إيتيل عدنان : الشعر خطفاًُ

شعر شربل داغر عامر بعلامات وجود، شرارة، مسار برق في فضاء مضطرب. لا يتوانى الشاعر فيه عن مباغتة الهارب، والذكريات المتوثبة، والحاضر المجبول بالنار. إنه شعرُ مسافر، وقد بات الشعور بالتغرب في أي مكان مفقوداً في السنوات الأخيرة. هكذا يلتقط الشاعر في أسفاره، خطفاً، نتفاً من رؤى متطايرة. وفي هذا العالم السريع، قصيدة داغر مبنية على إلحاحات، على تناثر، على توقفات. هكذا تنعدم المناظر، وتبقى الصور التي يمتزج فيها الماضي بالحاضر.
لا تنبني القصيدة على أفكار، وإنما على أحساسيس، هي التي تفسر حضور الجسد الآسر في القصيدة. ذلك أنه هو الذي يلتقط بحواسه لحظات الحاضر، وعيش العين واليد، وعيش السمع. هكذا لا يكون الشاعر إلا في الحركة، وغير متعينٍ إذا طلبنا التأكد من وجوده (...).
في هذا الشعر افتتان بالطفولة، وبالحب، حيث لا يقول الشاعر مباشرة، كما في قصيدة غزل، وإنما يطلق القول الشعري في شكل مائل. وفي هذا العالم الخصوصي، في عالم القرية في الجبل اللبناني، في عالم أحجار الشاعر، تصفر الريح من دون توقف، مثل الشاعر في نفاذ صبره الذي يودي به إلى الفراغ، إلى اشتهاء الفراغ. حتى أن الشاعر يرسم صورة فجة عن هذا العالم الطفولي في القرية. هكذا يتعين عليه في القصيدة أن يعاين، أن يلتقط من الموجودات تفاصيلها الدقيقة، المستقاة من تجربة الشاعر (...).
هكذا يجدد داغر حداثة الشعر العربي، وعلى طريقته: باستعماله العربية في عبقريتها المخصوصة، المتعينة في كثافتها، في سرعتها، في إيجازها الشديد. كما يجدد هذه الحداثة إذ يعطي الأفضلية لأحاسيسه الملحة، مستعيناً بالألفاظ نفسها مثل علامات وجودية، مثل عروض دالة، فلا ينبسط المعنى وإنما يشير وحسب إلى وجهته. كما يجدد داغر هذه الحداثة بابتعاده عن الكلام الفخيم، محتفظاً بسخرية وبلهو أكيدين: اللهو بالصور لتحويلها، فلا تتعين في المأسوية التي تنضح منها.
ومع ذلك، هذه الحداثة، أي هذا الزمن الحاضر المحيط بنا، مجبول على الخوف، وتشير إليه قصائد بقوة، لا في عمومياته، وإنما في بين-بين، في غفلة الشهيد عن نفسه، في غيبة الجسد عما هو وعما له أن يكون (...).
(كلمة مترجمة عن الفرنسية ألقتها إيتيل عدنان في لقاء في "مكتبة المتوسط" الباريسية، في مناسبة صدور مختارات داغر الشعرية بالفرنسية، في 2 أيار-مايو 2005: عن جريدة "النهار"، السبت 21 أيار-مايو 2005).