كريم عبد السلام : الشعر فعل وجودي
اختار الشاعر شربل داغر عنواناً لمختاراته الشعرية التي صدرت في القاهرة، "غيري بصفة كوني"، وهو عنوان وجدته بداية مستفزاً ضاغطاً على ذهني يوخز السؤال الذي يسعى إلى فك الاشتباك بين الكينونة والغيرية.
تدريجاً تراجع الاستفزاز إلى نوع من التفهم والاستقبال بعد قراءة المختارات التي لا تشتمل فقط على قصائد من دواوين الشاعر الصادرة قبلاً: "تخت شرقي"، "حاطب ليل"، "رشم"، "فتات البياض"، بل تشتمل أيضاً على دراسة مطولة للناقد مصطفى الكيلاني وسيرة ذاتية للشاعر، إضافة إلى حوارات ثلاثة أجريت مع الشاعر. فالمختارات، التي بين أيدينا، تحوي ذلك الحرص على التقديم الوافي للشاعر والناقد شربل داغر، بعبارة أخرى التقديم الوافي لكونه ولغيره الذي يكونه أيضاً.
وجدتني أستدعي العبارة الجميلة لمصطفى ناصف حول فعل القراءة بصفته فن اليقظة إلى الكلمات، معتبراً إياها - أي هذه العبارة – طريقي إلى فهم حالات شربل داغر الشعرية ونظراته النقدية في هذه المختارات، ومعتبراً إياها أيضاً منهجه في الإفصاح والإسرار، وهما الفعلان اللذان يراوح بينهما الشاعر في عمله الشعري بعامة، وفي قصائده التي تضمها هذه المختارات على وجه الخصوص.
فالشاعر يتوزع في قصيدته بين إفصاح تحمله الكلمات وإسرار يحمله البياض– الفراغ بين الكلمات والعبارات والمقاطع، بين إفصاح يحمله ظاهر العبارة الشعرية واستقامتها ومستواها الأول، وإسرار يحمله التواؤها وتعقدها وتركيبها، والنقص المعتمد فيها بالانفتاح على عدم اكتمال الدلالة.
ويتوزع الشاعر بين إفصاح عن حركة الذات الواعية بحركتها داخل محيطها: "أهذه عتبات / تستقبلني / أم تلفظني / تستدرجني / أم ترميني مع جعبتي" (قصيدة عتبات). وبين إسرار يثبت الشك في إرادة الذات، ويقدم عليها إرادة الآخر الخفي الذي يقودها إلى حيث تكتشف موضعه:
"غافلاً عني / يحملني غيري / إلى حيث انتظرني" (القصيدة نفسها).
ويتوزع الشاعر أيضاً في صناعته الشعرية بين إفصاح يرى الشعر منسوباً إلى الكتابة وشروطها التأليفية وإسرار ينسب القصيدة إلى لحظة أو حالة وإن تتحقق في كتابة أو تدين فحسب (مقدمة "تخت شرقي").
أيضاً يدفعني "فن اليقظة إلى الكلمات" إلى ايراد مقتطفين من مقدمتي الشاعر لديوانيه "تخت شرقي" و"حاطب ليل" على التوالي. يقول في المقتطف الأول: "لا أجد صورة أنسب للشاعر من صورة الأعمى، المشاء الأعمى، يمشي من دون أن يرى، ويقرأ مغمض العينين. لا يعرف الشاعر مثل هذه السهولة إلا أنه مثل الأعمى يتحسس الشيء من دون أن يراه، يهجس به من دون أن يتبينه، يتلمسه من دون أن يعرفه بالضرورة. مسبوقاً بطاقته، يكتشف الشاعر طريقه بعد أن يبلغ نهايتها، من دون أن يحسن قياس المسافات المختصرة". وفي المقتطف الثاني يقول: "أخشى الشعر كفاية فلا أصبه في دعوة، في إدعاء معنى أكيد، بل تراني أتسرى بحثاً عن الهارب مما يغوي عيوننا ويفلت منا".
ألهذا يقول الشاعر: "تلدني كلماتي / بما لا يسعه قماطي". و"مشمولاً بما لا يسعني حملانه / فأهرب خلسة / ما يجعلني في شتاتي / ويدع لساني متدلياً في ورقة مجاورة".
إن الشاعر خالق لنفسه وصانع لبصيرته، تخلقه كلماته بمصادفة ما، لا قانون لها وإن كان لها إمكان الوقوع وإمكان التكرار، وتمنحه كلماته البصيرة ليدرك الشوط الذي قطعه من رحلته. إذاً أين الشاعر بعيداً عن كلماته؟ "أناي الخفيفة / الشغوفة بما يشغلها / تذيعني إن قعد الهواء / وتغفو / فلا تستلقي أحلامي".
