قنبلة فوق مظلة عطلتي
10-7-2006
اعتدت في عطلتي الصيفية أن أصطحب معي عدداً مختاراً من الكتب، مما يتراكم طوال السنة، فوق مكتبي، من إهداءات وشراءات لكتب جدبدة في أكثر من لغة، وفي أكثر من اختصاص. إلا أنني، لهذا الصيف، بدلت عاداتي، كما في الصيف الماضي، بأن أخذت معي، في دفعة أولى، كتباً لم أعد إليها منذ سنوات بعيدة، أو اشتريتها منذ وقت غير معلوم من دون أن أتصفحها. ومن دون أن أعلم سبباً ظاهراً أو باطناً لقراري، اصطحبت معي غير كتاب لأفلاطون، يعود فيها إلى سقراط "المعلم" و"الحكيم"، أول الفلسفة الإغريقية.
لم تفارقني بعدُ دهشتي واستغرابي من حقيقة ما قرأت: أيعقل أن يكون غير باحث وغير دارس في بلادنا قد قرأ "الوليمة" أو "فيدر" أو "مديح سقراط، وكريتون، وفيدون" لأفلاطون، من دون أن ينتبه (حتى لا نقول يوظف) إلى حقيقة الصلة التي تربط هذا المتن الإغريقي بأصوله، وهي الصلة عينها التي تربط ماضينا القولي بثقافتنا الكتابية.
فقراءة هذه الكتب أتاحت لي التجول – كما في نزهات العطلة – بين كتب مختلفة، كما لو أنها صفحات مفتوحة من كتاب إلى آحر. فكنت أتجول في هذه الكتب مثلما كنت أسرح بخواطري صوب مؤلفين آخرين، لاحقين في الحضارة الإسلامية، ما جعل الفائدة ممزوجة بالمتعة، حيث تعلمت فيما كنت أتنزه. وهو ما كان يفعله الفيلسوف المشاء في بدايات التفلسف الإغريقي، وهو ما خبره بدورهم منتدون عرب عديدون في المربد أو مجالس العلماء أو بلاطات الخلفاء أو غيرها من جلسات أخذ العلم التي كانت تضم أستاذاً لامعاً، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وطلاباًً نجباء لا يقلون نباهة عن سيبويه، على سبيل المثال. أما ما يحتاج إلى شرح، في الصلة التي أقيمها، فيتعين في كتب سقراط نفسه، حيث أنه لم يخلف لنا "كتاباً" نعود إليه، ولا يختلف عنه كثيرون من المؤلفين العرب الأوائل، على الرغم من انقضاء ثمانية قرون بين فعل (أو عدم فعل) سقراط وفعلهم. وهو ما نعرفه عنهم، في كتاب أبي حيان التوحيدي "الإمتاع والمؤانسة"، الذي يشتمل على أسماء فلاسفة ولغويين ومنطقيين ممن لم تصلنا أبداً مؤلفاتهم، وممن لم يكتبوا أساساً، بل اكتفوا بفنون المناظرة، مثل الشهيرة التي جرت بين لغوي ومترجم عن الفلسفة اليونانية (ونقلها التوحيدي في كتابه المذكور). غير أن الصلة بالتوحيدي، وبكتابه هذا، لا تقتصر على هذا الأمر بل تتعداه لتشمل مصدر الكتابة نفسه: يكاد يكون كتاب "الإمتاع والمؤانسة" نقلاً وإعادة توضيب لما سمعه التوحيدي في مجالس ومناظرات، وهو عينه ما فعله أفلاطون، نقلاً عن شهود ومجايلين وتلاميذ لسقراط، فنقل عنهم وقائع محاوراته و"محاكمته" خصوصاً: هل نقل أفلاطون بأمانة، أم أعاد بتصرف كتابة ما سمع؟ أهو مؤلف أم ناقل؟ ما صلة المكتوب بالمسموع، إذن؟
وهي أسئلة سبق لي أن طرحتها على كتاب التوحيدي، وأستعيدها. وهو ما يمكن قوله في "الكتاب" لسيبويه حيث أن غالب "المسائل اللغوية" التي يشتمل عليها تعود إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، كما يصرح بذلك سيبويه، وهي تعود إليه بالتالي، ومع ذلك نطلق على هذا الكتاب اسم "كتاب" سبيبويه.
