كثيراً ما أطرح على نفسي أسئلة هي غير التي يطرحها غيري على نفسي. ما لا أطرحه على نفسي، على سبيل المثال، هو التعدد الذي يصيب كتابتي، بين شعر وبحث - اختصاراً. وأنا لا أقول هذا من باب التباهي أو التفاخر، بل من باب وصف الحال. ذلك أن حياتي جرت على هذا المنوال، على أن جسدي بيت له غرف كثيرة، وبينها ممرات ونوافذ واصلة وفاصلة في الوقت عينه.
وفي هذا لا أستعير استعارة، للتخفيف مما أنا عليه ومما أعمل عليه، وإنما أشير إلى شيء أبعد في ما تقوم عليه كتابتي، وهو ما أجمعه في الحديث عن الرغبة في نطاق الشعر، وعن السؤال في نطاق البحث. فأنا لا أُقبل على القصيدة في طُرُقها المعهودة، وإنما من حيث لا تتوقع، في نوع من المباغتة أو المراودة. كما أُقبل على البحث أيضاً من حيث استقر، لا من ثبات الموضوعات والرؤى التي تتحكم بهذه القضية أو تلك في مسائل "النهضة" والحداثة، التي أشتغل عليها.
لهذا فإن الحديث عن "الإبداع" يتخذ في كلامي وجهة لا تفصل بين الفكر والإبداع، وإنما تجمعهما على تباينهما، مدركاً أن ما يحاوله الشعر يبقى أبعد صمتاً وغوراً مما يقوم عليه البحث. أقول هذا لا مدحاً لما أشتغل عليه، ولا لطريقتي في العمل عليه، وإنما جمعاً لما يقوم عليه وجودي الكتابي في وجودي الإنساني.
وما استوقفَني، منذ عنوان هذه الندوة، تقابل ثان، بين "الكوني" و"المحلي"؛ وهو تقابل يستعيد في صيغة جديدة تقابلات أجدها منذ أسئلة "النهضويين"، "عنا" و"عنهم"، أو ما ذاع في عبارة الأمير شكيب إرسلان، عن "تقدم" الغرب و"تخلف" المسلمين، أو ما قاله الإصلاحي خير الدين التونسي قبل ذلك.
يتخذ هذا التقابل، هنا، وجهة فلسفية، ما يعدُّ التفاتة طيبة في سياق عربي تختفي فيه الفلسفة وتنعدم تعليما وتأليفاً، ليحل محلها نوع من الكتابة التأويلية أو التفسيرية أو الإيديولوجية ليس إلا، ما يجتمع خصوصاً في الحديث عن "التراث". إلا أن طرح الموضوعات على الطريقة التي نطرحها يتعين في استحياز مكان في جدل يتعدانا ولا نشارك فيه واقعاً. فمن يتابع الخطاب الغربي، هنا أو هناك، قلما يقع على "هم" و"نحن"، وإنما يقع على موضوعات ومفاهيم وجدالات قد تشملنا وقد لا تشملنا، إلا أنها في جميع الأحوال تتقدم وتغامر في اتجاه بلورة ما تراه أهلاً بالفكر الإنساني، ما يمكن وقوعه في دائرة "الإبداع" حكماً، طالما أنه يفتح عتمة في معنى، ويجتهد في طرح موضوعات.
ما يشغل الشاعر في عتمة المعنى هو ما يمكن أن يشغل المفكر أيضاً في عتمة المعنى أيضاً، إذ أنهما – لو ابتعدا عن التوظيف الغنائي أو الدعاوي – معنيان بما يمكن للروح، للفكر، للعقل، للحساسية، أن تفعله، أن تنشط في سبيله، بما يحركها ويجذبها ويحولها إلى طاقة منتجة... هذه الطاقة التي في الإنسان، والتي يريد بها دفعَ الموت عنه، تدفعُه إلى خوض غمار هذه العتمة، التي يستعجل فيها الإنسان معرفة ما يخفى عليه، أو ما يبقى عصياً عليه في عمره القصير. ألا يكون الشعر، مثل الفكر، تعجيلاً ممكناً في تدافعات العتمة، بما ينير البهجة والعمل والأفق؟ هذا ما يفتحه البحث، وهو ما يتكشف في ثنايا القصيدة، في مجال الرغبة: الرغبة التي تقع في صلب التدافع الحيوي في اللحظة التاريخية، وفي حراك النص كذلك.
