مي منسى : يشي بسواد الدنيا وهو محاط بهالة من ضوء
يصبح القارئ عابراً بين هاتين النافذتين المتقابلتين. يقف على حافة كل منهما، يستمع إلى همسات الشاعر الخارجة من أنفاسه ثم ينتقل إلى الثانية ليقارن بين الأصل والقصيدة المولودة من ألغازها ومن جيناتها كثمرة للقاح.
على هاتين الصفحتين أصابع من نور تمتدّ لتتصافح، حارسة أحلام الشاعر، غيورة على حميمياته، وبينهما عصفور ورسول ينقد من القصيدة حباتها وينقلها إلى الدفة الثانية حيث تكتسي في مختبر اللغة بأبجدية أخرى ولا تفارق هويتها البكر.
شربل داغر شاعر "رشم" و "حاطب ليل" أعطى مفاتيح كلمته لنعوم أبي راشد كي يقطن اسرارها ويتخاوى بما اختبأ تحت غشائها. ولو تبلد في أرضها أعادها إلى الشاعر بلغة الغربة. أعاد الأرض إلى صاحبها كما ضمن بساتينها وسوّر الثمر وعطره برؤاه الناضجة من إناء داغر.
توأمان؟ واحد ابتكر من وجوده، من غربته من ذاكرته تلك "العتمات المتربصة" بلغته النابعة من مشرقه، من داخله، من جرحه. والثاني عكس الكلمات الراحلة من اليمين إلى اليسار، وأعادها إلى موطنها مكسوة بلغة فرنسية نقارنها فوراً بلغة الأم لنتأكد من وفائها لخبايا الشاعر أو خروقها ضباباًَ، وفي الخروج منه انقشاع ووضوح.
"عتمات متربصة" قصائد لشربل داغر انضوت مجموعات تحت عناوين متنوعة صدرت ضمن سلسلة "الكلمة الحرة" لدار "لامارتان" الفرنسية باللغتين العربية، لغة الشاعر، والفرنسية في ترجمة لنعوم أبي راشد، كأن في هذه المشاركة عثوراً للزمن الضائع بين لغتين وجغرافيتين، من دون أن يكون الشاعر اشترط على المترجم حفراً وتنزيلاً للكلمة، للعبارة، بل هو استأنس إلى ذلك الحدس التخاطري بين وجدانين ليبقى المعنى الخفي مطابقاً له وعليه، من دون أن يتعارض مع الترجمة. فللشعر معناه الافتراضي الذي نعيره إياه.
هذا التنقل للشعر بين ضفتين ذكرني بدراسة للشاعر والكاتب بول فاليري أكد فيها أنه من الخطأ الفادح الادعاء أن لكل شعر معنى وحيداً مطابقاً لفكر كاتبه. فرغم القالب الشعري الذي دار نعوم أبي راشد في مداره معتنقاً طقوس شربل داغر المعلقة تمائم على صدر قصائده، متآخياً في نسيج وجدانياته، نلتقيه في بعض المرات يتصرف بالكلمة، يستبدل واحدة بأخرى استهوته لتقميش المشهد بمشاعر أقوى، إذ تتحوّل عبارة "نظر رقراق" تحت قلم المترجم إلى REGARD EN CASCADE ، والشلال سريع في دفقه بينما الماء الرقراق يتمهل في جريه مثل الدمع، مثل الساقية.
وحين يذكر الشاعر في قصيدة "رشم" هذا القول المجازي: "كأنّني رجال يجرّون الماء برافعات هيكلي" يردّ عليه صدى أبي راشد بلهجة التحدي:
Je serais des hommes qui captent l’eau avec les cabestans de mon squelette.