وإذا كان لهؤلاء العرب أسباب تعود إلى قلة الحوامل المادية للكتابة (قبل اكتشاف المسلمين للورق في بدايات العهد العباسي، على ما هو معروف)، فإن أسباباً أخرى تفسر تقاعسهم أو تنكبهم عن الكتابة، وهي الأسباب المتشابهة التي حركت سقراط نفسه. وهي أسباب لنا أن نجدها في لزوم الحوار والجدل سبيلاً إلى المعرفة. هذا ما يفسر نزوعات البعض إلى التفسير والتأويل، وهذا ما يفسر، قبل هؤلاء وأولئك، إصرار سقراط وإعلاءه لشأن الحوار، لطلب الجدل. فقد أولى سقراط أهمية للمحاجّة، للخطابة، لإقهام المتشكك والمتردد والممانع وغيرهم، مما يعد سبيل الفلسفة الأول. وهو ما لن نلبث أن نجده عند أفلاطون نفسه، إذ افتتح "الأكاديميا"، التي تعتبر الشكل الأول والتسمية الأولى للفظ "الجامعة" نفسها، والتي كان يعلم فيها فنون المحاورة والجدل. وقد لا تكون أساليب المحاجّة سوى الشكل الأول الذي تتعين فيه الحوارية في المجتمع نفسه، وهو أعلى ما تطلبه الفلسفة من فعالية، وهي أن تكون في خدمة المجتمع، على أنها خدمة الحقيقة.
هذا ما أطلبه من العطلة عادة، وهو الخروج من جاري الأيام ومعتادها. وهو سماح التجوال في الظنون والاحتمالات، ورؤية القريب بعيداً والبعيد قريباً، بما يغسل العين ويجعلها تقبل على الصور بدهشة الرائي الأول.
15-7-2006
"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة": فعلاً، إذ أنني لم أكن مستعداً لهذه المعركة أبداً، بل لتمضية العطلة في قريتي الجبلية، حيث أعددت كتباً قليلة لمرافقتي وهذا الحاسوب المحمول. كنت قد رسمت لعطلتي مشروعات نزهة، وقراءة، وكتابة. وهو ما أعد العدة له طوال السنة. ولم أكن أمني النفس طبعاً بأن يتحول هاجسي اليومي إلى تتبع "الأخبار" من دون أن أفهم منها شيئاً سوى إشاعة البلبلة والتحاليل المرتبكة. فكلنا أغبياء في الحروب، لا نفقه فيها شيئاً، وما يصلنا من أخبار عنها "ملغوم"، أي للتضليل، أو جزئي، أو مختلق. عدا أن الصحفيين مجبرون على القيام بعملهم المهني وفق قواعد يفرضها عليهم الجانب العسكري الذي تقع فيه تحركاتهم الإعلامية.
لا تحيلني الحرب غبياً وحسب، وإنما تجعلني خصوصاً كائناً بيولوجياً، كما يقال في لغة الأطباء: تحيلني إلى كائن له أن يتدبر سبلاً للعيش تقضي بأن يعتني بخبزه اليومي، بتوفير مصادر للطاقة (طالما أن الكهرباء ليست متوافرة على مدى النهار والليل)، وبتوفير الأكل وغيرها من الحاجيات الضرورية. كائن بيولوجي نسي تماماً أنه كان عليه أن ينتقل إلى جدة لندوة حول الأعمال الفنية "الصغيرة"، وفي مطلع الشهر القادم للمشاركة في مهرجان جرش الشعري... انقضى ذلك الزمان، حتى أن أخباراً تعود إلى أيام قليلة سابقة (مثل "المونديال") تبدو في خاطري مثل أخبار غارقة في القدم... تبدو الحياة بعيدة، معلقة، مثل حلم بعيد، مثل ذكرى لك أن تقرأ عنها، أو أن تتمثلها ليس إلا.