فالحديث عن "الإبداع" و"الرغبة" يتمثل في استكشاف محركات واستهدافات لا نوليها أي قيمة، بل نحشرها في كلام عن الفعالية الانفعالية أو الحساسية أو غيرها، مما يبقى حديثاً غائماً أو غير ذي نفع في نقاش معرفي.
فالإبداع يتعين – هنا - في تحريك حدود وحواجز ومسبقات ورتابة في ارتياد الصور المعهودة للفكر. وهو ما نحتاجه في بلادنا حيث اعتدنا على عبادة الماضي، بل على الركون إلى المألوف، ما أجمعه أكثر في عدم الإقدام على السؤال، على فتح الملفات المحكمة الإغلاق.
يقول خير الدين التونسي في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك": "ثم إذا اعتبرنا ما حدث في هذه الأزمان، من الوسائط التي قرَّبت تواصل الأديان والأذهان، لم نتوقف أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة، تسكنها أمم متعددة، حاجة بعضهم لبعض متأكدة، وكل منهم، وإن كان في مساعيه الخصوصية غريم نفسه، فهو بالنظر إلى ما ينجر بها من الفوائد العمومية مطلوب لسائر بني جنسه" (طبعة "بيت الحكمة"، 2000، تونس، ص 94).
ولو عدت إلى ما قاله سليم البستاني في "جملة سياسية" (أي الافتتاحية)، في مجلة "الجنان"، في العام 1870، لوجدته يتحدث عن "روح العصر"، وعن "العصرية"، ما يشرحه في هذه العبارات: "هذا الروح هو ما يُسمى بروح العصر. أي المبادىء التي تؤسس عليها أعمالَها كل أمم العالم، أو بعضها، أو واحدة منها، بحسب الاجتماع والانفصال"؛ وإذا كانت أمة أو أكثر "مخالفة" لهذه المبادىء يُقال عنها "إن روحها مخالف لروح الزمان" (سليم البستاني: "افتتاحيات مجلة الجنان البيروتية، 1870-1884"، إعداد وتحقيق: يوسف قزما خوري، (جزءان)، دار الحمراء للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1990، ص 96). وتنتج "روح العصر"، حسب البستاني، عن "اختراعات" القرن التاسع عشر، والتي نتجت بدورها عن "البحث المدقق في كل ما من شأنه ترقية أسباب المعارف والعلوم والزراعة والصناعة والتجارة"، ما كان له أثره البين عليها، إذ "سَهَّل أهلُ هذا القرن ما كان مستصعباً، وقرَّبوا ما كان شاسعاً، وخفضوا ما كان مرتفعاً، ورفعوا ما كان مخفوضاً، وساروا في البحار كما ساروا في القفار، وسابقوا النسر في طيرانه، وأذلُّوا المحيط في هيجانه، فأصبحت الدنيا، بنشاطهم وحذقهم وإقدامهم وأموالهم، كأنها سهلٌ واحد (...). فانضم الجنس البشري بعضه إلى بعض، وأضحى بعد اضطرابات القرون المتوسطة (أي القرون الوسطى) كأنه عيلة واحدة، غايتها واحدة، وهي ارتقاء درجات التقدم والنجاح أدبياً ومادياً. ولذلك كان لا بد من روح واحد لعصر واحد، اهتم أهلُه في نوالِ مقصودٍ واحد" (م. ن.، ص 96). ويخلص البستاني من عرضه إلى القول: "إنه من حسن التدبير الموافقةُ لروح العصر. لأن من لا يوافقه بالرضى يوافقه على رغم أنفه" (م. ن.، ص 98).