ونلاحظ في "كأنني" حذراً او نعتاً بينما في Je serais ثقة ويقينا. والأمثلة وإن لم تكن عديدة غير أنها في وقوفنا عندها كمن يقشر حبة لوز فلقتين ويبقى النسغ واحداً. نركز هنا على أسلوب الشاعر في تعامله مع شعره محولاً أحداث وجود إلى أنبيق التقطير، ومنه يجني خلاصة الاشياء وزبدها. ونتوقف مراراً هناك على الدفة الثانية، المجاورة أمام قدرة المترجم في استخراج المعنى مقطراً من دون تكرار. خرق ضباب الشاعر المسور لقصائده أو أنصت إلى كلمته وهي المفتاح إلى كل ذاكرة وحدث: "في الظل أنا أحتمي"، كأنه سرق منه سره وناره وأحزانه وطلى بعناصرها مرآة تعكس مخيلة الشاعر ونبضاته برؤية هارمونية نافذة يعاين شربل داغر الشعر في حقول الذاكرة الواسعة. تومض صور، حوادث، سريعة حيناً وحيناً مسلوخة من سمغ الكبر، من مستودعاته السرية: الأم، الحرب، البيت، الغربة، الوطن وحدوده، الرحيل، غيور عليها ليبقى مستوحداً على أرض قصيدته، عارياً من كثرة الكلام، مختصراً الوجود في أشياء كالحجر، كالليل، كسطوح الصيف، كالغبار. أشياء ريفية، تقليدية، تغدو في شعره وجدانية، مرتفعة عن قشور الأرض وغبارها للاعتلاء إلى الأسئلة الكبرى:
"كيف أسافر من يدي إلى يدي؟
كيف أتعقّب أطرافي إذ أجدّ في السير؟
كيف أقذف نردي وتكتبني الحصاة؟"
الشاعر استعاد ذاكرته بعد غيبوبة. الإضاءة شحيحة على لمامات مسورة بضباب يجيد شربل داغر تكثيفه حيناً أو يجعل فيه ثقوباً حيناً آخر. وإذا استطاع القارئ أن يجلو الضباب يتصادف مع عتمة يعبرها شعاع قمر ضئيل:
"تقرأ في بردية / ما لا تتوانى عن تدوينه / فوق سطور متعاقبة / مطموسة وجلية / في آن".
متعة قراءة شربل داغر تكمن في وقوف المتلقي على مسافة منه ولو هبط الضباب تقدم واقترب ليقرأ أنقى وأصفى. ألم يقل: "أقرأ في دفتر الدروب على ضوء سراج". حتى عندما ينقلب مشهد الشاعر إلى طرافة في قوله: "هذه الجبال طمرت رأسها / وكشفت تنورتها المقلوبة / عن سيقانها / لنهر" يبقى خطابه الشعري عابقاً بمواكب الوجود على اختلافها. فقدر شعره ان يعكس فيه الصغر غير المحدود والكبر غير المحدود، من الحصاة إلى الجبل، ومن براءة الولادة إلى المآسي الكبرى التي وإن تعالى عن تصنيفها تبقى الكلمة المحاطة بالظلّ، تنفر دماً، وجعاً، بكاء في كبرياء القلم المغموس في الحزن. شربل داغر شاعر "ميستيكي" ينهل من وحدته نشوة القديسين واختطافهم. يشي بسواد الدنيا وهو محاط بهالة من ضوء.
ثمة قصائد نعود إليها مرات، فالمغزى الأكمن في جسدها لا يحرّر جوهره إلا بعد استحقاق: "والدمع يحفر تحت النعال بيتنا"، "قريب وجهك مني والصراخ يحرق الليل. من يبتلع النزيف؟" ولا تتّضح الرؤية إلاّ والصراخ يعلو في بطن القصيدة تمرداً:
"يسكنني البعد القصي بين عينيك وبيني ترتفع آلاف الصلبان: لم يعد مجال للصمت.
أختار الموت
أرفض أشكال الموت
وأعلن الحياة ضدّ بكاء الأطفال".
(جريدة "النهار"، بيروت، 29 أيار-مايو 2005).