مع عمر شبانة : أفتقد جسداً لنفسي غير جسد الجماعة

الشاعر والناقد والباحث في الجماليات والمترجم والأكاديمي شربل داغر واحد من الذين شكلوا حالة متميزة في الثقافة العربية. ينظر إلى التعدد من خلال ذات متفتحة على العالم والأسئلة والإشكاليات المتعددة التي تواجه الشعر والإبداع عموماً، كما يتبين في هذا الحوار الذي طاف في أرجاء الذات الإبداعية. ومن مجموعته “فتات البياض” إلى “رشم” و”تخت شرقي” ثم “حاطب ليل” وغيرها، خاض داغر في ميادين الشعر والتجريب ما لم يخض شاعر سواه من شعراء جيل السبعينات. ومن كتابه عن رسائل رامبو حتى كتابه عن ريلكه، وما بينهما من ترجمات للشعر الأفريقي، يبدو داغر مهموماً بالترجمة والأدب العالمي، وتتواصل بحوثه وكتاباته عن الفن التشكيلي والفنون الأخرى. فمن هو شربل داغر؟
* حين تكتب: “حاسوبي مجازي المحمول”، ما مقدار المجازي ومقدار الحقيقي في عبارتك هذه؟ وكيف لهذه الأداة أن تلعب هذا الدور البلاغي، الذي هو وظيفة من وظائف اللغة والمخيلة معاً؟
- سبق لأحد منظري خطابات وسائل الاتصال الحديثة أن شدد على أن “الوسيط المادي هو الرسالة”. وهو ما قاله قبله دارسون في اللغة، إذ تنبهوا إلى أن اللغة، السابقة على الفعل الكتابي والفردي، هي التي تبني النص وتفعل فيه، بل تتحكم به. وهو ما يعرفه الشاعر قبل غيره، إذ تسبقه اللغة، بعاداتها وتراكيبها ودلالاتها السارية، إلى طاولة المعنى والصياغة، وإلى الصفحة الإلكترونية كذلك. لهذا لست من الذين يستعذبون الكلام عن “رهاب” الصفحة البيضاء، إذ أنه نوع من التجميل العكسي لمقدرة الشاعر، الخالق، الذي ينشىء، حسب دعاوى هذا الشعر لنفسه، من عدم البياض، ومن عماه كذلك.
الصفحة البيضاء ليست موجودة واقعاً، بل هناك صفحات مسودة عديدة سابقة وممهدة للقصيدة. وما يفعله الشاعر قد لا يعدو كونه مجموعة من “التطريسات”، وفق التقاليد الكتابية الفرعونية القديمة، حيث نعرف أنها كتابة تدوينية فوق سطور سابقة غير ممحوة تماماً، بل تظهر مع غيرها.
إلا أن سؤالك يقود صوب وجهة أخرى كذلك، وهي التعايش والتفاعل والتنافس بين المجازي والحقيقي، ما يحتاج إلى نقاش مطلوب. لا أرى الحديث الذي يؤكد التمايز بين الحقيقي والمجازي أكيداً وناجزاً إلى هذا الحد، خاصة إذا نظرنا إلى وقوع الكلام، ومنه الشعري، في نطاق التداول الاجتماعي والإنساني. ويزيد من لزوم هذا الكلام بروز العالم الافتراضي كشكل تداولي جديد يوفره عالم الحاسوب اليوم. فالحاسوب ليس آلة تقنية جديدة لتدوين الكتابة، ولا لممارستها وحسب، مثلما ينظر إليها البعض، وإنما يضع الكاتب والكتابة في نطاق تأليف مختلف، تتموج فيه الحدود داخل الذات الكاتبة نفسها، إذ يتيح هذا النطاق مجالاً أوسع من التعين والخفاء للذات، ومن التلطي والاحتجاب والتعدد والانكشاف لها. وهذا ما تصيبه الكتابة نفسها، إذ باتت تندرج في محترفات مفتوحة على أشكال بناء متغيرة.
* بعد هذه الرحلة مع الشعر والنقد والأبحاث الجمالية والمنفى في الوطن وخارجه، من هو شربل الآن؟ هل عرفت من هو؟ هل كتبته بما يجعله واضح المعالم أم تشعر أنك كلما كتبته ازددت جهلاً به؟
- هو أكثر من سؤال، والأجوبة متعددة بالتالي، فضلاً عن أن الإجابات قد لا تكون منسجمة بالضرورة، بل متبدلة تبعاً لمجريات الزمن والسيرة. أما السؤال الأول عما هو شربل اليوم، فالجواب عنه سهل ومحرج في آن. سهلٌ بحكم أن طرح السؤال يندرج بعد مجموعاتٍ من أفعالِ حياة وإقامة وكتابة، ما يتيح مقادير من الإجابة، من دون أن تكون افتخارية أو توكيدية في ما تقوله بالضرورة. فشربل الآن هو مجموع الإنجازات الحاصلة وغير الحاصلة كذلك. وهو حصيلة ما عمله وحلم به من دون رسم واضح بالضرورة، بل بالتوافق مع ممكنات أُتيحت له، فاحتفظ ببعضها وأسقط بعضها الآخر. والجواب محرج كذلك لأنه يطلب مني إجراء جردة حساب متعجلة، وهو ما لا أجد حاجة إليه، لا لخشيتي من نتائج الجردة، وإنما لأنني مشغول كفاية بما أفعله، سواء في الحياة أو في الكتابة، ومندفعٌ فيه بما يولِّد وقوداً متمادياً لاندفاعتي هذه. وهو ما يعني تعويلي على سند داخلي بات يسند حركتي ويكفلها، ولا يعرضها لاهتزازات على الرغم من التخلعات الخارجية الشديدة.