مثل هذا الوعي مبكر، إذن، لا يختلف فيه خير الدين عن البستاني في الحديث عن "بلدة متحدة"، و"عيلة واحدة"، وعن كون "روح العصر" لازمة لجميع الأمم، برضانا وعلى الرغم من أنفنا. ومع ذلك لم نبلغ التقدم المرجو، فيما نجح غيرنا، مثل بلدان ذات مبان تقليدية، كاليابان، بل نجحت بلدان إسلامية في الخروج من "تخلفها"، مثلما دعاها أرسلان (أي ماليزيا وأندونيسيا وغيرها)، فيما لم ينجح غيرها ولم يسلك الخطى الأولى في هذا المسعى، وهو أن نكون محليين وكونيين في آن، وأن نكون منتجين وفاعلين في عالم اليوم. لماذا؟
سعى "النهضويون" العرب، منذ نصف قرن وقرن، إلى إيجاد الأجوبة المناسبة، متوسلين مقاربات ومناهج لجأت إلى التقنية، والسياسة، والإيديولوجية، والتفسير القويم، وغيرها. وقد راهن "النهضويون" على الوعي، على المدرسة "العصرية"، ظانين - بثقة المبشرين والواعظين - أن تغيُّر الوعي قادرٌ على إحداث التغيير المنشود، وإلحاق العرب بما كانوا بعيدين عنه في دورة العالم. هذه المقاربات لم تأخذ بعين الاعتبار، في طور أول، بالسياسة وشروط قيامها، ظانين بأن إنارة وعي السلطان والحاكم كفيل بتغيير السياسات. وهو تغيير ممكن في حدود السياسات، أو بعضها على الأقل، إلا أنه لا يبلغ السياسة لجهة بناء شروط الشرعية، وفق محددات جديدة، تعني الخروج من العهد الخلافي-السلالي-الأمبراطوري إلى عهد مغاير، أكثر تاريخية وأكثر إنسانية، إن جاز القول. وحين أخذت هذه المقاربات، في طور ثان، بالسياسة، ولا سيما بعد سقوط السلطنة العثمانية ودخولنا في عهد "الدول"، جرى طرح الأمر بعيون إيديولوجية في غالب الأحيان.
لست في معرض استرجاع، ولا نقد، أطوار "النهضة"، ولا سيما بعد عهد الاستقلالات العربية؛ ما أطمح إليه هو تسليط الضوء على معضلة متلازمة، تجمع بين الاجتماعي والسياسي (في بناء الدول خصوصاً). فما يعيق النمو، والبناء، وإيفاء الذات حقوقها، لا يتمثل في تدبير أحسن مقالة في التفسير أو الدستور، وإنما في قيام علاقات اجتماعية بما يبني المجتمع الحديث. فبلادنا مجتمعات لم تبلغ بعد مرتبة الدولة، وقوانا الاجتماعية جماعات لم تبلغ الوظائف الاجتماعية المتعالقة والمتمايزة في آن. لهذا نرى الشاعر "حديثاً" (كما يسمونه) فيما هو "زعامي" الكلمة؛ ونرى السياسي لا ينفصل عن المنطق "الزعامي" نفسه، ويعمل على تأكيده، وربما توريثه أيضاً. ولهذا نرى أفراد المجتمع يتكتلون في جموع، ويخرجون في كتل - إن تظاهروا - من دون أن يبلغوا "الذوات" المتشابكة ولكن المتباينة في الوقت عينه. إن استمرار المباني التقليدية في الاجتماع، بل تعايشَها مع أشكال عمل رأسمالي من دون كبير اهتزاز، يجعل أي أساس للنهوض، للتحديث، مؤجلاً أو معطوباً ومعاقاً في أحسن الأحوال.
إن هذا الاجتماع يحتاج إلى أكثر من دراسة وتحقيق، وإلى استمارات وتحاليل لسلوكات وقيم بما يُظهر كيف أن الدينامية معطوبة سلفاً، وكيف يتم حجرها أو تحويرها عما لها أن تكون عليه، فلا تقوى النزوعات بالتالي من أن تكون عاملاً دينامياًُ، بل باني "حضارة"، مثلما درسها نوربرت إلياس على سبيل المثال، في كتابه "دينامية الغرب". فماذا يجري؟
يشهد أكثر من باحث ومتابع على أننا نعايش حالياً "ردة نكوصية" على عصر "النهضة"؛ وإذا تحدثتُ أعلاه عن مبشرين وواعظين ومفسرين وإيديولوجيين، في أطوار سابقة، فإننا نشهد حالياً ما أسميه بـ"سَحَرة المعنى".
هذا ما يمكن أن أستدل عليه – في هذا العرض المتسرع – في تراجع البحث كقيمة في إنتاج المعرفة والمعارف في جامعاتنا وتآليفنا. وهو ما يمكن أن أستدل عليه – في علامة أخرى – وهو انقطاع تعليم الفلسفة في جامعاتنا. ذلك أن الجدل أو الطروحات، التي تقع خارج نطاق التفلسف، لا تعدو كونها تخليص الخطاب وحكم الجماعة من أسباب العقل والتفكير والتعليل، حيث المعنى يتحول إلى "ملكية"، إلى حق حصري بهذا "الشيخ" أو "الأمير" وغيرهما.