وما يبقيني حياً، فعلاً، هو هذا الخيط الدقيق الذي يربطني بأصدقاء يرسلون لي عبر البريد الإلكتروني رسائل اطمئنان ومحبة. هذا الخيط الممتد حتى صديقي في نيويورك، أو المنستير، أو الأردن، أو ... شارع الحمراء.
لي أن أقاوم بدوري، على جبهتي: أن أدفع عني مشاعر الحقد التي لها أن تحيلني إلى سكين أو قنبلة يدوية. لي أن أقاوم أطنان التجييش التي تريد أن تحيلني إلى كيس في خندق، أو إلى درع يقي بل يخفي شعارات ودعاوى وخطابات "ملغومة"، تدور في "لعبة الأمم"، لا في بيتي أو مدينتي.
لي أن أقاوم تأثير المسرحيات المكررة أمام عيوني، وعلى مسامعي، عن "المؤامرات" التي لا تحاك في العالم إلا ضدنا. لي أن أقاوم بأن أطرح على نفسي أسئلة، محرجة ربما، من النوع التالي: كيف يحدث أن العالم لا يبالي بنا إلى هذا الحد؟ كيث يحدث أننا، في خطابات عديدة، هنا وهناك، مغلوبون على أمرنا في أحسن السيناريوهات، إن لم نكن محمولين على الغدر والإرهاب؟
لي أن أقاوم أضاليل التخلف واغراءاته السهلة وصوره الزائفة التي تجعلنا سكان ملاجئ أو أنفاق أو خطابات لا تحسن التخاطب مع بقية العالم، بلغته وبأشكال حواره.
لي أن أقاوم بأن ألقي عيناً فاحصة، واقعية بالأحرى، على هذا العالم، كما هو، خاصة إذا كان ظالماً أو لامبالياً بأوجاعنا وقضايانا. لي أن أقاوم بأن أفكر ملياً، غيري وأنا، في هذا البلد العربي وذاك، عن الكيفيات التي تجعلنا ندير مصائرنا السياسية واحوال أوطاننا، بقناعات مرتضاة ومقبولة، أي مشتركة بين المواطنين، لا أن تقع علينا الحرب مثل قنبلة فوق مظلة العطلة.
لي أن أقاوم بأن لا أنسى أسئلة الأمس القريب، ولا أسئلة الغد المؤجلة. لي أن أبقي ضرورة السؤال، أن أصونها بدل أن أستسلم إلى فقاقيع الكلام، الذي - إذ أسمعه - أخالني في عهد السيوف والخناجر الملمعة، وتحت خيام زاهية.
لي أن أبقى مستيقظاً، لا تحت القنابل الحربية المضيئة، بل في مدارات السؤال والتجدد وبناء القوة الفعلية، لا المتوهمة عن النفس والغير. لي أن تبقى شهوتي إلى الحياة مستيقظة، مستنفرة، كما في ليلة حب أول.
بلى، أريد لصوتي أن يبقى فوق صوت المعركة. أريده أن يبقى يقظاً، ومدججاً بالأسئلة، وبنبض الحياة الذي لا أجد له حيوية إلا في مدى هذه الكلمات، التي تعبرني وأجعلها تعلو فوق شفاهي، فوق كلماتي.
غير أنني لا أكتب واقعاً. لعلي أصلي، على طريقتي، مثلما يفعل المؤمن في لحظات الشدة. لعلي لا أكتب، بل أتنقل فيما لا أقوى على الابتعاد مئات الأمتار عن بيتي. لعلي أصون الحياة في مدى ضيق، هو الشعور بأن نفََسي لم ينقطع بعد.