يصعب عليَّ رسمُ مسارٍ تتابعي لسيرتي، أنا الذي لم يكن يتعدى وعيي لنفسي وبما ما آمل به، عشية الحرب في لبنان، سوى ولعي بالشعر في نوع من الهواية السامية، غير آبه أو مبال بما سيكون عليه عملي، أو مهنتي، أو استهدافاتي. كنت مندفعاً في صخب جلي، ولكن بعقلية الهاوي المثالي، غير مدرك أننا لم نكن سوى ممثلين معدودي العدة في مسرحية تتعدانا بكثير. كنت أهجس وأعمل من أجل التغيير، وإذا بي معتقل على حاجز طائفي، بعد أيام قليلة على اندلاع الحرب، وأكثر من مرة، من مقاتلين كنت أظن أننا كنا نعمل معاً من أجل الحرية. خرجت من لبنان، بل من جنة أوهامي، بقسوة لم أدرك حجمها إلا بعد سنوات. خرجتُ على عجل، من دون أن أقول وداعاً، من دون مراسيم، تحت جنح الظلام، في البحر، بأوراق غير شرعية. خرجتُ إلى قدري المبهم أعزل، سيد، ولكن من دون زاد. خرجتُ بحقيبة تصلح لأيام عطلة، من دون ثيابي، من دون كتبي، من دون أشياء قليلة، حميمة، كانت تخصني وترافقني حتى تلك الأيام.
لم أكن أدرك، يومها، حجم التخلي، مقادير العزلة المستحقة في العراء. عراء داخلي قبل عراء النفي، بل التهجير كما أسميه. ذلك أنني كنت قد جعلتُ من التغيير أصلي المستجد، أو نسبي المتبنى، لدرجة علَّقْتُ فيها نفسي عن أن تكون: أن تكون لها مطالب مخصوصة بها، بتربيتها، بمستقبلها. أقول، اليوم، لنفسي: الحمد لله كان الشعر موجوداً، وإن في نوع من اللهو، من العبث، من اجتراح الذات، من اجتراح موقع ولو وهمي لها. لأنني من دون الشعر كنت سأقع على أرض الوقائع، ولقد وقعت بعد اندلاع الحرب مكشوفاً وعارياً إلا من خيبتي المرعبة: خيبتي من كوني أفتقد جسداً لنفسي غير جسد الجماعة والمجموعة الحزبية.
إلا أن الشعر لا يكفي بدوره، خاصة وأنني لم أطلب منه سلكاً للترقي، للتصدر، مثلما سعى إليه البعض. هكذا انقطعت بعد سنوات قليلة على انتقالي إلى باريس عن الشعر، وانسقت في عودة طويلة ومتعرجة إلى النفس، حيث لم تكن، أو حيث كانت من دون أن أكون مكتفياً بها أو راضياً عنها. هكذا عشت لسنوات – كان لها أن تكون أقوى سنوات العطاء والتحقق – في مراجعة قاسية مع النفس: عما لم تكنه. كنتُ في احتراب مع نفسي، في عدم رضا عليها، في عدم قبول لها. أشبه بعصفور يتخلى عن ريشه القليل، وعما حمله في حقيبته الخفيفة.
شربل اليوم هو الذي يضطلع بسيرته المتقلبة والمتغيرة، ويسعى إلى شق مسار، له أن يجد فيه بعض إجابات عن القلق الذي يصيب حياته كلما خلد إلى مخدته ليلاً، وكلما استقبل وجهه صباحاً في المرآة، في هيئة هواجس مؤجلة وملحة في آن. هذا الشربل يخصني ويتعداني في آن. يخصني إذ أن طلبي على الحياة يعنيني وحدي، بما لا أريده أن يكون موضوعاً لتداول، بل شاغلاً معقداً وخفياً في الكتابة، وأكثر في الحياة نفسها. إلا أن هذا يتعداني أيضاً، إذ بات يصعب عليَّ تخيلَ وجهة مفاجئة لحياتي بعد الذي جرى. هكذا أنا مندمج في كتابتي اندماجاً بات يستحيل الفكاك منه، أو التراجع عنه. وأقول كما قال أحد شخوص مسرحية لشكسبير: "لقد مضيتُ بعيداً بحيث بات التقدم أسهل من التراجع". ولقد تحققت منذ سنوات من أن دوافعي إلى الكتابة باتت فيها، مثل لذتي منها، تتناسل من تلقاء نفسها، وليس من أهداف بعينها. فلا الجوائز أو المناصب أو الرتب وغيرها تشحذ مخيلتي، أو طاقتي. ولا أحسبُ ذلك صورةً متسامية عما أقوم به، بل هو نوعٌ من الوله المتمادي، المثالي والثقافي، باللغة، بالكتابة، بمكانتها، لا يبتعد عما عرفه أسلاف لي، في قريتي، في عائلتي، على أن اللغة كانت لهم عالماً مهنياً وسياسياً يتيح لهم أعمالاً وسطوة وتميزاً بين أقرانهم، وفي مجتمعهم، فيما خفَّتْ وخبتْ الحمية التي كانت تجمعني بزملاء شعراء، في كليتي الجامعية، عند بدايتنا الاحترافية للشعر. فلا أحد يقرأ الشعر، اليوم، وبدايةً الشعراء أنفسهم. وما بقي له فسحة تضيق، أحالته إلى حروب صغيرة تمارس فيها أشنع أشكال القتل الرمزي، وتستبد بها أنواع الغيرة القاسية. هكذا نبدو ممسكين بعالم لا نحسن الخروج منه، لأننا لا نعرف غيره.
أنا أكتب ما أكتبه لأنني لا أحسن – حتى لو طلبتُ – فعلَ أي شيء غير هذا، وأنا أتحقق من أنني لا أحسن تثبيت مسمار في حائط، وأفشل في مهام بسيطة يقدم عليها أي مراهق. أكتب يأساً، أو في نوع من الإصرار اليائس، وحدي فوق صفحة أخالها تضج بعوالم وأناس، فيما لا تعدو كونها مسرحيتي الافتراضية.
