فاروق يوسف : بين اللعب والصنعة

في تقديمه لكتابه الشعري الجديد "إعراباً لشكل" الصادر أخيراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يضعنا الشاعر اللبناني شربل داغر في مواجهة محاولة تفسيرية تتجاذبها قوتا الاعتراف والرغبة في التعريف. ذلك أنّه ينتقل بخفّة ما بين معنى الكتابة الشعرية وبين تقنياتها، آيته في ذلك تجربته الشخصية. وهي تجربة تجمع ما بين الاشتغال في الشعر والاشتغال عليه. فداغر الذي يكتب الشعر منذ أكثر من ثلاثين سنة هو دارس أكاديمي للشعر أيضاً. غير أنّ مقدمة كتابه الجديد لا تدخل في إطار هذه المزاوجة، فهي كما أرى محاولة لتفسير نوع من الكتابة الشعرية يعتقد أنها تقع خارج السياق الشعري المألوف. وهي كتابة تزاوج ما بين اللعب والصنعة.
هذه المزاوجة التي لم يستخلصها الشاعر من الشعر وحده، بل وأيضاً من الفنون التشكيلية التي شغلت حيّزاً كبيراً من سيرته الثقافية ناقداً ومؤرّخاً فنياً. فهو يرى أنّ الإبداع "نوع من اللعب وإن بمواد جليلة وسامية"، و"أن المبدع يتسلّى فيما يعمل يلهو فيما يكدّ"، فـ "التشكيلي يتلهى بألوانه والشاعر بمواد اللغة، ويريد هذا وذاك من التلهي فعلاً يتحقق في الممارسة نفسها قبل التوجّه إلى متلق أو قارئ". بمعنى أن فعلي الرسم والكتابة مطلوبان لذاتهما. بل أنّ الشاعر يذهب بعيداً في سخريته من النظرية التي تقول بالإلهام حين يؤكد أن "الإبداع يعيدنا إلى أوضاع الطفولة اللاهية التي نرى فيها أنفسنا على أهبة بناء الحياة من جديد، في ألعاب نتسلى بها بقدر ما نظهر فيها جديين". ولكنّه في ما بعد يقول كلاماً يبدو للوهلة الأولى مناقضاً، ذلك أنّ الكتابة من وجهة نظره "تضطلع بالإنسان، لا ببعضه، ولا بظرفه الضيق. وهي تتكفل به كذلك على أنه احتمال للإنسانية، لا الانقلاب من حال إلى حال: تعنى في ذلك بالإنسان، لا بسياسته وحسب، وتنصرف إلى ضيقه الكياني وترسم ما يمكن أن يكون عليه".
هذا التعريف لا يتعلق بالممارسة الإبداعية في حد ذاتها بقدر ما يسعى إلى وصف المساحة التي تتحرك عليها تلك الممارسة، وهي مساحة أكثر شساعة من أن تظللها برامج مرحلية. ذلك أنه تتشبه بالكون الذي يسعى الإنسان إلى أن يكون مرآته أو صورته المصغرة. وبعد أن يؤكد فكرة الصنعة متّخذاً من الخزاف المغربي الذي قال له يوماً: "أحتاج دوماً إلى أن تكون يدي مبلولة بالماء" مثالاً، يقف داغر في مواجهة سؤال من نوع: "كيف أكون نفسي فيما أتوجه إلى غيري؟" بالعودة إلى "الحديث عن الكتابة بوصفها لعبة، بمعنييها اللاهي والجسيم، وفي آن. لعبة يكون الكاتب فيها لاعباً وساحة لعب". ولكن هل كانت هذه المقدمة ضرورية؟ في تاريخنا الشعر المعاصر نادراً ما لجأ الشعراء إلى كتابة مقدمة نثرية لكتبهم الشعرية.
