يتحدث بطرس البستاني في "خطبة" شهيرة عن "آداب العرب"، عن أديب واحد مجايل له، هو الصحفي والكاتب خليل الخوري: "كأني به واقفاً على شاطىء البحر الكبير، الفاصل بين العالم القديم والعالم الجديد، يستشرف تارة على الجديد، ويلحظ أخرى إلى القديم؛ ولدى انتشار ديوانه الموسوم بـ"العصر الجديد"، الذي أفرغ فيه الشعر القديم في قالب جديد يتضح المعنى المقصود". ولا يلبث أن يقول: "هلال الآداب الذي ولد في أواسط الجيل التاسع عشر سيصير بدراً" (1). كيف يجعل البستاني من هذا الكتاب علامة فارقة بين عهدين، بل بين عالمين، عالم القديم وعالم الجديد؟ ما جرى لكي يغدق "المعلم" صفات تعيينية وتثمينية كهذه على تجربة شاعر، وعلى كتاب شعري بعينه؟ الإعلان كبير وضاج، ويرسم مشهداً، بل رؤيا واقعة بين عالمين: ما يختفي، وما يظهر، على أن خليل الخوري هو الذي "يَعبر" بينهما، فينقل الشعر من حال إلى حال، بل يقترن الشعر، في هذا الإعلان، بصفة ما سبق لدارس أو لشاعر، قديم أو متأخر، أن استعملها: "الشعر العصري". وكان البستاني في ذلك، إذ يتحدث عن الشاعر، يتحدث عن بيروت نفسها، بل عنهما معاً يعيشان في البلدة التي أصبحت مدينة تحت أنظارهما، وبمشاركة منهما، أي بيروت التي استعار البستاني صورتَها ومثالها لكي يتحدث عن الخوري.

 

1 . بيروت: "جمهورية التجار"

من يعود إلى ما كتبه أحد الآباء اليسوعيين، في زيارته الأولى لبيروت، في العام 1831، يتحقق من حالها المزرية. هكذا يصفها الأب ريكاردونا: "طبيعة شائقة، وسماء متلالئة، وهواء نقي، ومناخ لطيف، وأراض بور تغطيها الرمال، وبيوت صغيرة لا تكاد ترتفع عن سطح الأرض. لا شوارع، بل أزقة لا تكاد تصلح إلا لمرور الجمال" (2). إلا أن سكان بيروت لم يطردوا هذين الأجنبيين، مثلما حدث قبل وقت في الإسكندرونة للمرسلين اليسوعيين، للكاهنين مانيللر وستيلا، إذ تم اللحاق بهما، وبكثرة، حتى أنهما كانا يسيران "مطرقي العيون"، تستبد بهم مشاعر "الرعب"، على ما ينقل الأب ريكاردونا عنهما. أما في بيروت فقد تقدم من الوفد أحد وجهائها، أيوب نصر الله، الذي كان يشغل وظيفة "كاتب" لدى عبد الله باشا، واصطحبهم للإقامة في بيته.

هذا ما فعله بدوره أحد أبناء بيروت، مع مرسلين آخرين، بروتستنت من أميركا، إثر حلولهم فيها. فقد أفاد أسعد الخياط أنه سمع، ذات يوم، حديثاً، بل لغة "غريبة" ما طرقت أذنيه في المدينة، فكان أن لحق بمتكلميها، وعرف أنها الإنكليزية، وأن "الغرباء" هؤلاء هم من سيباشرون بالنشاط الإنجيلي، ويؤسسون بعد وقت "الكلية السورية-الإنجيلية"، وهم: اسحق برد ووليم غودل وبليني فسك. تعلم الخياط الإنكليزية من أحدهم، واليونانية من أحد الشمامسة اليونايين، والإيطالية من بحارة في مرفأ بيروت ومرسل كبوشي، والتركية والأرمنية من مبشرين أرمن، بعد أن كان قد تعلم القراءة والكتابة بالعربية من بائع دخان (3).