22 – 7 - 2006
تلقيت بالبريد الإلكتروني رسائل اطمئنان من اصدقاء، ومن فنانين وشعراء يدعونني لمشاركة في توقيع عريضة، أو في عمل فني "مفتوح". وهي مشاعر طبيعية، إلا أنها أثارت في ذهني صورة متجددة لما يمكن تسميته ب"المثقف الخجول". وهو ما قرأته عند كتاب ومثقفين، انصرفوا إلى الحديث عن "البطولات التي باتت بمتناول اليد"، وعن "السواعد السمراء"، و"الأنياب المسنونة"، وغيرها من سجلات لغة وخطاب ما كانت للكتاب والمثقفين أنفسهم قبل اندلاع الحرب: فهذا كان يتحدث عن "لزوم النقد"، وذاك عن "التخلص من لغة التجييش"، وثالث عن "انصراف الكتابة إلى نفسها، لا إلى موجبات خارجية عنها"، وغيرها من الكتابات التي كانت تستقي موادها من سجلات خطاب آخر، يُظهر مسافة المثقف والكاتب من قضايا السياسة والحماسة. فماذا جرى؟
لست، في ما أتناول، في معرض النقد أو التوبيخ، أو إغداق التكريمات لهذا النوع أو ذاك من الكتابات؛ ما يعنيني هو الانتباه إلى الدوافع التي تملي شروطها على الكتابة، وعلى أعداد من كتابها. وهي دوافع أجدها في ارتباط الكاتب (وبالتالي الكتابة) – المستمر على الرغم من كل التقطعات والانفصالات – بحبل سرة لا يزال يربطه بإيديولوجيات واعتقادات سارية، تقليدية في نهاية المطاف: حبل السرة هذا لم ينقطع بعد، ولا يزال مثل الخيط الذي يبتعد عنه المثقف من دون أن ينقطع عنه. ما حبل السرة هذا؟
لستُ، هنا، في مجال تحليل اجتماعي يُظهر، على سبيل المثال، أن البنية الاجتماعية التقليدية (العائلية وغيرها) لا تزال هي التي تتحكم بالدوافع، التي لها أن تحرك المثقف في هذه الوجهة أو تلك. ولست في مجال تحليل اقتصادي يظهر، على سبيل المثال، أن تعويل المثقف في عيشه لا يزال في جانب كبير منه يتعين في كونه من "رعايا الدولة"، المستفيد من تقديماتها، من توزيعها الريعي للمداخيل. كما لست في مجال تحليل إيديولوجي وسياسي يظهر، على سبيل المثال، أن سند المثقف في السياسة يُعوِّل - في صورة مضمرة ومُستَدْخَلَة في الغالب - على الخطاب "المكرَّس" في الدولة، وفي المجتمع، وفي "الأمة" عند بعضهم. بل يمكن القول إن خيارات المثقفين باتت تتعين في نطاق أحوالهم "الوطنية" (أو "القطرية"، إذا شئتم)، من جهة، فيما يعرفون، من جهة ثانية، "هبات" مساندة وحماس حول القضية الفلسطينية ومتعلقاتها، على أنها القضية القومية أو الإسلامية (حيث أن الحرب الحالية لا تبدو سوى حرب تجري "في" لبنان وحسب، على أنه "ثغر" للدفاع عن "أمة" لا نعلم حدودها، ولا وجودها أساساً).
لا يعنيني، هنا، مجادلة هذا أو ذاك، ولا تفنيد الحجج لدى هذه الجماعة أو تلك، ولا الغرق في تفاصيل الحرب الدائرة، ولا في تحديد الموقف المناسب منها. ما يعنيني يبتعد عن "اللحظة الساخنة" (إذا جاز القول، وسمح لي بذلك الخطاب "الحماسي" المعروف)، ويتناول هذا الشق وحسب من علاقة المثقف بالثقافة، والكاتب بالكتابة. ذلك أنني أجد بأن المثقف كما الكاتب لم يصلب عودهما بعد لكي يقيما علاقات بالسياسة والوطن والمجتمع تتعين في الاستقلال عن هذه المحددات المسبقة، ولا سيما في أشكالها التقليدية، كما يتعين خصوصاً في "بناء" الموقف. فهناك "خجل" - على ما ألاحظ - يعود إليه المثقف والكاتب في لحظات الشدة، في نوع من الخشية الأكيدة، كمن يلجأ إلى خيمة رئيس القبيلة عند وقوع مصيبة، وينسى أنه من جماعة "الصعاليك"، على ما يقول هو بنفسه عن نفسه: تسقط لديه عدته الثقافية التي يرى بها إلى المسائل، التي تؤرق المعنى في كتابته ومواقفه؛ كما لا ينشغل أبداً ب"بناء" موقفه، إذ يستسلم للخطاب "الحماسي" الذي يروج في الحالة هذه.