شربل هو السابح في هذا النهر من دون كلل، في نوع من المكابرة النبيلة. حرب لبنان دمغتني بجراح قد تزول أوجاعها، إلا أن ندوبها ظاهرة أبداً. هذه الحرب حكمتني، حكمت حياتي وكتابتي، أنا مثل غيري، بما هي هوية شاقة وشقية، ما يزيد ويشدد من علاقتي بالكتابة، وبالشعر خصوصاً. هذا يبقيني على صلة مستمرة بوطن كنت ألهو فيه إلى درجة نسيانه تماماً. وأفتقده، اليوم، في صور متعددة تجعلني غريباً فيه وعنه في صورة بائسة. بقي الشعر، بقيت هذه الصلة، بقي أن أقول الرغبة في الاجتماع الإنساني، في أن نكون أفراداً، لا قطعاناً في استبداد معمم.
* ولكن هل عرفت من هو شربل؟
- هو ليس واحداً لكي أعرفه، وأتيقن منه. هو نفسه وغيره، بعد أن دبرت له الحياة مسارات، حاد عنها أو سلكها، من دون أن تكون مطلوبة أو مرغوبة: مثل انتقالي إلى باريس في العام 1976، أو عودتي إلى لبنان في العام 1994، أو إقدامي في مرتين على إعداد شهادة دكتوراه من دون أن أستهدف من ذلك التدريس في الجامعة، أو التحاقي بعد وقت بالعمل الجامعي، فيما عرضت على بعد العام 1982 فرصة للتدريس في السوربون فرفضت.
ما يمكنني قوله عن شربل هذا هو أنني تعلمت العيش معه بعد مجاهدات ومكابدات، والتحاور المديد معه، وقد بات في إمكاننا البقاء طويلاً، معاً، في جلسات لا تخلو من النكات والمقالب. هذا بعد أن تحققت من أن لنا حياة ثانية، تربية ثانية، إن شئنا. تربية عصامية طبعاً، نتعلم فيها في جلسات نقدية مع النفس، ونتعلم من الغير، من خبرات الحياة، ونسعى فيها إلى نوع من الحوار، من التوافق، بين ما نريده من معنى للحياة، ومن معنى لنا في الحياة، وبين ما تتيحه الحياة نفسها من إمكانات وسبل.
أعايشه، إذن، ولكن من دون أن أعرفه بالضرورة، لأنه قيد الإتيان، ولأن الصداقة، مثل الحب، تحتمل بين طرفيها مقادير كبيرة من الجهل والغش والوهم. أليس كذلك؟
* أستعيد سؤالي من جديد: هل كتبت شربل بما يجعله واضح المعالم أم تشعر أنك كلما كتبته ازددت جهلاً به؟
- لا يزداد الجهل، بل الحيرة. كما تزداد الرغبة أحياناً في أن تكون غير ما أنت عليه، ولو أنت جالسٌ أمام حاسوب وحسب. أعرف من دون شك، أو قد حصَّلتُ، بفعل التجارب الحياتية، خبرةً بتُّ أتأكدُ من وجودها، من معرفة ردودها إزاء هذا الأمر أو ذاك. هذا ما أعفاني من خيبات قاسية، أو مكنني من اختصار بعض السبل أحياناً. أشدد كثيراً على هذه الخبرة الحياتية، التي يمكن حسبانها في باب اقتصاد الحياة، أو معرفة قواعدها. إلا أن خبرتي هذه لا تعفيني من وقوعي في مفاجآت مع نفسي. وهذا ما يروق لي حدوثه، إذ أنه يفيدني عن أمر جديد يثير حماستي، يرفعني من كرسي الخامل، أو يدفعني في صورة خرقاء فوق دروب غامضة. هذا يعني أن رغبتي الغامضة تحركني، تقودني إلى تهلكات غير محسوبة، وإلى مغامرات فيها بعضُ إصراري على الحياة وبعضُ اكتشافي لها.
لهذا كلما بان غموض، أو اضطراب، أسرعتُ إلى تلقيه برغبة الحاني، والحريص. إذ أن فيه ما يحرضني على التجدد والتغير والمفارقة. إلا أنه وجب التمييز دوماً، في كل ما أقوله، سواء عن نفسي أو عنها في كتابتي، لأنهما لا يتطابقان، بل يتنافسان ويتباينان أحياناً من دون أن يكون في الأمر حيلة، أو إخراج. ففي الكتابة ما يثير أكثر من الحياة نفسها أحياناً، أشبه بتعويض عما لم يكن، ولن يكون. فالكلمات تتدبر مسالك لها، تثير شهيتي أكثر من فرص الحياة نفسها أحياناً. بل تبدو الحياة – لو طلبتُ إجراء مقارنة – أقل إثارة من الكتابة عنها. وهو الفارق الذي أنتبه إليه عندما أتابع فيلماً، إذ قد يستجمع في تسعين دقيقة ما لا يجتمع في حياة بكاملها، عدا أنه يُعرِّض الحياة نفسها لامتحانات وتغيرات قد تبقى قيد التساؤل والتمني ليس إلا.
