"ترانزيت"، كتاب شعري جديد للشاعر والروائي اللبناني شربل داغر، صادر عن "دار النهضة العربية" في بيروت (246 صفحة)، وهو الكتاب الشعري التاسع في إنتاج داغر، وهو عبارة عن نص واحد، ينعقد حول الواقعة التالية: إثر عطل مفاجئ في صالة "ترانزيت" في مطار، تنغلق المنافذ على عدد من المسافرين، فلا يقوون على الخروج، ولا على متابعة رحلاتهم، ينصرفون إلى تبادل الكلام والحركة، ومنهم ممثلون "ومخرج" يتمرنون ابتداء من "كتاب التاج" للجاحظ...
نقرأ في هذا الكتاب تجديد داغر الذي يتابعه في بنية القصيدة، حيث يسير بها نحو آفاق أرحب، مجدداً مازجاً ومزاوجاً بين عدة أجناس أدبية، أي أن القصيدة عنده "تحزم حقائبها الخفيفة" (ص 24)، قبل أن تغوص في عتمة مديدة، كما يغوص أو يدخل العالم الشعري في مقاطع من كتابه، وكما ينادي بذلك النداء الأخير المتواصل والمكرر: "إلى من يعنيهم الأمر". وقبل ذلك يكون الدبيب الساعي أو المتوجه نحو عتمة أعمق سائداً، كأنما القصيدة هي مجموعة أصوات تعكس ثقافات متمايزة، تعبر كل واحدة عن نفسها بحرية وأريحية. كأن الكاتب في نصه يود أن يبرهن أن الشعر كالحياة تماماً، فكما أن الحياة تحتوي على كل شيء، وتترك لكل واحد الخيار في التعبير عن نفسه، كذلك يكون الشعر عند داغر، حيث هو مختصر الأدب كله، أو منعكس الواقع، ولكن باستراتيجية وتخطيط دقيقين، يبني وفقهما الكاتب عمارة نصه، هذا النص المفتوح على كل النصوص والأجناس، الحاوي لها، والمنصهر معها في آن، فقد يقف معارض لهذا النمط قائلاً إنه خروج على المألوف في الشعر. وسيكون هنالك آخر يقول إنه يعبر عن انفتاح الشعر وقدرته الدائمة على التجدد وفق الصيغ التي يرتئيها المبدع، وتبعاً لثقافته واجتهاده. ‏
في نص "ترانزيت" نجد أن الكاتب يعتمد الحوار في كثير من المقاطع التي تغدو مشاهد، والحوار كما هو معروف، جزء رئيس من بنيان العمل المسرحي، أو السردي بشكل أعم وأشمل، وهذا ما يقرب النص الشعري من النص المسرحي، لينتج بذلك مقاطع شعرية مسرحية، حيث الحوار الممسرح يكاد يوجد في كثير من الصفحات، ويكون ذلك مرفوقاً بعدد من التقنيات المستخدمة في الأعمال المسرحية، كرفع الستارة أو إسدالها، وكالانتقال بين الشخصيات والمتكلمين، وتحديد هوية أو طبيعة كل واحد، أو ربما الاكتفاء بالإشارة إلى أصوات عدة من خلال وصف يتكرر: "متكلم"، أو "صوت"، وقد يؤنسن الهواء أو الجماد، فيكون متكلماً، كالجوقة عندما يستعان بها في العمل المسرحي، وكذلك من التقاطعات مع النص المسرحي، تحديد الكاتب مواضع وأوقات البدء أو الانتهاء، ثم استهلال مشهد بالتقديم له أو شرح هيئة المتكلم أو شرح الأجواء المرافقة، ومن ذلك مثلاً: "نراه من خلف، يستند إلى مكتب، موضوع إلى جانب الحاجز المعدني "الحدود"، المكتوب بأكثر من لغة، وهو السائل، فيما نرى وجوه الوافدين المصطفين أمامه، أمام المكتب" (ص36). "متكلم يمشي بمحاذاة حائط. يتوقف أحياناً ليضع أذنه اليمنى عليه، كمن سمع نداء أو جملة تخصه، يتوقف، يصغي السمع، يهز رأسه تأييداً، أو يرفع رأسه اعتراضاً"، أو غيرها من حركات وإشارات التحاور الصامت (ص 65-66). وقد يختم بتلك الخواتم التي تختتم بها الفصول المسرحية، منها مثلاً: "عتمة"، "عتمة مديدة"، "وقفة" إلخ. ‏
كما نجد أنه يعتمد كثيراً على العناصر المستخدمة في النص الروائي (الزمان والمكان والشخصيات والقصص والحبكة-الحبكات، السرد الروائي)، من خلال شرح ما ينتاب أو يتناهب هذه الشخصيات أو تلك في المقاطع الشعرية، وما يعتمل داخلها، وكذلك ما يقرب نصه من الجانب السردي، القصصي أو الروائي، هو التشخيص، حيث نتعرف في كتابته على شخصيات عديدة تتعاطى الكلام وتتبادل الرأي والمشورة، وكل ذلك في الإطار الشعري الخارج عن القوالب والأطر الشعرية المتعارف عليها. كما نراه غير مستغن عن التوصيف، كوصف الشاشة الإلكترونية في الصالة، أو المقاعد، أو وصف الحالات وتمظهراتها، من ذلك مثلاً: "... كانت تنورتها ملونة، ولها شكل جرس، ضيق ومشدود على خصرها، وواسع ودائري حول ركبتيها. كانت تنورتها تدور بمجرد أن تمشي. هكذا درت معها، حتى أنني أصبحت في زوبعتها" (ص 100-101). فالمقطع المقبوس روائي بامتياز، علاوة على شعريته البادية. ‏
يفتح داغر في نصه، "ترانزيت"، ابتداء بالعنوان، ومروراً بكل التقنيات والأساليب والصياغات التي اعتمدها، آفاقاً جديدة للقصيدة العربية، يحاول ترقيتها، أو الارتقاء بها من مرحلة إلى أخرى، كأنه يسعى إلى إيصالها إلى مرحلة "ما بعد القصيدة"، حيث تتحرر القصيدة من تلك الأعباء والقيود التي كبلتها، ليصبح بإمكان مبدعها التحليق في فضاءات كان متهيباً من الاقتراب منها، أو خوض غمارها بأدواته التقليدية. ذلك أن داغر يجعل من نصه ملتقى الأجناس والأساليب التي تسهم، كل واحدة بنصيبها، في تشييد النص الذي يصطف تحت مسمى الكتاب الشعري. ولا شك أنه في نصه مغامر جريء، ينتقي طرائق تعبيره بفنية وحرفية، وهو المطلع على كل جديد في هذا المضمار، كونه الأستاذ الجامعي، والشاعر والروائي والمترجم في آن؛ كأن كل جوانب شخصيته تخللت نصه، وامتزجت فيه، واحتلت لها مكاناً، فكان النص المبدع تابعاً للأقوى فيه، هنا في "ترانزيت"، وهو داغر الشاعر، كما يتبدى لنا في كتابه. ‏
(صحيفة "تشرين"، دمشق، 29-12-2009).