هكذا وقعتُ، في هذه المحنة التي نواجهها، على فنانين تحولوا إلى رسامي كاريكاتور من الدرجة الثانية، وعلى كتاب إلى معلقي أناشيد وطنية...
كما يتعين "المثقف الخجول" في صورة أخرى، أكثر خفراً، وأشد إيلاماً، إذ ينصرف هذا وذاك إلى النواح، أو جلد الذات، أو تغليب النزعة "المازوشية" على رؤيته ومواقفه، في نوع من الاعتذار، من التنكر الضمني أو المعلن لما كان يقوم به، أو لما له أن يفعله ولا يقوى أو يعجز عن فعله.
هذه كلها - وغيرها أيضاً - صورٌ لا تفيد في الحرب، ولا في السلم أيضاً، إذ أنها لا تُظهر بأن قوة مجتمع ما لا تتعين في كون الجميع جسم واحد متكوم على نفسه، وإنما تتعين في تنوعه وتعدده وابتكار المواقف والرؤى التي تشكله. وأشد ما ننساه هو أن ما تحتاجه الحرب من المثقف والكاتب ليس حماسته مثل أي متظاهر في حشد، وإنما قوة عقله ورجاحته ونقده. إذ أن في هذه ما يصلح لبناء القوة، ولإنجاز النصر. ذلك أن في غنائية الحماسة ما يشير ويمهد في الغالب إلى الخسارة في ... غنائيتها أيضاً.
27-7-2006
في الحروب - إذ تقع - نتذكر الحروب. ننساها، تأتينا في هيئة كوابيس أو أحلام شؤم. هذا أفضل، من دون شك. وهذا ما يصيب الأدباء والفنانين والمطربين وغيرهم. تقع عليهم الحرب في صورة مفاجئة، فيتدبرونها على عجل أيضاً. تحضرني اليوم صور بعيدة، في أيام "الولدنة"، عن حرب 1967: تفرجت يومها مذهولاً، وفي "بث مباشر"، على أغنيات الحرب، من دون صورها الحربية: تسارع الفنانون إلى الشاشة الصغيرة يغنون أغنيات تمت كتابتها وتلحينها وإنشادها في اليوم عينه، ويدلون فيها بتصريحات "عنترية"، كشفت عن علاقة أولية، أي غير محترفة، مع "المباشر"، سواء في آلة التلفزيون الجديدة، أو مع الحرب "المنقولة" لأول مرة في التاريخ العربي المعاصر.
هذه نتف ذكريات ليس إلا، ذلك أن المشهد تغير منذ ذلك الوقت. بات الجميع أكثر حذراً، أقل تفاؤلاًً، وأشد انتظاراً لما يمكن أن يحصل. المحللون أنفسهم - على ما سمعت أحدهم قبل أيام - باتوا يتريثون في الظهور التلفزيوني!