وهي الطريقة عينها التي جرى فيها استقبال غيرهم، بعد وقت، في العام 1890، وهو عبد الرحمن (بك) سامي (4)، الذي يستوقفه، ما أن يصل في 28 حزيران 1890، إلى ساحل بيروت، سلوك الملاحين معه، الذين قدموا بقواربهم إلى الباخرة، لكي يأتوا به وبغيره إلى رصيف الميناء، إذ هم – كما يقول عنهم – "ألطف طبعاً من غيرهم"، وهم ذوو "حمية وشهامة يستغرب وجودها بين أرباب هذه المهنة. ومما زادني إعجاباً بهم هو عدم احتمالهم الإهانة، ونفورهم منها، وانقيادهم باللطف، فإنهم يتحمسون بأقل كلمة لطف، أو تنشيط، تُقال لهم، وبخلاف ذلك، لو أهانهم أحد ما فإنه يعرِّض نفسه لما يسوءه" (م. ن.، ص 7)؛ وهو ما يجد خاتمته السعيدة في قوله: "وزال ما اعتراني من وحشة الغربة بلقياهم" (م. ن.، ص 8).

قد يجد البعض في هذه السلوكات والمواقف صورة أولى لآداب السياحة اللبنانية - الذائعة الصيت، ربما منذ هذا الوقت -، إلا أنها تشير إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو كيف للطباع أن تتغير، أن تتحول، فتزول الخشية القديمة الموروثة من الأجنبي، ويصبح منطق "الخدمة" وعاداتها وقيمها سبيلاً لتحصيل العيش وللعيش نفسه؟ كيف لبيروت وأهلها أن تدبروا، من دون مقاومة، بل بفضول صريح، مثل هذا الاستقبال الطيب والمكشوف للغير؟

الصورة التي سقتُها أعلاه للأب اليسوعي عن حال بيروت تختلف تماماً مع ما سيقوله عنها عبد الرحمن سامي بعد ستين سنة: "أعجبني فيها شوارعها الواسعة على النسق الأوروبي، ونور الغاز، وجمال أبنيتها وتنظيمها وكبرها، وكثرة الجنائن فيها. فإن كل بيت أمامه جنينة، وبيوتها الجديدة غير ملتصق بعضها ببعض، فهي بذلك أشبه بحي الاسماعيلية في القاهرة. مع أن بيروت القديمة، وبعرف أهاليها داخل الصور (والصحيح هو: "داخل السور")، لا تزال على الطراز القديم من جهة ضيق الشوارع، ولكن مساحتها صغيرة لا تزيد عن كيلومترين مربعين" (م. ن.، ص 9). ماذا جرى في هذه المدينة الساحلية، في أهلها، وبينهم وغيرهم فيها؟

هذا ما قام به الأب لويس شيخو – في أول كتاب تاريخي معروف للمدينة -، وهو كتابه "بيروت: تاريخها وآثارها" (5)، الذي يشير صدوره نفسه إلى دلالتين على الأقل:

- الدلالة الأولى، هي أن الحاكم العثماني – الأخير لولاية بيروت – هو الذي طلب من الأب اليسوعي القيام بمثل هذا العمل، ما كان يتعين في عين الوالي بوصفه شهادة على ما يمكن الافتخار به، خاصة وأن شيخو سيقول في بيروت، في كتابه، إنها أصبحت "درة التاج العثماني"؛

- الدلالة الثانية، هي أن شيخو وجد في المدينة ما يناسب التأليف فيها، بل التباهي بصنيعها وتاريخها وآثارها.

يقول شيخو: "إن الذين دخلوها (بيروت) في العشر الأول من القرن التاسع عشر يصفونها كبلدة صغيرة، تحدق بها أسوار متداعية، تضم بضع مئات من المساكن، مع قليل من الأسواق الضيقة القذرة، لا ترى في وسطها الأشجار، ما خلا جنائن بعض الخاصة" (م. ن.، ص 94). وهو ما يمكن استكماله بالحديث عن عدد سكانها، في عدد من المصادر المتوافرة: ثمانية آلاف نسمة في العام 1820، وخمسة عشر ألف نسمة في العام 1838، ومئة ألف نسمة في العام 1890 (حسب عبد الرحمن سامي في كتابه المذكور)، ومئة وثلاثون ألف نسمة في العام 1914 (6).