مقدمة أنسي الحاج لكتابه "لن" هي الأشهر وستظلّ كذلك. كانت تلك المقدمة بياناً لمشروع ثوري أكثر من كونها تفسيراً أو اعتذاراً. فكانت ضرورية لردم الهوة بين المشروع الشعري الحداثوي في الوطن العربي وبين الوقائع المتاحة للذهاب بذلك المشروع إلى أقصى ما يمكن أن يتيحه السلوك الحداثوي من حرية. مع شربل داغر، الأمر مختلف تماماً، فليس هنا تبشير بمشروع عام، وليست هناك مزاعم بفتح يراد له أن يكون مدخلاً للخلود.
إن كل ما ارتكبه الشاعر في مقدمته هو أشبه بالاعتراف المسيحي، حيث يهمس المرء في أذن القس بخطاياه. الفارق هنا أن داغر نشر همسه على الملأ لضالة ستكشف عنها القصائد التي ضمها كتابه "إعراباً لشكل". وهي ضالة أقرب إلى الحاجة الداخلية منها إلى النداء الذي يتطلب حضوراً عاماً. لقد دفعته الشخصانية العارمة التي يصدر عنها غموض نصوصه إلى الاعتذار علناً. وهو اعتذار لن يكلف القراء مشقة بقدر ما سيكون وسيلة للوصل. لقد تنبه الشاعر إذاً إلى قطيعة محتملة فقرّر أن يسبقها بتلك المقدمة: "مثل خطاط ياباني أمام نقطة حبره الأخيرة". وهي فكرة يستغرق فيها الكتاب بأقسامه الأربعة، حيث يكشف الزهد والتقشف عن حساسية ماكرة إزاء اللغة.
تلك الصنيعة التي هي ليست هنا مادة للاتصال أو التعبير، بل وسيلة للانفصال والانشقاق والارتجال والقسوى والخديعة. إن شربل داغر يكتب نصوصه بإحساس من سينفد مداده في أية لحظة. هو إحساس يدفعه إلى الفرار من مصيدة الكلام في اتجاه اللفظ، الذي يتخيله يداً إضافية مقبوضة على اللغة. والشاعر يصف اللفظ بأنه تيسير فصيح لما لا يروى. يقول: "أيها اللفظ لا تقنع بما حصل / ففيك ما يبني حياة معطلة،/ أو خافية مستلقية،/ وفيك ما يرمم خلوات خربة/ استكانت لغبارها/ في وحشتها". ليست اللغة بالنسبة إلى الشاعر ثروة قيد الاستعمال، بل أن حيرته تصدر عن هذا المشاع اللغوي الذي يجد أن عليه تفاديه. أقصد اللغة التي تقول كل شيء ولا تقول شيئاً بعينه. وكما أتوقع، فإنّ داغر يتحاشى عن قصد ألا يمدّ يده إلى سلة الكلام ليلتقط مفرداته، إنه يستخرجها من الركام بعناية وحرص ودقة الباحث عن الذهب أو الأحجار النفيسة، ليضعها في المكان الذي لا يمكن أن تخطئه. هذه البراعة اكتسبها الشاعر من غوصه العميق في المعاجم وكتب الفقه اللغوي. ولا يعني هذا انّه يسعى إلى إحياء مفردات عاطلة من العمل أو مهجورة، بل غايته العثور على مفردات أقل استهلاكاً ليتسنى له شحنها بهوائه العامر برؤاه، التي هي رؤى تحسن الانصات إلى التعبير قبل وقوعه. يقول: "حروف سبقوني إليها فوصلتني ميتة". هذه الحروف هي لغة كاملة يسعى الشاعر إلى عدم التماهي معها بصفتها وسيطاً. إجلاله للغة هذا يدفعه إلى التشبث بالمعنى الذي يجسده إيقاع هواء الخطاط وهو يقود الحروف لتطيعه بثقة. هنا يتحقق عمل الشاعر من خلال خطف اللفظ واستخراجه من داخله وإظهاره كما لو أنه لم يكن مستعملاً من قبل. وهنا بالضبط يظهر واحد من معاني الصنعة التي ينكر من خلالها الشاعر مفهوم الإلهام. ذلك أن الصنيع الشعري (والفني في شكل عام) بالنسبة