لهذا يمكن القول إنه بات لنا تاريخ وتقاليد ومرجعيات في التعامل مع الحرب. وهذا ما يمكن قوله في أدب الحرب كذلك. وقد يتفاجأ البعض في ما سأذهب إليه وهو أنه لا نملك حتى اليوم أدب حرب، على الرغم من "وفرة" الحروب. أهذا صحيح؟ ما أسباب ذلك؟ وما يعني هذا؟
يتحقق المتابع - لو تابعنا الحالة اللبنانية – من أن الحروب فوق أرض لبنان، ومع إسرائيل، لم تحظ بنصيب كبير في الأدب اللبناني: يمكن الإشارة طبعاً إلى "شعراء الجنوب" (محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع...)، مثلما أطلق عليهم في مطالع السبعينات في القرن الماضي، إلا أن ما كتبوه لم يتعد مجموعة شعرية يتيمة، أو مجموعة قصائد ليس إلا. بل بدت هذه "الظاهرة" (إن استحقت اسمها) تقليداً لشعراء المقاومة الفلسطينية، وما لبثت أن خبت، حتى لا نقول "غار ماؤها" تماماً. وهذا ما يمكن قوله في بعض مسرحيات ("مجدلون" أو "القتل" لعصام محفوظ، أو "جحا في القرى الأمامية" لجلال خوري وغيرها)، وفي بعض روايات (مثل "طواحين بيروت" لتوفيق يوسف عواد و"كوابيس بيروت" لغادة السمان وغيرها). إلا أننا نتحقق بالمقابل من صدور روايات تتعدى العشرات عن الحرب اللبنانية-اللبنانية، ولغالب الروائيين اللبنانيين (من توفيق يوسف عواد نفسه حتى الياس خوري ورشيد الضعيف وجبور الدويهي وحسن داوود وغيرهم). وهذا ما يمكن قوله في الأدب الفلسطيني نفسه. وأبلغ دليل على ذلك شعر محمود درويش نفسه، الشاعر الأبرز في أدب المقاومة، حيث تحول شعره الأخير - في ما خلا مجموعة "حالة حصار"، التي لها أسباب خاصة متعلقة بحصار الشاعر نفسه في رام الله - إلى شعر "داخلي"، له تطلعات إنسانية النبرة، لا "كفاحية" المنزع، في تعبيره عن صعوبة الشرط الفلسطيني في الوجود. وهو ما يمكن قوله في شعر غيره أيضاً، حتى أنه اختفى الحديث عن "شعر المخيمات" نفسه، الذي كان عنوانَ لافتة شعرية عريضة في العقود الماضية.
ولا تختلف حال الأدب المصري مع الحرب عن التجارب العربية، حيث أن أدب الوجع المصري-المصري يفوق بمقادير واسعة أدب: "العصفور" و"نجمة أغسطس" و"مواطن مصري" و"الرصاصة لا تزال في جيبي" وغيرها.
ما تعني قلة الاهتمام بالحرب؟ أتعني قلة اهتمام بالسياسة، أو بالوطنية، أو بجدوى الحرب؟
ألم "يحث" الرئيس السابق صدام حسين أدباء العراق للكتابة عن الحرب المندلعة ضد إيران، بعدد وافر من "التقديمات" (سيارات ومكافآت مالية عالية وغيرها)، من دون أن يبقى من هذا الأدب، في غالبه، إلا شعارات نفقت بعد نزولها في تظاهرة؟ فقد عرف أدباء العراق، حينها، مثل أقرانهم العرب، بأن الحرب - على أحقية أسبابها أحياناً - لم تعد موضوعاً أدبياً بامتياز. وما بات موضوعاً مميزاً للأدب - منذ "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي و"كشوفات" فرويد عن "اللاوعي" - يتعين في "حروب الداخل"، حيث "الآخر هو الجحيم"، مثلما قال جان-بول سارتر في إحدى مسرحياته.
لهذا يشكل انصراف الأدباء العرب إلى مواجع الداخل وآماله وعياً متجدداً بما يمكن للأدب أن يكونه - أي تعبيراً إنسانياً - فيما لا يتاح له في الحروب أن يكون سوى "رصاصة" في أحسن الأحوال، وقد لا تفيد هذه الرصاصة حيث يسددونها، إذ قد تبقى "في جيب" الأدب.