* لنستوقف هذا الفيلم، في محطتك الأولى، محطة الطفولة، بوصفها أحد منابع الشعر، كما يعتقد كثيرون. فما الذي تراه من الطفولة: الكائن في المكان والزمان، البيت الأول والطبيعة الأولى والحقل الأول و... كل ما هو أول؟ وإلى أي حد أسهمت هذه الطفولة في تكوينك على هذا النحو الذي أنت عليه؟
- ليس الأمر بهذا اليسر. وما وجب الحديث عنه ليس واحداً، ولا منسجماً، عدا أنني أنظر إلى ما كنته، إلى طفولتي، نظرات مختلفة، سواء في وعيي لنفسي أو في كتابتي عنها. فعما أتكلم، والحالة كذلك؟
لأوضح، بداية، أن الحديث عن العهد “الأول”، عهد التكوين، خرافة لا أطيقها ولا أستسيغ تكرار الحديث عنها. فالمكان الأول في كتابتي ليس الأول في حياتي نفسها. فما كتبت عنه في مجموعة “حاطب ليل”، الذي يستعيد مناخات طفولية، ينتسب إلى مكان الأجداد والأهل، لا إلى مكاني. وقريتي هذه هي مكان الاصطياف، لا النشأة، على قيمتها في تربيتي. عدت إليها في القصيدة، بعد أن عدت إلى لبنان، وطلبت تجميعاً لسيرتي فيها، لأن المدينة تعني التفرق والتشتت، فيصعب إجراء الحسبة الرمزية التي طلبت. هكذا نصبت محلاً لمحاكمة، أكثر مما عدت لذكرى أو استجبت لحنين.
ومع ذلك أتحقق من أنني شبيه بما كانه غيري، قبلي، وعلى مقربة مني، في قريتي هذه، بين أقراني، وفي تعابير وسلوكات يجمع غيري على ملاحظتها فيَّ كما في أناس قريبين مني. وهو ما ألقاه في سلوكات عديدين ممن جمعتني بهم وتجمعني ظروف العمل والحياة، ما يمنح بعضنا على الأقل سمات في الكتابة، أو في التوهم، أو في الأفضليات وغيرها. إلا أن هذه السمات لا تعني شيئاً لو طلبنا الاقتراب من الكتابة، من الصور التي نطلقها على أنفسنا، في الكتابة وبها.
إن عودتي إلى هذه الأمكنة الأولى كانت أشبه بعودة المنتقم، بل الناقم، عما كانه وعما لم يقدر التخلص منه في سنوات ترحاله، بعيداً عن هذه الأمكنة وموصولاً بها في آن. عودة إلى حيث انعقدت أسباب علاقة لا أتوانى عن الفكاك منها، وعن تدبر سبل أخرى في العيش والسلوك والتوهم. ومع ذلك أقول أيضاً إن العودة لم تكن أمينة، وسردُ السيرة لم يكن دقيقاً، هو الآخر، إذ إن ما كتبته لم أعشه كله بالضرورة، بل عاشته القصيدة في بنائها، في توليدها لاحتمالات تكشفت لها وتبنتها.
ولو قرأت، سواء في الشعر أو في الرواية وغيرها، لوجدت أن العودة إلى المنبت الطفولي عودة مجيدة في الغالب، رعوية، توائمية، مثل تنزيه الوطن عما يفعله أبناؤه فيه. لهذه الكتابة مكان بريء تحتاج إليه، لا يدخله الخطأ، ولا التصدع. ولا يهم إن كان هذا المكان قديماً، واقعياً، متخيلاً أم غير ذلك. لعله الأندلس، أو فلسطين، أو الحبيبة، أو الثورة وغيرها. مكان له أن يكفل المعنى دوماً: يكفي أن تُلحق المعنى به لكي يصبح صالحاً، بل شعرياً أيضاً.
هذا ما لاحظه أحد النقاد، على سبيل المثال، في صورة “الجبل” في شعري، حيث أنه جبل جهم، أجرد، يسحق ما عداه، فيما يضيق الأدب اللبناني بنصوص تستفيض في قول “الجبل الأخضر”، و”الجبل الملهم”. هذا ما يمكنني قوله في الحبيبة كذلك إذ أنها تبدو في عدد من قصائد “تخت شرقي” حبيبة سبق لها أن أحبت قبل أن تحبني، وهو ما لا نألفه عادة في القصيدة العربية.
ما أريد قوله، بعيداً عن هذه الأمثلة وغيرها، هو أن العلاقة بالموقع، بالإنسان، لا بمكانتهما، هي التي تملي المعنى وتنتجه في القصيدة. المعنى قيد الكتابة والتجريب في القصيدة، ولا يستند بالتالي إلى تعيينات سابقة، وإلى الموروث الاجتماعي والعائلي والقيمي واقعاً، أي إلى إرث تقليدي بالضرورة. هذا ما يفسر القوة الآسرة لرواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري، إذ أنها تروي سيرة صارخة بقسوتها من دون تزييف أو تجميل، مثل كثير من السير الفعلية لأدباء من دون أن يكتبوها فعلاً. غالباً ما تصون القصيدة العربية في مبانيها مثل هذه الحصون المنيعة، وبذرائع سامية طبعاً، تبقيها خارج التناول مرتين: مرة خارج القصيدة، ومرة في داخلها.
* إلى جانب هذه العناصر الطفولية، ما أبرز العناصر التي شكلت تجربة البدايات؟ وما المكونات الثقافية التي شكلت تجربة شعرك؟
- ها أنت تطلب مني التمدد فوق سرير التحليل النفساني، على أنني المريض والمحلل في آن. يصعب عليّ مثل هذا الأمر، وإن كنت أجريه على نفسي أحياناً، في نوع من المحاسبات والاستدراكات والتصويبات التي قد لا تعني شيئاً سوى تطمين النفس على ذاتها، وعلى أنها مالكة وقيمة على نفسها.
يعنيني الوقوف عند أمر وحسب، أتحقق منه كثيراً، وأجده ملازماً لي. وهو الحذر والخشية والتحقق من قدمي قبل أن تصبح خطوتي. وهو ما قلته شعراً في قصيدتين مختلفتين: واحدة بعنوان: “كلية التربية”، أقول فيها، في جملة واحدة هي مجمل القصيدة: “كنتُ أصعد على درج تنبسطُ درجاته أمامي كلما وقعتْ قدمي على الهواء”، وأقول في قصيدة ثانية: “أينما كنت/كمن يزن قدمَه/قبل أن تصبح خطوته”.
