قبل دقائق على حملي حقيبتي للخروج من غرفتي في فندق بالدار البيضاء، والتوجه إلى المطار، تعمدت إشعال التلفزيون، وسعيت وراء الصحفي الإلماني، في قناته، بعد أن تحققت، منذ يوم وصولي إلى الفندق، وطوال أسبوع كامل، من أنه لم يترك قعدته المتأهبة للكلام، ولكن من دون كلام، فيما كانت تبدو قمصيه المشدوة إلى ربطة عنقه مشدودة للتو.
هذا العطل الذي جمده دعاني إلى تفقده كل يوم، وأحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد، على الرغم من عدم معرفتي للإلمانية إلا في عدد قليل من ألفاظها. هذا التعلق به قد لا أعرفه مع غيره، وهو تعلق ناتج عن الإلفة التي باتت متاحة مع الصورة المتحركة الصغيرة.
كان يقال عن الشاشة الصغيرة إنها "نافذة" عند بلوغها البيوت، وإذا بها تتحول إلى بيت نعيش فيه أكثر مما نعيش في بيتنا نفسه، أو في مكتبنا. وهو كلام له معنى عربي مزيد في الشهور الأخيرة، حيث بات التلفزيون صورة الحراك الجاري، وأداته أساساً. بل بات في إمكاني كمتفرج أن أقول: بقدر ما أنا متفرج تلفزيوني بقدر ما أنا مواطن... وهو ما لم يخطر على بال أي دارس في السياسة قبل سنوات قليلة، ولا أي حاكم.
الصورة باتت مدونة السياسة، وأساس التقويم وإبداء الرأي؛ بل تحولت إلى مكان الصراع نفسه. وهي نقلة لم نحسن بعدُ درسَ مفاعيلها على جميع أنماط السلوك والتفكير. إلا أنها – في جميع الأحوال – تحط من منزلة الكتابي تماماً، بأنواعه كلها. وهي ثورة لا نحسن بعدُ درسَها، ولا فهمَ التغيرات التي أحدثتها مع ما نجح غوتنبرغ في إثباته، وهو أن المعرفة والصلة بالعالم وبالبشر تتعين من خلال ما نملكه عنهم في مدونة مطبوعة قابلة للانتقال والحفظ والبناء ابتداء منها.
ما أريد أن أقوله هو أن عهد "تفاقم الصورة" يعود بنا، بمعنى من المعاني، إلى اعتيادات قريبة أكثر من العهد الشفوي. فتكفينا "إطلالات" أوباما التلفزيونية أكثر مما يعنينا قراءة خطابه في الجامعة الأميركية في القاهرة، وما نعرفه عنها هو ما حفظه النلفزيون منها.
هذا الإفصاح الشديد المطلوب من الصورة – وإن المحدود او المختصر – لا يتوافر بالطريقة نفسها في البلدان العربية، وفوق الشاشات العربية، على الرغم من وفرتها، ومن "نجاحاتها" الإعلامية احياناً. ذلك أن الصورة التلفزيونية هذه تشبه في أحوال كثيرة الصورة السينمائية، التي لا تعدو كونها صورة قريبة من الحكاية أكثر مما هي قريبة من الرواية.
فكم من التلفزيونات يمثل للمتفرج مثل إذاعات، يمكنك الاستنماع إليها لا النظر إليها. وهو ما يصح في المتكلم فيها حيث تراه يخطب بدل أن يتكلم، ويجادل بصوت عال كما لو أنه في ساحة أو فوق منبر. وهو ما يدعوني إلى السؤال عن المتفرج كذلك: أهو يعاين فعلاً أم يرى في الصورة ما "تخفيه" من مؤامرات، كما يقولون؟ فقد استوقفني كثيراً في من أستمع إليهم من مشاهدي تلفزيونات هو أنهم يحدثونك عما يقع قبل الصورة، وخلفها، وبعدها، بقدرة لا تتوافر إلا لمن اعتاد على الشائعات، لا على الأخبار، وهي شائعات لا تتوافر وتنتعش إلا في الأنظمة "القائدة".
الصحفي الألماني تابع حياته فوق الشاشة الصغيرة وخارجها، قبل خروجي من الغرفة، بخلاف "مساكين" من المذيعين العرب ممن ترى على وجوههم تعاسة الإعلام العربي.
(مجلة دبي الثقافية، دبي، شباط 2012).