7-8-2006
وقع بين يدي قبل أيام كتاب قديم - وقد استنفدت قراءة الكتب التي اصطحبتها معي إلى عطلتي التي تحولت مع الحرب إلى عزلة إجبارية - لكاتب فرنسي، ريمون آرون، يتحدث فيه عن نفسه بوصفه "متفرجاً منتمياً". وهو أراد من التعيين شيئاً غير ما أطلبه منه: هو تحدث - في خلاف مع جان-بول ساتر الذي قال بأن المثقف "ملتزم" بالضرورة شاء أم أبى – عن مسافة لازمة للمثقف من السياسة والإيديولوجية، من دون أن تعني انفصالا،ً بل نوعاً من العلاقة الواعية.
أبتعدُ بفكرة آرون – على جديتها – صوب معنى أبسط في هذه الأيام التي تحولنا فيها الحرب إلى مفكرين بالحد الأدنى، إذا جاز القول. أريد من فكرته أن أجعلها عنواناً لجلساتي التلفزيونية المديدة: أنا منتم تلفزيونياً إلى هذه الحرب. وهذه حال ملايين من البشر من دون شك. والدليل على ذلك أن أعداد المتظاهرين ما زادت على مئات في هذه المدينة العربية أو تلك، فيما زاد بالملايين عدد المتسمرين على شاشات التلفزة. ألهذه الأعداد القليلة أسباب أخرى؟ أم أن لهذه الحرب متفرجين منتمين ومكبوتين في الوقت نفسه؟
أنا جالس، بيدي أداة التحكم بشاشات التلفزيون، فيما يتكشف لي يوماً بعد يوم أننا لسنا أسرى في بيوتنا وحسب، وإنما أسرى الصورة ايضاً. أسرى ما يقدمونه لنا على أنه الحرب، من دون أن تكون الصور "مأذونة"، حسب معاهدات الحروب، التي لا تجيز نشر الصور ... المهينة لإنسانية الإنسان.
لهذا أتساءل أيضاً: كيف يحدث أن أوجاعنا لا تساوي غيرها تلفزيونياً؟ كيف يحدث أن صراخ الجنوبي النازح، الذي يطل على التلفزيون لإبلاغ عائلته أنه لا يزال على قيد الحياة، ولكن في "جنينة الصنايع" لا في "الضاحية الجنوبية"، لا يساوي نداء الاستغاثة من طفلة مهددة بالموت، وذاعت صورها قبل سنوات ودارت دورة الأرض لساعات طوال؟ أيكون للألم ميزان؟ أهو ميزان دقيق؟ أنكون في هذه الحرب أقل من ضحايا؟ كيف يحدث لنا أننا - من ناحيتنا هذه المرة - لا نتحدث إلا عن "المجازر" و"جرائم الحرب" و"إرهاب الدولة الإسرائيلية"، أي بلغة وصور لا تبدو "مؤثرة" كفاية في "الضمير العالمي"، كما يصر البعض على تسميته حتى اليوم؟ ألا يمكن أن يكون لنا خطاب إقناع، خطاب عقل، يدعو إلى القانون والحق والعدالة؟
وهو ما أدفع به صوب مناطق أوجع في السؤال: أصحيح أن آلام الضعفاء تبقى ضعيفة، غير مستهابة مثل آلام الأقوياء؟ كيف يحدث أن إصرار إسرائيل الشرس على استعادة رفات أحد جنودها، بل استجماع معلومات عن "اختفائه" منذ سنوات بعيدة في أرض لبنان (الجندي رون آراد)، يساوي في حسابها، وفي ميزان الاعتبار الدولي، أكثر من استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى السيادة اللبنانية؟ ولا أتساءل من باب الشكوى أو التنديد بل من باب طلب الفهم: أليس لنا أن نتفهم مكامن التأثير وإحقاق الحق لدى الغير؟ ألا يعني هذا – فيما يعني – أننا لا نحسن التخاطب مع جماهير الدول النافذة؟ أليس لنا سبيل – خارج الحروب – في أن نظهر حقنا، وبلغة وازنة، بدل الصراخ والندب والتظلم والتشكي لحظة الشدة؟
لهذا بدت لي – مع الخبرة التي تحصلت لي في الجلوس والمراقبة – الصور.. قديمة، والخطابات قديمة بدورها: "واعرباه"، "وإسلاماه"، "أين العرب؟"، "لماذا لا نستعمل سلاح النفط؟" وغيرها مما لا نستمع إليه في زمن السلم، ومما لا نعد له العدة استعداداً للحروب بالمقابل.