والتحكم بالمعنى، بهذه الطريقة "السحرية"، يعني - في ما يعنيه - ويؤدي إليه، هو "تطويع" الجماعة وأفرادها في كتل جماهيرية مبهمة وهلامية لجهة تكوينها (فهي ليست اجتماع أفراد أحرار، أو مواطنين، برضا وتشاور وتوافق وتداول). هذا يتم، بدل أن يتم العمل على تنمية وإطلاق طاقات أفراد هذه الجماعة، وتعويدها أو تمكينها، في أقل الأحوال، من أن تكون قوى محرِّكة ومنتِجة، لا مطيعة وراضخة ومخضَعة.
إلا أن الحديث عن تلازم الإبداع والرغبة لا يستقيم، في حسابي، من دون الحديث عن "القيمة". إلا أنها صعبة التحديد، واقعاً، طالما أنها شرطُ إمكانِ أيِّ تعليل، أي تشريع، استناداً إلى ما قاله ماكس فيبير، وهو أن القيمة «أفضلية أساسية غير قابلة لأي بلورة عقلانية». لهذا يتحدث عن «تعددية قيمية»، ويستعمل لهذا الغرض لفظاً فرنسياً (polythéisme)، وهو يشير إلى تعدد الآلهة، وتعدد المرجعيات، ما يعني صعوبة حصول توافق أو تفاهم مؤديين إلى تراض أو تصالح بين خيارات «أكسيولوحية» (أي شاملة للقيم الأخلاقية) لدى الأفراد أو الجماعات البشرية. وأنا أجد أن هذا التحديد لـ"القيمة" يمكننا من استبيان الخيارات الممكنة، التي لها أن "تُموضعَنا" في العالم.
فمن يتابع الكثير من الخطابات والمواقف العربية والإسلامية يتحقق من أنها تعنى أساساً بهذه الخيارات "الأكسيولوجية"، التي تشمل القيم والسلوكات وغيرها، ومن دون غيرها. واللافت في هذه الخطابات والمواقف هو أنها تغيب، أو لا تبالي يغيرها مما تقع فيها أسباب التقدم والشرعية والسعادة. فأن نتقيد بحجاب، أو بلحية بعينها، أو بطريقة "شرعية" في النوم، وغيرها من التدبيرات لا يعني أننا، في أي حال، نتقدم بالضرورة، وأننا نواجه عالم اليوم كما هو فعلاً. ولا يمكن القول بأن محرِّكِي رواج هذه الخطابات والسلوكات "ساذجون" إلى هذا الحد، وإنما يريدون التحكم بأبسط الأساليب وبالثقافة "الرثة"، ليس إلا.
وهذا ما يصح في السياسي أيضاً: من المؤكد أن دولاً عديدة تضغط علينا، وتسعى إلى التأثير فينا، وإلى التحكم بمقدراتنا... هذا مبدأ السياسة، وطلبُ النفوذ الملازم لها، في أي وقت. هذا ما يحتاجه ويطلبه الدولار واليورو والحاسوب والشاشة والهبمرغر ولسان مادونا الممدود... هذا لا يقع علينا وحدنا، ولا يصيبنا من دون غيرنا. بل أقول إن نظرية "المؤامرة"، التي تستهدفنا في خطابات كثيرين في بلادنا، لا تعدو كونها صورة تعظيمية للذات، ولكن بالمقلوب. فنحن – لأننا عظماء وخالدون وأصحاب تراث أزلي وسرمدي - يستهدفونا ويمعنون في مطاردتنا.
سليم البستاني وخير الدين التونسي وغيرهما الكثير من رجالات "النهضة" تبينوا السبيل، ووجدوا أننا نعيش في "عالم واحد"، وأنه يتوجب علينا اتباع "روح العصر" و"العصرية"... هكذا خصص عبد الرحمن الجبرتي وقتاً وحيزاً من كتابته لوصف العربة الصغيرة التي يجرها دولاب خشبي، وأتى بها الفرنسيون في عداد حملتهم إلى مصر. ماذا نفعل اليوم، في نقلة "العصر" الجديد، خاصة وأن درسَ الأمس القريب لم يعد درساً محموداً في عالم العربية اليوم، بل يعمل كثيرون على تفريغ هذا الدرس من خلاصاته بأن يحولوه إلى درس تقني في أحسن الأحوال.