ذلك أنني كنت شديد الغفلة عما يحيط بي، عما يكون المشهد الإنساني والاجتماعي من حولي. كنا نكتفي بوصف مشهد القمع السياسي غير مدركين للكبت الاجتماعي الذي لا ترعاه الدول والمؤسسات وحدها، وإنما العلاقات الاجتماعية، في البيت والشارع والمدرسة وغيرها. وهو كبت يمنع الفعل الفردي من أن يكون. فالرقباء موجودون، في الطابق عينه، في موقف السيارات، في محل الشراء؛ الرقباء جيراننا، هم الذين يضبطون إيقاع حركتنا، التي تستحيل - والحالة هذه - إلى حركة طقوسية ليس إلا. إلى حركة تجهد في تنظيم اللباس، أو النظر، أو الجلوس، أي كل ما له أن يكون في النطاق الفردي والخصوصي. وهي حركة تبطل الجهد الفردي وتفتّح المقدرات الاجتماعية، ولا سيما القدرة على التخيل، على المبادرة، على التنوع.
لهذا أقول بالحاجة إلى طفولة أخرى، ثانية، غير الأولى. طفولة نستطيع فيها عيش ما لم تتحه واقعاً طفولاتنا، إذ أنها في غالبها السجن الأول، مثل المدرسة، التي تربينا، على الرغم من بعض لحظات الطيش والهرب، على الممنوعات والإكراهات: تتيح الطفولة أحياناً مقادير قليلة من التفلت، يتمكن فيها الطفل، الذي لا يزال قاصراً بعد في الأعراف الاجتماعية، وحيث الأنثى ليست أنثى بعد ولا الذكر ذكراً بعد، يتمكن فيها الطفل من عيش لحظات اختلاط نادرة، ومن عيش سلوكات فيها مقادير من التخلع أحياناً... يتمكن إذن من العيش في عوالم مختلفة لن يقوى عليها لاحقاً في عالم الرشد. هذا ما يفسر كيف أن الذكر يجر وراءه في سن الرشد منغصات مراهقته، وكذلك الأنثى التي تعيش، وهي والدة أو جدة أحياناً، ما لم تعشه في المراهقة.
* أقف عند الإهداء في مجموعتك الشعرية الأولى، “فتات البياض”، حيث تكتب: “إلى شربل: لئلا يصبح شاعراً”. الآن، وما دمت قد أصبحت شاعراً، فما الذي قصدته تحديداً بهذه العبارة؟ ألا تخشى من اعتبار البعض هذه العبارة مخاتلة لاصطياد الشعر واحتياز الشاعرية؟
- كنت ألهو من دون شك حين وضعت هذا الإهداء في صدر مجموعتي الأولى، في وجه من أوجه الاختبارية المجانية التي طلبتها في الشعر. وكنت جاداً في ذلك أيضاً إذ كنت أتهيب حينها من ولوج عالم الشعر في صورة احترافية، أو في صورة تسبقني إليها المكانة الاعتبارية التي جعلناها للشعر في ثقافتنا. وهذا القول جديّ في ما يتعدى الإهداء نفسه، ذلك أنني لو لم أقدم من جديد على نشر الشعر، لصحت نبوءتي في نفسي. وهذا يعني أنني لم أنصب فخاً، أو مقلباً، ما لبثت أن كشفته. وللتذكير فقط: النقاد والصحافيون هم الذين أعادوا طرح هذا السؤال أكثر من مرة، لا أنا.
قد لا أتورع، اليوم، عن وضع الإهداء عينه في صدر إحدى مجموعاتي، لو لم أفعله في ما سبق. ذلك أن هناك علاقة تردد وخشية وهواية مجانية تحدد علاقتي بالشعر، ولا أستسيغ التخلي عنها، وإن باتت لي صلة موصولة، مستمرة، بإنتاج الشعر. في مثل هذا الإهداء نوع من المداعبة، من السخرية اللطيفة من مكانة معتبرة للشعر والشاعر. وفي هذا الإهداء طلبٌ على الشعر في ينابيعه الأبعد، حيث له أن يكون في حسابي، أي أن يكون صوتاً في ما يسبق وجه الشاعر نفسه، أو اسمه، أو صيته، وفي ما يتعداه أيضاً. ولو كان لي أن أستعيد سيرتي، الشعرية على الأقل، لكنت عمدت إلى اسم فني بدل اسمي العائلي، متحصناً خلفه فعلاً. لهذا تراني في كثير من أقوالي عن الشعر، عن شعري، لا أنسب تماماً ما أكتبه إلى اسمي، بل إلى غيري أيضاً.
* يلحظ قارىء شعرك أن لك ذوات متعددة داخل النص الشعري، وأريد أن أسألك، وأنت تجمع الشاعر والناقد للشعر، كيف تجمع هذه الذوات الممزقة في ذات واحدة، وكيف تجمع الشاعر والناقد معاً، وتظل أنت ذاتك؟ وإلى أي حد تشكل كل ذات من ذواتك ذاتاً متميزة ومكتملة ومستقلة، أم أن الذوات أدوات تستعملها وتشغلها لمصلحتك؟ وكيف هي العلاقة بينها جميعاً؟
- يستسهل النقد عموماً تنسيب القول الشعري في القصيدة إلى كاتب القصيدة نفسه، مثلما أصبح الاسم الفني، الاسم السري، لشاعر مثل أدونيس أكثر شهرة من اسمه العائلي، فانقلبت الآية تماماً... القضية أعقد بكثير مما يتوهم البعض. هذا ما يمكن قوله في النقد الروائي، على سبيل المثال، حيث نميز في الرواية الواحدة بين الروائي نفسه وراوي الرواية والمتكلمين بلغة الأنا في مواضع مختلفة من حواراتها، فكيف إذا بادر أحد هؤلاء إلى أنواع من المخاطبة مع نفسه، مع ما كان عليه في موقع ما وغيره من الأحوال، التي تظهر تعدد الأنا، تموجها، تلبسها لحالات.
