"مفرد بصيغة الجمع"
يستدعيني هذا العنوان لإحدى مجموعات أدونيس الشعرية إلى القول، إلى التعبير، عما يتعدى المجموعة نفسها، ويصيب مباني التعبير لدى المبدع العربي. فمثل هذا العنوان يرضي بطبيعة الحال إيديولوجية "جماعية"، رائجة عربياً، لا ترى إلى المبدع إلا في صيغة تجمعه بغيره، بجماعته في أوضح الأحوال. فما صحة هذا القول؟
ما يستوقف في مجموعة أدونيس المذكورة هو أنه خصها بالحديث عن سيرته الذاتية، عن طفولته، عن إحساساته الأولى بعناصر المشهد الكوني والإنساني، وهو ما يشير إلى مفارقة واقعة بين العنوان والمجموعة: فلماذا تتحول تجربة فردية إلى سيرة جماعية؟ ألا يحق للمبدع أن يكون من دون جواز مرور الجماعة أو تأشيرة قولها؟
يمكننا أن نعدد الأسئلة، وهي تتنوع حول الإلحاح عينه: لا يكون المبدع سوى "ناطق" باسم الجماعة، ولا يكون تعبيره عن نفسه، عن حياته، سوى ما يشبهها بغيرها. واللافت في هذا الطلب هو أنه يجمع بين اعتقاد قديم ("شاعر القبيلة") وبين اعتقاد جديد ("الشاعر الملتزم")، ما يشير إلى هشاشة ما نسميه ب"مباني الحداثة" في عالم العربية، أو إلى اشتمالها على عناصر تقليدية متينة.
فإذا كان الشاعر القديم لا يقوى على قول الشعر من دون ممدوح، من دون صفاته، من دون بلاط أو مجلس، فإن الشاعر "الحديث" يطلب تظاهرة، أو حشداً في صالة، لكي يقوى على قول قصيدته؛ ومن يقرأ قصائد هذا الشاعر يتحقق من أن المتكلم فيه "يخطب" في المجتمعين، ويناديهم بصوته العالي. وما وجب الانتباه إليه في هذا السياق هو أن الشاعر "الحديث" يعمل على الخروج من سلطة الممدوح أو "العمود" (وغيرها من مرجعيات)، ولكن لكي يجعل من نفسه، من قوله، سلطة بديلة عن الممدوح.
لهذا لا يستحسن هذا الشاعر سوى القصائد ذات النبر الجماعي، أي التي تتصل بالسياسة أو بقيم الجماعة، فيما لا يقودنا هذا الشاعر إلى عالمه المخصوص، الفردي فعلاً. ويكفي القارىء أن يتجول في مثل هذه القصائد لكي يشعر بأنه ينتظم في تظاهرة، في جمعية عمومية، لا في غرفته الحميمة. فلا صلة مخصوصة تربط هذا الشاعر بهذا القارىء سوى الصلة التي لها أن تربط هذا القارىء بآلاف القراء وتشدهم شداً إلى بعضهم البعض مثل حزمة منفوخة.
هكذا نحن أمام شاعر يتنطح إلى الزعامة واقعاً، إلى قيادة الرأي العام في أحسن الأحوال، فلا يختلف في ذلك عبد الوهاب البياتي عن محمد مهدي الجواهري، ولا أدونيس عن بدوي الجبل أو نزار قباني...
إلا أن هناك سؤالاً ملازماً لمثل هذه المعاينات، ويتعدى خيارات الشاعر نفسه، ويطاول خيارات القارىء نفسه: ألا يناسب هذا الشعر "الجماعي" حال القارىء العربي، الذي يقبل على أمسيات هؤلاء، ويشتري كتبهم الشعرية أكثر من غيرهم؟ ألا تكون الدعوة إلى شعر خصوصي، فردي، حميمي، دعوة إلى إبعاد القارىء عن الشعر؟
ربما، خاصة إذا لم تسعف الذائقة الجمالية العامة (وهي من مسؤوليات الثقافة والتربية في المجتمع ومؤسساته، لا من مسؤوليات الشاعر) بما يمد القارىء ويجعله بدوره قارئاً فردياً، مخصوصاً، لا شريكاً في تظاهرة وحسب، أو في اجتماع قبلي. إلا أن للشاعر مسؤولية بدوره، وهي اقتراح نوع من التواطوء، من العقد، من التسوية بالأحرى بين ما يطلبه من شعره وما يمكن للقارىء أن يجده فيه.
هذه التسوية ضرورية، إلا إذا طلب الشاعر من القصيدة أن تكون مرآة وحسب من دون أن تفضي مثل نافذة على خارجها. التسوية ضرورية إلا إذا طلب الشاعر من القصيدة ما لا يعرفه منها، وما يتعدى أي تهديف أو تواصل.
(26-5-2007).