريني جمال عبد الرحيم، والعراقية هناء مال اله، واللبنانية ايتيل عدنان، والمصري محمد فتحي أبو النجا، وعملوا في تجاربهم الفنية المختلفة على تدبير علاقات متنوعة ومختلفة بين القصيدة والعمل التشكيلي. هي أعمال اشتغلت بدورها على النقل، على الترجمة، على إيجاد علاقات مع نص–أصل، أو منطلق للعمل الفني، ولكن بوسائل أخرى، غير اللغة، هي لغة التصوير نفسها من أشكال وألوان.
مع هذه الأعمال الفنية زادت الغربة طبعاً، ولكن اتسع في الوقت عينه نطاق التأويل. وهو ما يجدد أسس النظر الفني إلى النص الشعري، ويفتحه على فضاءات فاتنة ومثيرة.
(جريدة "الأنوار"، بيروت، في حلقتين، 2و3 كانون الأول-ديسمبر 2003).