عالم، اليوم، تغير عما كان عليه عالم الجبرتي والبستاني وخير الدين؛ وهو ما تثبته دراسات عديدة يُستحسن أن نطلع عليها، وأن ندرك مراميها، مثل كتاب "زمن الكرز" لميشيل سير (Michel SERRES : Temps des cerises , 2009). ما ينتبه إليه سير، في هذا الكتاب البسيط والمضيء في آن، هو أن ما نعايشه اليوم، ينهي عهداً مديداً من تاريخ البشرية، ليس أقله نهاية العهد "النيوليتي"، الذي بدأ قبل عشرة آلاف سنة، بعد أن تحول إنتاج الزراعة من النصف إلى ما يساوي 2 بالمئة في إنتاج الدول التي يدرسها. وهو ما يتعين في وجه آخر من التغير عينه، إذ يبلغ عدد سكان المدن ما يزيد على خمسين بالمئة، على أن يصل في العام 2030 إلى 70 و75 بالمئة، بعد أن كان يساوي في العام 1800 نسبة 3 بالمئة. وهو ما تعرفه المدن الكبرى في بلادنا – لو شئنا المقارنة – حيث أن مدناً مثل القاهرة والدار البيضاء وغيرها تتحول إلى مدن عملاقة، وتتضخم حولها الضواحي، بما يفرض تصوراً جديداً للسكن، والعمل والسياسة والثقافة بالضرورة.
كان ديكارت يقول بأن على الأنسان أن يصبح "سيداً ومالكاً للطبيعة"، وهو ما بلغه إنسان اليوم، حسب سير، إذ يقول: "لنقلْ هذا بكلمة موجزة، كان للمخزون اللامحدود للبحث، للتقدم أو للاستثمار العقلاني والتقني، كان له، ولا يزال، غرض واحد هو مجموعٌ منتهٍ من الأشياء المحسوسة، الجامدة أو الحية. وإذا أردتُ أن أوجز هذا بصورة، لقلتُ إن لاتناهي البشر يواجه انتهاء العالم" (ص 32). ما يعني، وباختصار أيضاً، أن العالم بات محدوداً ومعدوداًَ، وهو منته بالتالي، بينما تتزايد مقدرات الإنسان وقواه، ما يجعله اللامتناهيَ في هذه الثورة الجديدة.
يمكن للباحث أن يستكشف في صورة أقوى معالم هذا التغير، الذي بات يتيح – حتى لبلدان فقيرة أو متخلفة – أن تنهض، أن "تنبثق" (pays émergents)، كما يقال اليوم، وذلك بالاعتماد على الثقافة الجديدة. هذا ممكن إن اعتمدنا على ثقافة البحث، من جهة، وعلى إيجاد مرتكزات جديدة للتعايش الإنساني، من جهة ثانية، لا تستند إلى التقليدي بل إلى المتجدد، بما يولده عالم اليوم من قربى وشراكات وفق أفق جديد.
طلبت في كلامي التحدث عن "أفق"، بينما أتبين أن "سحرة المعنى" يقولون لكم ولي إن التاريخ قد اكتمل، أو سبق له أن اكتمل، أي في الماضي. هذا ما يمكن تلخيصه في هذه العبارة: "لكي نكون، لكي نتقدم، لنا وحسب أن نعود إلى الوراء". هكذا يكون علينا، في أدنى الأحوال، أن ندير ظهرنا إلى العالم، وأن نخفي وجوهنا.
وهي دعوة كان لها أن تغري البعض، أو أن تحرضه، لولا أنها لا تعني سوى التسليم، بل الإذعان لمن يريدون التصدر في الجماعة، والحكم باسمها وعنها. فهو يحيلني، أو يجعلني رقما صامتاً، عباءة في جمع، أو حشوة قذيفة، ليس إلا.
(في ندوة دولية بعنوان: "بين المحلي والكوني في الفكر والإبداع"، معرض تونس الدولي للكتاب، بين 30 نيسان و1 أيار 2010)