أقضي وقتاً طويلاً أمام التلفزيون، أمام شاشاته المختلفة، عملاً ربما بما قاله مفكر فرنسي راحل، ريمون آرون، عندما كتب عن "المتفرج الملتزم"، أي غير المنفصل عما يجري في مجتمعه من قضايا ونزاعات. إلا أنني لم أنزل بعد إلى الشارع مثل ملايين مجتمعين ومختلفين في ساحات عربية وغربية عديدة. وهو ما كنت لا أتاخر عنه لما كنت فوق مقاعد الدراسة الثانوية والجامعية، سواء في لبنان أو في فرنسا...
وقد لا يكون موقفي مختلفاً عما فعله أحد "المتكلمين" في أحد كتبي الشعرية الأخيرة، "ترانزيت" (2009)، حيث قرر، بعد انقضاء احتجازه مع مجموعة من المسافرين-المتكلمين في صالة "ترانزيت" في مطار، البقاء في العتمة، بدل الخروج إلى الضوء من جديد، أي إلى الشارع. وهو امتناع لا يصدر عن خوف، أو عن عشرة متمادية مع النقمة المختزنة، وإنما يصدر عن ولع مزيد بالتخيل، بما تتيحه من حياة أخرى، غير الحياة المتاحة.
ذلك أن الشاعر إذا كان، كمواطن، يتأثر وينفعل ويندرج مع غيره من "الناقمين" في النزاعات، فإنه كشاعر نزل إلى شوارع القصيدة منذ وقت، ولم ينتظر قاعداً في العتمة، في الكبت. هذا ما تتيحه القصيدة، وإن لم تكن كذلك لشعراء طلبوا منها أن تكون صدى أو حفظاً أو تزخيماً للحظة خارجية. ذلك أنني لطالما نظرت إلى القصيدة مثل فضاء قائم بنفسه، وليست غرفة خلفية أو مستودعاً لما يجري خارجها. هذا لا يعني أن القصيدة لا تتعرف، أو لا تتفاعل، مع ما يجري في السجون، أو لا تتنبه إلى امتناع المتكلمين عن الكلام، أو عن الحراك، "غير المأذون" من "صاحب الدولة"، وإنما يعني أن القصيدة تعيش زمنها عميقاً، لكنها تعيشه في مبانيها الخصوصية، أي في الأشكال التي تختارها وتعقد فيها نزاعاتها، في دروبها وشوارعها وسبل الخروج منها.
هذا لا يعني أن القصيدة تتشاوف، أو تتكبر، أو تتعالى، أو تنأى بنفسها عما يجري، وإنما يعني أنها تقوم بواجبها كما يمليه عليها موقفها من الشعر، ومن الإنسان. ذلك أن ما أطلعُ عليه من قصائد "نضالية"، أو من روايات "ثورية" (مثلما التي كتبت وصدرت بعد شهرين على حراك التونسيين، في عجلة قد تصلح للدعاية، لا للإبداع)، تجدد وهماً سابقاً في الكتابة العربية، وشعوراً بالإثم أو بضعف الالتزام من قبل كتاب عرب.
فما تقوله الشعارات، اليوم، هو ما توانت كتابات عربية عديدة عن قوله، صراحة أو مداورة. وما لم يجعل هذه الكتابات فاعلة أو مؤثرة في بيئاتها، أو في سلوكات أهلها، أو في تغيير الأوضاع، لا يتأتى من "ضعف" التزام الكتاب أنفسهم بالضرورة، أو من "مسايرتهم" – القائمة في بعض الأحوال – للحكام، وإنما يتأتى من مصاعب قيام شروط الكتابة نفسها، في المجتمع، في البيت، في المدرسة، في الفرد. هكذا نعيش في الشائعة، لا في الخبر، ولا نجد القارىء بل المستمع، ونكتفي بالشعار بدل فحص المعنى... هكذا لا تعيش الكتابة حياتها، ولا يعيش القارىء فيها ومعها.
لهذا لا يجد القارىء العربي كتاباً يفسر أو يمهد لما حدث ويحدث، هنا وهناك، في المدن والقرى العربية، بينما يجد القارىء الغربي كتباً عديدة ومنتديات ونقاشات متكاثرة تفسر له وتشرح أسباب "النقمة" التي تتصاعد في شوارع نيويورك وباريس ومدريد ولندن وغيرها، في وجه اختلالات العولمة المتمادية.
فما نعايشه، بعد عهود الصمت والعتمة، يتعين في الصراخ، ولم يبلغْ بعد وطنَ الكتابة.
(مجلة دبي الثقافية، دبي، كانون الأول 2011).