نشر شربل داغر نصه الأول في مطبوعة عمومية، في صيف العام 1971، في "الملحق" الأدبي (أنسي الحاج) لجريدة "النهار" (لبنان)، وكان قصيدة بعنوان: "وأينعت أزهارنا على القحط"، في ختام سنته الجامعية الأولى؛ ثم قصائد مختلفة في مجلة "مواقف" (أدونيس) وغيرها. برز صوته الشعري ضمن مجموعة، جمعت بينها الدراسة في "كلية التربية"، في الجامعة اللبنانية، فضلاً عن شواغل مختلفة في التجديد الشعري أو السياسي: بول شاوول، محمد عبد الله، حمزة عبود وشوقي بزيع.
كتب "القصيدة بالنثر" (كما يَستحسن تسميتها) منذ تجاربه الاحترافية الأولى، واتجه منذ مجموعته الأولى، "فتات البياض" (1981)، صوب ما أسماه حينها بـ"الكتابة المتعددة": صوت شعري "مختلف ومجدد" في الشعر العربي الحديث، حسب عبارة الدكتور مصطفى الكيلاني؛ وهو شاعر "خارج الأسراب"، حسب الشاعر بول شاوول، بل يكتب "قصيدة ما بعد حداثية"، حسب الشاعر محمد علي شمس الدين. وله كتب شعرية مختلفة: "فتات البياض"، و"رشم"، و"تخت شرقي"، و"حاطب ليل"، و"غيري بصفة كوني"، و"إعراباً لشكل"، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، "تلدني كلماتي" و"ترانزيت" (2009).
كتب الشاعر بول شاوول عن داغر، عن مجموعته "تخت شرقي": "لشربل داغر مذاقه الخاص، تكتشفه كلما توغلت في قراءته، أو اطلعت على جديد له. خارج الجوقات، والأسراب، والعصب، وداخل تجربته، ومكانه، ولغته. قلما ترى في كتابته تطبيقاً لفكرة، أو تناصاً بآخر. يكتب لكي يكتب، ومنه. ويكتب لكي يبحث في أحواله، وفي استيائه، وفي تواريخه الصغيرة (لا الكبيرة، ولا الفضفاضة، ولا التاريخية)، والحميمة، عما يتحول لغة أخرى، أو فلنقل فضاء كتابياً آخر.
في مجموعته الشعرية الجديدة "تخت شرقي"، وقبلها في "فتات البياض"، كأنما يجري في إيقاع الشعر نفسه، لا إيقاع ما حول الشعر. يختزل بقدر ما يلتمع، ويسرد لينفي السرد، ويخبر ليتجاوز الخبر، ويرصف ليكون بين الرصفة والرصفة والكلام الآخر، المتخفي والمستور، وإن كان داغر لا يمعن في لعبة "التخفي والظهور" بما يشرفهما في ثنائيات باتت تميز كثيراً من كتابات "روادنا".
يلعب جيداً على مساحات الكتاب كأنما يفتحها على الرسمة، والمنظر، والخبرية، والالتقاطة، والالتماعة، والغنائية الداخلية، والسخرية الطازجة، والمصادفة المشغولة، كلاً في متون تسم ذلك المذاق الخاص، وذلك الاسترسال الملموم بتميزه.
"تخت شرقي" إيقاع يتجاوز عنوانه الشرقي المعهود، إلى ما يشير إلى حيوية طليعية عند شربل داغر. طليعية من جيل السبعينات الذي عرف العديد من شعرائه، كيف يدمغون كتاباتهم بأنفسهم، وبما يحلهم في الموقع الذي (على بعض ما فيه من استمرار لما فيك) يخصهم، كفرديات شعرية، أبعد من المذاهب والمجلات والمرجعيات.
وداغر واحد من هؤلاء، أدرك تلك الخطوط بعرق بصماته، لا بعرق سواه (...)" (جريدة "المستقبل"، بيروت، 17 أيار-مايو 2000).
وكتبت عنه الشاعرة التونسية آمال موسى: "تجربة الشاعر اللبناني شربل داغر الشعرية متفردة على أكثر من صعيد. فقصيدته منتجة للغة خاصة جداً، متفاعلة مع الحسي والذهني والذاكرة واليومي، ويوجهها نحو اللحظة الشعرية والمعنى وعي الشاعر وتنوعه وانفتاحه على الكون ثقافياً ولغوياً وإنسانياً بمعرفة وتذوق.
لذلك فهو صاحب مشروع شعري واضح المعالم ويتغذى من رؤية مفكر، لينسج فعل الكتابة، والحفر في مناطق أكثر توغلاً، مما يجعل عملية التشكيل في فضاء اللغة تتجسد بجرأة ملبية طموح الشاعر" (جريدة "الصباح"، تونس، 12 نيسان 2006).