فتات البياض
(مقاطع)
استلقت ماري في الياء، انتظرت فاصلة أو زوجاً من الكماشات:
كيف أنفذ من تشابك الحروف وهي ليست معطفاً!؟
من يُخرجني من مربعات الورقة؟
من يجعل جسدي يرتجف؟
أيتها اللغة الموصولة بهذا النبض السري
تقطعي،
تبخري في بصاقي.
دعوني أستسلم لهباء الألوان، لرعشة الروح وانبهار الجسد.
***
لماذا أرتبك بين المربعات
فالمساحة بيضاء والأصابع تلاعب الهواء؟
كانت السطور تتثاءب: "وعرفت ماري أن النعناع ييبس، وأن القدم الصغيرة تتجرح كالقدم الكبيرة، وأن شربل يشخر ..."،
وتنام.
لماذا تتقدم الحروف كجيش نظامي تحرسه الفواصل،
والنقاط تصرخ: تأهب؟
أرى شجراً مضرباً، ألواناً تتشاكس، و"الباء" أضاعت مظلتها في الشتاء.
***
خرجتْ من طوق ضفيرتها. أسرجت الليل وتعرتْ، أسرجتْ الريح وتدلت...
خدرٌ يسري، جسد يمحو.
بقعٌ تبحث عن قاتلها
وأنا أبحث عن كلماتي، عن طلقاتي، عن رعشاتٍ تضبط صمتي.
صمتي حفلٌ بالأقنعة،
وأنا الصوتُ
الصوتُ
الصوتْ.
***
من أين تأتيك الحماسة أيتها البعوضة؟
***
هذه الأزهار اصطناعية،
هذه الحروف تتخاطف بياضك،
كيف تأتيك الدهشة لرقص البهلوان!؟
***
(...).
خرج النص يتجول في الصالة، المخرج يضطرب زاعقاً:
من يدير الخشبة!؟
***
كان في دائرة مغلقة.
جلس. استلقى. دخن. شخر... في دائرة مغلقة.
"من أين أخرج؟" قال.
القرد اللاهي أجابه: "هل تحمل مقصاً؟"
يجرجر سلك الدائرة خلفه.
***
(...).
اشترى ورقاً وقلماً للكتابة. قال: للبياض حرية وللسواد قمعٌ ملطف. طرد شياطين الجن. رمى المقص وجلس، كأنه زكريا، يتلعثم بالقول الأول:
ماذا يفعل "التعب" لو اقترن بـ"الفرو"؟
ماذا يصير لو "الورد" عنى "القيامة"؟
كان شحاذ ينتظر في مدخل البناية، "من أين أدخل؟" قال، وجلس القرفصاء كفاصلة تنتظر.
كان الباب محكم الإغلاق. تسربٌ كالهواء يمضي بين الأصابع، واحتفال يحتشد من دون أقنعة تنكرية.
دعهم يلعبون:
لا "النملة" تقرض "حكمة" سليمان،
لا الشجر ينسى غصون الحروف،
لا الوجع يتهادى في مقصورة الكلمات المعطرة...
والدم يوقع نقاطه فوق "الباء" وتحت "النون".
كأنه محمولٌ
كأن القائل صوت ينبثق، يأتي بلا مراسيم،
يأتي محفوفاً بهم،
وبينهم يتخذ ملامحه: نافرة ومختفية.
***
لا الكلمات صارت بيوتاً
ولا الاستعارات ملابس،
الشحاذ يوقع بعصاه رسوماً، ثم يقف منتفضاً كعلامة التعجب. من نافذته رمى الأقفال، مزق الأوراق ومال كعلامة الاستفهام.
***
في زمن ينضبط فيه مدار الأرض، والفضاء يفتقد لغزواتنا، من أين تأتي الفتحة؟
في زمن تتهافت فيه البديهيات، والجزم بأمر خرافة، وجنة الأرض بيعت... كيف يخرج الشعر بجوقته (أزهار، فجر، أفق، حلم، خصب...) إلى مدن باتت كالحاسبات الألكترونية، إلى بشر يتكدسون في ذاكرة البوليس، وفي محطات الصواريخ كأرقام مهملة؟
أي الطرق تؤدي إلى الأرض؟
أي الطرق تؤدي إلي خارج الأرض؟
أي الطريق تؤدي إلى بيتنا؟
***
المجهول ما عاد جميلاً وشهياً: مسور بعلامات الدمار.
ألأن الكلمات توسخت، ومفردات اللغة (ربما ما عدا حروف الجر والعطف ...) استعارات ("الفجر" صار يعني "القبر"، "التردد" صار يعني "الهلاك"... وإلا "الهلاك" لا يعني إلا "الهلاك")، مساحيق الغسيل مغشوشة والثياب اهترأت؟
خاف من القمع العاري. خاف من قمع الكلمات حين لا تغير أو تغسل ثيابها بعد التظاهرات والعروض.
ارتدى أرسطوفان قناعه القدري،
ابن المقفع لم يترك الثعالب ترتاح،
أما نجيب محفوظ فقد استلقى في حاضرة الكناية.
هل يحتفظ بالدمع خلف القناع؟
ماذا يقول القناع؟
***
(...).
إلا تلك الحروف.
ولا أتمتم
تلك الحروف
أُعالج
أعاجل
لماذا
***