هذه الأحوال أعقدُ في الشعر، ودرسُها أصعب كذلك. وهو ما حاولته في درسي للمتكلم ولعلاقاته بأطراف الكلام، في مجموعات شعرية عدة. لن أستعيد، هنا، ما توصلت إليه في هذه الدراسات. أكتفي فقط بالقول بأن المتكلم في القصيدة سابق على علاقات التعيين التي تنبني في القصيدة، فلا يصيب المتكلم أي تحول بين ما كانه قبل مباشرة القصيدة وما ينتهي إليه بعد الانتهاء منها.
ليست القصيدة مسرحية تؤدي إلى عملية تطهرية، فتصيب النفس بما يعرضها لتقليب أحوالها المختلفة، وإنما المقصود أن هناك في الشعر، في عملياته، لو طلبناها وفق هذا التصور، ما يعرض الأنا المتكلمة لتجارب حوارية، ما يخرجها من ثباتها الموقعي، الاجتماعي، والنفسي (أي ما هي عليه وتريد أن تكون عليه في “تسويقها” لنفسها عن نفسها ولغيرها). ولو شئت تصوير الحال، لقلت بأن هناك من القصائد ما تصدر عن مرتبة، عن موقع خطابة، تتوجه منه إلى غيرها. وهي حال قديمة نراها في الشعر القديم، حيث القصيدة - في ما خلا أحوالاً معدودة، مثل وقوع المتنبي في الحمى أو أبو فراس في الأسر، أو غيره في حالات الإحباط والشعور بالتخلي - صحيحة وسليمة ومدركة لما تقوله، لما يصدر عنها. فالمتكلم في هذه القصائد منبر لغوي، موقع إرسالي، لا يأتيه التردد من أية جهة، وإذا أصابه خدش أو ألم فهو يصيب اعتزازه بنفسه، وكيف أن الآخرين لا يشاركونه تقديره الفائق لنفسه العزيزة.
الشاعر العربي الحديث أقل اعتداداً بنفسه من زميله القديم، إلا عند بعضهم ممن لا يحاورون سوى الكليات الكبرى في حياتنا وقيمنا، مثل الحضارة والثورة والخلود وغيرها، أو ممن لا يصيبهم سوى ألم المخلوقات العظيمة في خلوتها. الشاعر العربي الحديث أكثر هشاشة، وأكثر تلمساً لأقوال التردد والشك والخفة أحياناً.
* ولكن ماذا عن ذواتك أنت؟
- أحسب أن مباشرتي للقصيدة تُعرِّضُ سلفاً موقع الكلام لما يبعده عما كان عليه، لما يدرجه في علاقات وتبادلات يخرج منها، في اختتام القصيدة، مختلفاً عما بدأ به. هذا يجعل القصيدة محل إنتاج، محل تجريب، محل انصباب أصوات عديدة، ما يتيح لتعدد أن يكون. وهنا وجب التمييز بين الذات والأصوات: لا أعرف إذا كانت قصائدي تعرض لذوات متعددة، إذ أن ذلك يحتاج إلى تحليل يتعدى مقدراتي، وهو الوقوف على تجليات العصاب النفسي في الكتابة وعبرها. أعرف أن إقبالي على أنواع كتابية عديدة، بين الشعر ونقده والجماليات والترجمة وغيرها، يثير أسئلة عديدة عند من يعتنون بتقديم ونقد مؤلفاتي، فضلاً عن أن بعضهم اقترح تفسيرات مبتكرة لمثل هذا التعدد.
الحديث عن الذات، وعن الذوات، وعنها بوصفها ذوات ممزقة، كما تقول، حديث شائك، خاصة وأنه يطلب مني أن أتمدد بمعنى التحليل النفساني، وأن أخضع للتحليل. هذا أتركه لغيري، على أي حال، إن كان يثير اهتمامه. ما يعنيني هو الأنا الكتابية، وهي تتهيأ، كلما أقدمت على القول، لقبول غيرها، لأن تصير مسرحَ قول. وقد لا يعني هذا سوى وجود ذوات بالمعنى الكتابي، وبالمعنى الاجتماعي كذلك. ذلك أن ما يبلغ هذا المسرحَ لا يصدر عني إلا بوصفي مكان تلفظ، مكان تعبير، مكان صياغة، ليس إلا. فبمجرد ما أن تنتصب خشبات هذا المسرح تهب إليها أقوال سمعتها، وقرأتها، أو تخاصمت معها، طالما أن الخشبات المسرحية ترسم حلبة صدى وحلبة إنتاج أصوات. هناك كثيرون يسرعون إلى تبني هذه الأصوات، إلى التصرف معها بوصفها من ملكياتهم الأكيدة، فيما أتجنب مثل هذا المسعى الاستحواذي، وأمكِّنُ نفسي أكثر – إذا جاز التشبيه – من أن تكون متنصة لغيرها، إذ أقول في قصيدة: "أكتبُ إذ أُحسن الاستماع".
