كنت قد انقطعت عن قراءة الشعر، خاصة الحديث منه، عندما أهداني الصديق الشاعر شربل داغر ديوانه الأخير “القصيدة لمن يشتهيها”، الذي دفعني لقراءته من التصفح الأول. فتجربة د. شربل الشعرية كبيرة وعميقة ومبتدئة منذ عام 1981، ومستمرة حتى يومنا هذا، الذي وصل فيه عدد دواوينه إلى 11 ديواناً، هذا عدا الترجمات الشعرية الرائعة لكبار الشعراء العالميين، مثل "العابر الهائل بنعال من ريح"، عن حياة “رامبو” الذي كان سبباً في قيام الصداقة في ما بيننا، وأيضاً الدراسات المهمة في الأدبيات والجماليات، إضافة إلى التأليف المشترك، وأخيراً كتابة الرواية التي لم أقرأها بعد.
ديوان “القصيدة لمن يشتهيها” شدني لقراءته منذ الصفحات الأولى، فهو بعيد عن الذاتية الفجة في رومانسيتها الفاقعة، التي بت أستحي أن اقرأها في زمن يستشهد فيه الأطفال، ودماؤهم تصفعنا كل يوم، ووجع آبائهم وأمهاتهم بحجم متاهة تطحننا بفجيعة لا بد أن معظمنا قد أدرك وعايش ألم فقدها، وجرب نارها. فكيف نقرأ شعراً يتغزل بساق أو شفة حبيبة وطعم قبلتها ورائحتها وطولها وعرضها… إلخ ودماء الشهداء يلطخ أيامنا هذه بنزيف يومي، وكل ما حولنا فاسد، فاسد بمختلف تجارته، من تجار السلاح وتجار الدين وتجار الشعارات والأيديولوجيات المروجة، والثقافة التي بدأت تتآكل وتعيد طرح منتجها الثقافي المستهلك، وشعراء في عالم ذاتيتهم لاهون مغيبون.
أنا لست ضد الذاتية وكتابتها، لكني أمر بأزمة نفسية وسدة نفس من كل الشعور بالذات الفردية العالية بوسط طوفان حمامات الدم هذه، وكل التغيرات الزلزالية المصيرية الرهيبة التي تكتسحنا وتمر بها أمتنا العربية والخليجية الآن.
ديوان “القصيدة لمن يشتهيها” ذاتي أيضاً، لكنه بعيد عن الذاتية التي لا تدري إلا بحالها، لأنه شعر ذاتي مبتلع لحركة العالم وسرانيته وخصوصيته ودفق حيويته. شعر يجعل القارئ يتوقف عند كل قصيدة وكل سطر ليفكر ويحلل ما قرأه، لأنه شعر يحرك التفكير ويدفع بالأسئلة، ويرمي حجراً في الداخل يثير شجن الإحساس الساكن. فتجربة الشاعر الحسية والعقلية والعاطفية تعدت حدوده وامتزجت بالكون وبحركته وكينونته وبمساره، لتتحد تجربة كائنه الإنساني الذي ذابت ذاته الصغيرة في مجرة، وهذا هو الشعر الذاتي الأوسع والأشمل في معناه.
شعر د. شربل داغر مراوغ يناور في معانيه ومعطيات دلالاته، فلا تدري إن كان الشاعر ملاكماً في حلبة أو في خلوة عاشق يبدد عشقه في محبوبته: "الملاكم على كيسه/ يسدد الضربات دون حساب/ في فضاء ما يجمعهما/ من دون حبال/ أو جمهور:/ فقط لمتعة استرداد/ سقوطه المحقق".
شعر تقرأه وتنسى على وجهك دهشة العبور. فكل قصيدة أوقفتني عندها وتركت أفكارها تتجول بحرية بي، كأنها تمتلكني، وكأني بت منخلا لها. فمن الصفحة الأولى، ومن أول ملامسة استعبدتني بإحساس غريب متخف وملتبس في معناه، ومتعذر من خفة وجوده. شعر يوقف الأنفاس، أقسم بالله أن بعضه قد أوجع داخلي، بحيث لم أستطع أن أحدد بالضبط المكان المخطوف. شعور غريب، كأني أُفرغت مني، وكأن داخلي قد خُلع.
الديوان كله عبارة عن قصائد تحكي عن علاقة الشاعر بالقصيدة وانبلاج ميلادها وحياتها معه، كيف تولد، وكيف تكبر، كيف تتدلل وتتدلع، وتناور إلى أن تأتيه: "الزيارة صامتة، خاشعة وحذرة/ مخافة مباغتة الراقدين،/ أو من يُبدلون ثيابهم بخفة الممثلين في الكواليس،/ كما لو أن أصابعهم من شموع،/ وصنادلهم خفيفة،/ وأنفاسهم توقفت عن الطيران".
هذه هي روح شعر شربل داغر. شيء مباغت يحبس الأنفاس، فقط تشعر به دون أن تحدس بماهيته، لأنه ليس إلا الزيارة الغامضة للقصيدة فهي كما كتب: "تُمسك بيدي/ بثقة الذاهب بي إلى مدرسته الأولى،/ وأتردد في مشيتي/ بخشية الذاهب إلى المدرسة الأولى".
"القصيدة لا تنام،/ ولا تواعد أحدا،/ تتمشى أمام مرآتها/ من دون أن تمسك بضفيرتها،/ لعوب، وجسورة، تعطي قبلتها/ لمن يشتهيها".
هذه حالات الشاعر مع معشوقته القصيدة: "على مقربة مني،/ بمنأى عني:/ أدفعها عني، تجيز وقوفي في ما هو لي./ هي هكذا: ماكرة، وإن في هيئة مستعطية./ وأنا على هذه الصورة: أكتشف بينما أمشي،/ وأستريح بينما تنشط في مشغلها الخافي".
وتبقى القصيدة كما أدركها شربل: "لكنها ما ان تصل… تنقضي،/ من دون أن تتسلم حتى بيانا بما أودعته".
هذا هو الشعر وماهيته، ليس لنا أن نقول إلا ما أروعه.
(جريدة "الجريدة"، الكويت، 5-11-2012).