إليه هو ثمرة كدح في اللغة شكلت ميول الشاعر التنقيبية في اللغة إطاراً لمرجعية شعره التقنية، فإنّ انشغاله بالرسم بصفته منتجاً خيالياً قد انتهى به إلى الوقوف على مصادر غير متداولة أعانته على إنتاج عالمه الصوري، بمنطق مختلف عن ذلك المنطق الذي احتكمت إليه عملية إنتاج الصورة في الشعر العربي. إن شربل داغر الذي تعمق كثيراً في فهم المصائر التي أنتجتها اتجاهات الفن الحديث وما بعده، اكتشف أنّ الزوال هو المبدأ الأساس الذي اعتمدته هذه الاتجاهات في انتاجها صوراً تسعى إلى التشبه بالناس، من جهة ما سينتهون إليه لا من جهة ما هم عليه الآن. وكما يبدو لي، فإنّ تأثيرات الرسام العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد، وهو صوفي أيضاً، تبدو واضحة في هذا المجال. وليس غريباً أن يتأثر داغر بآل سعيد وهو الذي شغف برسومه وكتب عنها غير دراسة. الصورة في "إعراباً لشكل"، كما في كتب داغر الشعرية السابقة، ليست مروية ولا مكونة من وحدات تجتمع في ما بينها لتكون شكلاً يحيلنا إلى خارجه. بل انها هي الأخرى وسيلة نظر. بمعنى أن الصورة مثلنا تنظر وتنتظر، تجيب لتستفهم، تمعن لتستدرج، تقترب لتهدم. هي أشبه بالغريب الذي ينأى بغموضه، لا من أجل أن يدهشنا بل من أجل ألا يثير انتباهنا. وأرى أن الشاعر وجد في الإعراب اللغوي نوعاً من الحيلة الجمالية التي تخرج الألفاظ من صمتها إلى صوريتها، لذلك اعتمده عنواناً لكتابه، في الوقت الذي أحلّ فيه الشكل محل اللفظ. غير ان الإعراب، هو هنا يتقصى مصير أشكال تجريدية، إنما يهبنا متعة استفهامية مبهمة، ليست هي محاولة للتفسير ولا حاضنة للتعبير.
المران الذي يشتغل من خلاله الشاعر ويشغلنا به هو مران ذهني – بصري وبالعكس. فهو يبدأ أحياناً من واقعة مستعادة ليعيد تشكيلها صورياً ونادراً ما ينجح، ذلك أن تفاصيل كثيرة من تلك الواقعة قد محيت أو أنها اصلاً لم تكن موجودة، وأحياناً أخرى تتّخذ صورة ما، متخيلة أو معاشة، هيئة ينشط من خلالها الذهن ليفرغ حمولته. مران يعمل في اتجاهين، غير أن نتيجته واحدة: صور تتشبه بالحافات، تجرح قبل أن تمس.
هناك دائماً لدى هذا الشاعر قوتان تسعى كل واحدة منهما إلى هدم الأخرى: الصورة والمعنى. فإن أقبل المعنى تقدمت له الصورة لتنفيه من خلال إنكاره وإن استبسلت الصورة في الظهور شق المعنى عصا الطاعة ليذهب بفتنتها هباء. كل ذلك يفعله الشاعر من أجل أن يعمق إحساسنا بالزوال فـ "لا يكفي لون برتقالة هامدة على طاولة اللفظ لبناء فقرة". فهذا الشاعر الذي يصبو إلى أن يكون رساماً، لا من طريق الكلمات كما يقال بل من طريق إزاحة مادة الوصف عن كاهل اللفظ، بحيث يجيء اللفظ عارياً إلاّ من قدرته على وصف حالته، لا يرضى لكلماته أن تكون موضعاً للإبلاغ. إن جل ما يحلم به: أن تقوده الكلمات إلى الموضع الذي يكون فيه وجودها لذاته ذريعة للإقبال الشعري عليها، هناك حيث تقيم جمالياتها المرحة. وهو ما يعبر عنه بقوله: "كلما أوغلت في الكلام وصلت إلى اللون".
(جريدة "الحياة"، لندن، 10 أيلول-سبتمبر 2004).