لهذا ليست الذوات هذه، في ظني، ذواتاًَ مكتملة أو مستقلة، وإنما تشير إلى تقليب الكلام وتقليب النفس وغيرها من أعمال التخويض في الذات والآخر. وهي نوع من السفر المفتوح، على الرغم من أنه يبعد بالنفس لكي تقترب أكثر. ألا أقول في قصيدة: "أعليَّ أن اسافر لكي أجد نفسي؟"
* هل تطمح في قصيدتك إلى تأسيس نمط من الحداثة الشعرية؟ وكم يلتقي شعرك مع النمط الذي تُنظِّر له في كتاباتك النظرية؟ إلى أي حد يتفق الشاعر والمنظر فيك؟
- هذا ما قاله أحد النقاد، إذ شدد على أنني أطلق “موجة حداثية جديدة” في الشعر العربي. وهذا ما تنبه إليه غيره من سمات في شعري، لجهة اختلافها البين مع غيرها، بما فيها خصوصاً أشعار أقراني المجايلين لي. هذه أحكام قيمة بقدر ما تميل إلى الوصف، ولا يسعني الحكم عليها بدوري. ما يمكنني قوله يتعين في المسعى، في التطلع، ليس إلا. وهو أنني لم أعتن بالقصيدة، بارتكابها، إلا بالقدر الذي وجدت فيه ضرورة لها، لما تقوله. وفي هذا السياق أفادني درسي للشعر الحديث والقديم من دون شك، إذ جعلني أدخل إلى محترفات شعرية عديدة، ودفعني إلى التحقق من علاقات الموقع الفردي والاجتماعي خصوصاً بالوظيفة المتعينة للشعر والشاعر في مجتمعاتنا وثقافتنا.
أفاد هذا من ذاك، من دون أن يقتصر الأمر على الشق الاحترافي أو التقني. ذلك أن ما يحركني في هذه التجارب المختلفة، وما يشكل سنداً لمواقفي، ينطلق من الوجود نفسه، من موقعي فيه، من طلبي لعلاقة بين الشعر والموقع، بين الفكر والموقع، بين الشعر والفكر. وهي علاقات أطلب منها حيويتها، أي خروجها تحديداً عن أي نمط، سابق أو مطلوب. فلكل قصيدة نمطها، إذا جاز القول، أي تشكلها الحيوي الذي لا تشبه فيه غيرها، بما فيه شعري تحديداً. هذا ما أنتبه إليه في أحوال كتابة قصيدة جديدة، إذ أتحقق أحياناً من كوني أدور في المدارات عينها، أي السابقة عليها. وهو ما يريحني، من جهة، إذ يؤكدني في شواغلي، في إلحاحاتي على المعنى، انطلاقاً من هواجس تضغط عليَّ وتكتبني قبل أن أكتبها واقعاً. وهو ما يدعوني إلى اليقظة، من جهة ثانية، إذ يجعلني أحيد بالقصيدة عما تنساق إليه، صوب ما لها أن تتبينه، أن تبنيه، أن تكتشفه، هي وأنا معها. أعمل لكي تكون لكل قصيدة فرادتها، اختلافها، وهو ما تتيحه القصيدة الموضوعة نثراً، وما أعمل عليه فيها. إذ أنها قصيدة تتوصل إلى شكلها بقدر ما تبنيه، أشبه بارتياد عالم مغلق على أنه انبناء له.
* كيف ترى علاقة النص الشعري بالحياة، وما ينبغي أن يعبر عنه من مواقف؟ وكيف يجد لغة تعبير جديدة ومختلفة و... مؤثرة وفاعلة؟
- علاقة النص الشعري بالحياة علاقة حياة، إذ يطلب النص من الحياة أن تمده بأسباب النشأة والنماء والتجدد. وهي علاقة تتعدى صيغة “الانعكاس” التي عوَّل عليها بعض النقد لتفسير الظواهر الأدبية في نشأتها وتعبيراتها. فالقصيدة ليست ترجمة، أمينة أو مباينة، لما كانته الحياة نفسها. ذلك أن القصيدة بناء مخصوص، يتدبر ما يحتاجه في كيفيات شديدة التعقيد. والقصيدة قبل ذلك كله تجربة بالمعنى الحياتي للكلمة، مخصوصة ومبتكرة، لا يمكن اختصارها بما كانته تجربة بعينها في الحياة.
ما توفره الحياة للقصيدة، بعيداً عن أحداثها ووقائعها سواء السعيدة أو الحزينة، الرتيبة أو المفاجئة، هو الرغبة في القصيدة، في الإقبال عليها. وقد يكون الحب في الحياة أشد هذه الوقائع والأحداث فعلاً في استثارة القصيدة من مواقعها. حتى أن الشاعر، من فرط ما يعرف من حبور، من إقدام، يخال العالم متحركاً، قابلاً لتشكيلات، فيرى الأشياء والعناصر تتنقل بخفة ملحوظة، حتى أنها تقبل بما لم تعتد عليه، أو رزحت تحته، تحت غبار العادة.
* في شعرك فاعلان: التجربة الحياتية والتجربة الثقافية، وهما يفعلان بالتوازي معاً، ألا تخشى من شبهة التثاقف وسيادة الثقافة على التجربة الحية؟ وكيف تستطيع إقامة التوازن بينهما؟ أم أن الأمر لا يعنيك؟
- بلى، إنه يعنيني، إلا أنني لا أجلس لمحاسبة نفسي، ناظراً ما إذا كان التوازن مختلاً أم دقيقاً. والثنائية التي تتحدث عنها قد لا تكون أكيدة إذ قد تتعدى ذلك، أو تأتلف في واحدة وحسب، مثل التجربة الموقعية. وهو تعبير أستسيغه كثيراً، وأستعمله في دراساتي الشعرية كذلك، إذ أجد أن ممارسة الشعر وممارسة النقد وغيرها عملٌ موقعي، في الوجود. وهو عمل بالتالي تتداخل فيه وتتشابك العوامل أو الفواعل، كما تقول. فأنا لا أحسن التمييز بين ما هو حياتي وما هو ثقافي بهذه الدرجة من التمييز، طالما أنني سعيت وأسعى إلى إيجاد وتجديد الروابط الموجودة والممكنة بين الحياة والفكر، بين الحس والتأمل، بين المعاينة والتجريد.