لم أتعرف بالأمس على محمود ياسين، مع فنانين وإعلاميين وسياسيين مصريين، يزورون لبنان في زيارة دعم ومساندة، وإلا لكنت سألته كما أسأله اليوم: ألا تزال الرصاصة في جيبه؟
في هذه الصور المكرورة، إذا جاز القول، بدت دمعة الرئيس فؤاد السنيورة، وفي "بث مباشر"، حارة، حقيقية، مفاجئة: لم يجهش السنيورة بالبكاء، إنما ماؤه فاض. هي حبة الماء التي فاضت من كأس الآلام اللبنانية، التي يتجرعها السنيورة مع اللبنانيين وأمامهم. هي مما لا يعرفه الباكي نفسه، مما يصعد بين الرئتين ويتلجلج فوق الشفاه. هي مما يفاجئ حتى كبير أهل الفقيد، في كلمة التأبين، هي الدمعة الوحيدة، النادرة، البلورية. الدمعة التي - إذ تسترجع حياة الفقيد - تغص بالمظالم والإكراهات التي تعرض لها، من دون أن تنصفه الحياة. ولكن عن أي فقيد أتكلم؟
14-8-2006
وفي اليوم الثالث والثلاثين توقفت الحرب عن الكلام المباح، إذ تم في هذا الصباح، في الساعة الخامسة فجراً بتوقيت غرينتش وقف الأعمال الحربية. ولكن ماذا عن الكلام غير المباح؟
هناك من سارعوا إلى تسجيل الانتصارات، ومن دونوا بأحرف استثنائية نشيد الكرامة. ما أعرفه وما أشعر به هو أنني خسرت، وأن وطني سيسعى منذ هذا اليوم إلى الخروج من تحت الأنقاض، وإلى لملمة الجراح، خاصة وأن القصف الإسرائيلي التدميري أخفى تحت الجسور والبنايات جرائم وجرائم، خسارات وخسارات... وستتكشف لنا بعد وقت، بعد شهور، حقائق كثيرة مما تم ردمه تحت الأنقاض، خاصة وأن هذه الحرب امتازت بنسبة عالية من "التضليل الإعلامي".
ستدخل هذه الحرب في كتب التاريخ، وفي دراسات الكليات العسكرية، إلا أنها قد لا تجلب بالضرورة جلاء سياسياً للصراع: أستكون تمهيداً لحرب أخرى؟ ألم تكن "تمرينا"ً لحرب إقليمية مقبلة؟
ستبقى لي - فيما يخصني - آثار من هذه الحرب في جسمي، في ساقي اليمنى وفي جزء من قدمي اليسرى: آثار السقطة على حجارة في قريتي، في نزهة، في اليوم الثاني على اندلاع الحرب. سيبقى - مثلما هو واضح لنا – ندوب ظاهرة هي العلامات البينة لجراح أعمق، هي الجراح الصامتة للحرب. ذلك أن معارك بشعة دارت في نفسي، في خاطري، في كوابيسي، في الليالي التي أمضيتها ساهراً، في هدر الوقت، في خفوت العقل، في انعدام الرغبة، في هذا الوقت الكثيف الذي يمثله شهر الحرب فيما كان له أن يكون شهر العطلة، شهر الكسل، شهر الخفة.
تبدو الأيام السابقة على الحرب بعيدة، غارقة في ظلام سحيق، فيما لا أحسن بعد التفكير في الخروج من بيتي صوب مسالك الحياة الغامضة.
("يوميات" في حرب 2006)