عرف الشعراء، من قديم، الطريق إلى التأمل في صناعتهم الشعرية، بل وتوخوا الإفصاح عن مذاهبهم الجمالية ومواقفهم من هذه الصناعة بالشعر، لكن ما جاء به النص الحديث إلى الشعر العربي، وما يبدو واضحاً في قصيدة شربل داغر، هذا الغرض الجديد الذي يقرن فيه الشاعر فعل النظر وقيامة الكلمة على لسانه بقيامة الشاعر خالقاً ومحيياً بنفسه من عدم هو الغفلة، وعدم هو الاندراج في التصورات المألوفة عن العالم.
يتضح في قصيدة شربل داغر كيف يتحول الخلق الشعري أو قيامة الكلمة على لسان الشاعر وفي عينيه، إلى فعل وجودي محض. فقبل قيامة الكلمة على لسانه يكون الشاعر منعدماً، بعد قيامتها يقرأ الشاعر مغمض العينين، يولد ويستيقظ ويكتشف ويهجس ويتلمس ويرى، ولكنه في الحقيقة يهجس ويتلمس ويرى هذه المحن بين الإفصاح والإسرار، وهذا الشك في أسبقية القدم على خطواتها.
إن القصيدة تكمن في السعي والغاية التي ينتهي إليها السعي جمالياً ووجودياً، وهذان همان ظاهران في قصيدة شربل داغر على ما بينهما من بون وعدم تراتب. ونلحظ باستمرار إشاراته الواضحة والمضمرة عن السعي خلف القصيدة وإذا به يعثر على غيرها، وكذلك محاولاته المستميتة لتعريف ذاته بتقديم غيرها التي تكونها. وبحسب مقدمته المتأخرة لـ"حاطب ليل": "من يكتب من؟ أو من يكتب لمن؟ ولماذا أكتب؟ هناك من يجزم بالإجابة على هذه الأسئلة طالما أنه هو الذي يدفع الحروف دفعاً مقصوداً فوق سواد الأوراق، وهو الذي ينتهي إلى وضع اسمه مالكاً ثابتاً لها، فيما أجدني أكثر تردداً من هذا، طالما أنني أتبرم أحياناً مما أكتب وأتساءل ما إذا كنت أعمل مرتزقاً عند شخص أو اسم بالأحرى هو شربل داغر".
إن هذه الهوة الواسعة بين قصد الشاعر الجمالي وما ينتهي إليه، بين إرادته وما يراد لها، لا تتجلى في قصائد هذه المختارات باعتبارها موضوعاً مأساوياً لا سبيل إلى تجاوزها، بل تأتي باعتبارها اكتشاف الشاعر ومنطقة عمله الشعري ومحور صناعته. ولا أظن الشاعر قادراً على أن يقلب بصره إلى سواها بأن يعود يقينياً أو اتباعياً محافظاً أو قائلاً بثبات جمالي ما.
هو على الأعراف دائماً وفي الظلال البينية يرعى قطعان كلماته، شكاكاً في وجوده الحاضر، مخلصاً لكل غياب، وهو يغفل ذلك بوعي الفيلسوف هيدغر، يأخذ بأيدينا إلى أن الشعر هو صناعة الكلمات من صمت الصوت وهو ما يبني بيت الوجود وأن الشاعر حقاً، هو من يدع صمت الصوت يسمع من خلال الكلمات، وترك شيء يظهر ويضيء في بياض الصفحة وبين العبارات والكلمات.
إن هيدغر يؤمن بالشعراء كمخلصين وحيدين للإنسانية، بعد أن يؤمنوا أولاً بوجودهم المتحقق عبر اللغة، وليس عبر وسيط سواها، عبر مطلق اللغة التي يسميها "بيت الوجود" وسيدة الإنسان، وليس كما هو شائع الآن من لغات زخرفية أو جامدة أو استخدامية. إنها اللغة التي عندما تتجلى، يتجلى وجودنا وتظهر علاقتنا بالعالم، وقبلها، أي قبل تجلي اللغة، لا نكون حقاً ولا نعرف أنفسنا، ولا نقيم علاقات حقيقية مع العالم. من هنا فالشاعر شربل داغر صادق وواع عندما يقول: "تلدني كلماتي / بما لا يسعه قماطي".
(جريدة "الحياة"، لندن، 2 آب-أغسطس 2003).