إلى هذا، وجب القول إن الخشية من سيادة الثقافة ممكنة إذا جعل الشاعر من القصيدة مكاناً لإبلاغ، لتأكيد أفكار أو قناعات أو مواقف سابقة على القصيدة، وعلى تحققها اللفظي. إلا أن هذه الخشية تتداعى ما أن يقوم الشعر على التردد، على الشك، على تلمس الهش والخفيف والعابر. فالمعاني قلما تأتي مستقرة في قصائدي، وإنما هي في أحوالها العديدة تتلمس ما تقوله وتتراوح واقعاً بين التعين والاندثار.
إلا أنني أريد أن ألفت النظر إلى ما هو أبعد من تجربتي الشعرية: تستوقفني في الكلام عن علاقة الثقافة بالشعر مواقف عربية، واعية أو غير واعية، تعني واقعاً التملص من هذه العلاقة، أو التبرم منها تحت حجج مختلفة: ماذا يعني هذا التبرم؟ ألا يعني دفاعاً عن شعر نريد له أن يكون عملية بهرجة لغوية وحسب؟ ألا يكون هذا التبرم دفاعاً عن عمليات تفصيح ورونق أسلوبي مستمرة ومتمادية في الشعر العربي؟ فالشعر شاغل إنساني، له أن يدور، سواء في ساري الأفكار والرؤى، أو في نطاقات تأويل متجددة، يوفرها الفكر والثقافة المتجددان طبعاً.
ليس الشاعر فيلسوفاً بالطبع، ولا مفكراً، وإن كان بعض الشعر الأوروبي، ولا سيما في إلمانيا وفرنسا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، طلب علاقة صريحة ومتجددة مع الفلسفة والفكر. وهذه وجهة عميقة في الآداب والفنون نتحقق منها في صورة أقوى في نطاق الفنون التشكيلية، حتى أنه لم يعد ممكناً بروز تيار أو مدرسة أو توجه تشكيلي جديد من دون أن يكون دافعُه، بل واعزه، فكرياً وفلسفياً أساساً، قبل أن يكون تقنياً أو أسلوبياً. وهذا يعود إلى أن الاشتغال في نطاقات الفنون والآداب، اليوم، لم يعد موافقاً لما كانه في قرون سابقة، أي لم يعد مقيداً بدورات تداول محدودة وضيقة، واقعة في البلاطات والمجالس وبين حلقات الصانعين والمتأدبين، ويتم فيها التبارز والتمايز والتصدر التي كانت تتعين اختصاراً في أنواع من المهارات والتوصلات والتقنيات.
دورات التداول تنعقد، اليوم، حول القارىء، أي حول قراء مختلفين واقعاً، حول عقود طوعية من الحوار والتواسط والتفاعل بين الكاتب والفنان والقراء عبر الإنتاج الأدبي والفني. وهي عقود لها أن تتجدد مما يوفره الاجتماع الإنساني من تطلعات وآمال وهواجس وغيرها، وهو ما يعتني به ويوفره كذلك الفكر والثقافة بالضرورة.
لهذا لا أخشى من علاقات الفكر والثقافة بالشعر العربي، خاصة وأننا لا نتكلم في هذا النطاق عن شعارات ودعاوى حزبية، وعن سياسات ترويج وتأليب، وإنما نتكلم عن شعر ينشغل بالشرط الإنساني وبتجديده. فالشعر يرتع في تقليدية مؤكدة، وفي نرسيسية لتلميع صورة الشاعر ودعواه لنفسه، إن اكتفى بمفرقعات وغرابات أسلوبية ليس إلا.
* “مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية”، “الفن الإسلامي في المصادر العربية: صناعة الزينة والجمال”، “اللوحة العربية بين سياق وأفق” وغيرها من الكتب والدراسات الجمالية التي أصدرتها، كيف تؤثر في شعرك؟
- هذا أترك درسه لغيري. وهو ما فعله كثيرون ممن وقفوا عند البناء التشكيلي، بل التجريدي كذلك، حسب أحد الدارسين التونسيين، في شعري. أو ممن أقاموا تفسيرات جريئة للعلاقات الني أنشأتها، في الدرس الجمالي، بين الفن واللغة، وبين ما يقوم عليه شعري كذلك من علاقات بين اللغة والفن.
قد لا يكون من المناسب أن أقوم أنا بنفسي بدرس كتاباتي المختلفة، وبوضع الجسور الممكنة بين شعري ودراساتي الجمالية. ما يمكنني قوله هو أنني أعيش في كتاباتي المختلفة في وضعيات شرعية وسرية، إذا جاز القول، وفي الوقت عينه: أن أكون نفسي وغيري في آن، أن أدخل إلى البيت الكتابي أو ذاك من البوابة الشرعية أو من باب خلفي أو في هيئة متسلل.
وما أريد أن أشدد عليه هو أن هناك علاقات واعية أكيدة من التفاعل بين نطاقي التأليف هذين، خاصة وأنني عوَّلت في عدد من دراساتي الجمالية على اللغة بوصفها حاوية تدوينية للوجود والفكر والحسن وغيرها. إلا أن هناك ما هو أخفى وأفعل من هذه العلاقات المذكورة والواعية، وهو ما يصيب الذات الكاتبة في دوافعها واندفاعاتها وحركاتها في نطاقات اشتغالها، بما يتعدى وعيها لنفسها، وبما يتخطى تحكمها بنفسها، أي الميل الوجودي العميق الذي يجري في الذات الكاتبة، في تدافعات القلق والرجاء، الذي ينغص عيشها، والذي يبعد عنها، بأفعال الكتابة أياً كان نوعها، الموتَ الذي يهددها

(جريدة "الخليج"، الشارقة، 2004).