الشاعر لاعب وملقن وخشبة
أحتفظ من إقامتي في باريس بصورة لا تزال ساحرة في نظري، هي صورة الأعمى المتنقل في دهاليز المترو، من دون مساعد سوى عصاه التي يطويها أو ينشرها... هذه الصورة هي صورة الشاعر، هذا «المُرَوْبص»، بين الغربة والتصميم، بين الحدس المضيء وشجاعة اليائسين. ذلك أن القصيدة في حسابي هي التي تتبنى الشاعر بعد كتابتها، أو هي التي تتكفله، لا العكس. والقصيدة تقوم في هذا الحراك: لا تستهدف، ولا تصل، بل تتنقل (...).
أقول هذا لكي أفيد بأن الشعر عندي لا تتكفل به رؤية بالضرورة، بل يتولج بالواقع القاسي، حيث المتكلم في القصيدة لاعبٌ يتورط في لعبته، بل مخدوع في ما يقوم به، وهو بالتالي ليس نافخ المعاني في الموجودات والكائنات (...).
للمختارات الشعرية التي صدرت لي في القاهرة عنوان كاف في دلالته: «غيري بصفة كوني»، والذي لا يعدو كونه تنويعاً على جملة رامبو الشهيرة: «أنا هو آخر». هكذا الشاعر ممثل، لاعب في مسرحية هو خشبتها، وهو الملقن فيها أيضاً. لعِبٌ وحبكة، إذن، كما في مسرحية بريشتية يختلط فيها الممثل بالكائن الذي فيه.
هكذا أكتب في مدار اللذة، في لذةٍ ملحة وملتبسة، في الاندفاع إلى العيش فيها، إلى الانتشار في ما سيأتي، في ما سيُكتب. أحيل أحياناً على رامبو، على «صندله الممزق»، على مسالك فيها الحجر كتاب. أطلب من الشعر أن أتورط فيه، لا أن أتدخل، أن أندس من دون خطة مدبرة، في أوضاع تُمسك بي وتتعداني في الوقت عينه (...).
هكذا أخرج من القصيدة، بعد الانتهاء منها، مختلفاً كما من محنة أو مشقة، جسدية، نفسية. أكتشفني عند الخروج من القصيدة، كما من حلم. ذلك أن الحدود ليست سميكة، بل شفافة، بين ما يُعاش وحاصل النص، خاصة وأن القصيدة ليست مضبطة قيد لما جرى، وإنما هي ممارسة ملزمة، لا تلبث أن تتكشف في نهاية المطاف.
كان في إمكاني الحديث، مثل جورج حنين، عن «بلد لا جدوى منه»، بل صعب أو مستحيل، في وضعية تقليدية ونزاعية. هكذا كان لي أن أكتب قصائد، لبعضها مثل هذه العناوين: «مقابر ضاجة»، «مواطن بالوكالة»... وأن أكتب عن أيد «تستدركني في سبحة تتداولها أصابع الغائبين».
هذا الميل الشعري يشير إلى تموضع في القول وبه، حيث المتكلم الشعري يكابد مصاعب في أن يكون، وفي ذاته. إحدى القصائد تستعيد سيرة سهراب في «الشاهنامه»، والذي يقتله والده. هذه السيرة الأسطوية أشبه بنقيضة لأسطورة أوديب. سيرة مشدودة إلى الغياب بالتالي، بل إلى إخصاء اللذة، والحياة نفسها (...).
كلمة أخيرة عن ترجمة أبي راشد لهذه المختارات: تروق لي، استسغتها، مثل زيارة لطيفة، مثل نصوص قائمة بنفسها، من دوني أكاد أقول. هذا لأشدد على أن الترجمة مشقة أخرى، ترسيمة جديدة. هكذا لا ينتقل الكائن الشعري من ضفة إلى أخرى، إذ أنه يقوم في الحركة، في رواح ومجيء لا ينقطعان، ملحين، بين شبه واختلاف. هكذا تكون الترجمة حياة ثانية للقصيدة.
(كلمة ألقيت بالفرنسية أساساً في "مكتبة المتوسط"، في باريس، في لقاء، إثر صدور مختارات داغر الشعرية بالفرنسية، 2005)
***