تحتاج بيروت، مثل القاهرة (خصوصاً مع سياسات الخديوي اسماعيل)، والدار البيضاء (بعد العقد الأول من القرن العشرين)، وغيرها إلى دراسات عمرانية-سكانية الظاهر، ولكن تاريخية-اقتصادية المحرِّكات، لكي يتم تبين مجرى العمليات الناشطة في هذه المدن، وفق إيقاعات لم تكن ممكنة بهذا اليسر في قرون سابقة؛ وهي عمليات أدَّت – في ما أدت - إلى "تحسين" عمراني لهذه المدينة أو تلك، وإلى إعادة بَنْيَنَتِها وفق سبل العمارة والتخطيط المدني الأوروبي، الباريسي خصوصاً، إلا أنها أدت أحياناً إلى ربط هذه المدينة أو تلك بالشبكة الأوروبية، عشية توسعها الاستعماري. وهو ما يصح في بيروت أكثر من غيرها، إذ أن "تراكم" الطبقات الحضارية في تاريخها لن ينبعث من رماده إلا بأثر من حاجات التجار الأوروبيين؛ وهو ما تتيحه بلدة صغيرة ذات مرفإ، معطوفة على رغبة بعض أهلها في التطلع إلى أفق مغاير. وإذا كانت منارة بيروت قد شعت بعد طول ركود وخفوت، فذلك يعود إلى ما أصاب عكا، إذ انتقل إلى مرفإ بيروت – الصغير حينها، والذي استدعى للأسباب عينها تحسينات وتوسيعات متلاحقة – قسم من التجار الأوروبيين: ذكر قنصل فرنسا في عكا، منذ العام 1808، ما يفيد أن بيروت هي مرفأ دمشق، لا عكا ولا صيدا؛ كما ذكر مسافر فرنسي آخر بيروت في الحقبة عينها بوصفها "جمهورية التجار" (7).

هذا ما يجتمع في الاتكال المتزايد على مدن الساحل أكثر من مدن الداخل، خاصة بعد انتظام عمل السفن البخارية: بيروت قبل دمشق أو حلب، الدار البيضاء قبل فاس أو مراكش... إذ قد تغيرت شبكات التواصل، سواء البشري أو التجاري أو الثقافي وغيره. وهو ما تعين في دور مزيد، بل متعاظم، لبيروت على حساب بيت الدين وطرابلس وغزير وتبنين وغيرها. ولقد كان داعي مثل هذه التغيرات هو دخول البلاد وفق مقتضيات الشبكة التجارية الأوروبية، ما استدعى التخفف، بل الاستغناء أحياناً عن الشبكات الداخلية (فضلاً عن قيام شبكات جديدة، مثل الطريق الناشئة بيروت-الشام).

لهذا لا يحسن الدارس ترتيب الأسباب التي أصابت بيروت فجعلتها (طبقاً لألفاظ سليم البستاني وأوصافه، على ما سيرد أدناه): "الصندوق" و"الندوة" و"المدرسة" سواء لسوريا أو لفلسطين. ذلك أنها أسباب متعددة ومتداخلة، ولا يحسن الدارس التمييز بين ما هو سبب أو نتيجة فيها. وإذا كنا نقوى على تبين الاندفاعة التجارية الأوروبية بوصفها الواعز الأول لحركة بيروت، فإن هذه الحركة ما لبثت أن وجدت في نقل كرسي الولاية من صيدا إلى بيروت، في العام 1842، مستقراً ودافعاً مزيداً لها. كما كان لسياسات ابراهيم باشا فيها، قبل ذلك، ما سهَّل – مع التجار، وفي ركابهم - إدخال المرسلين المبشرين إليها: في العشر الثالث من القرن التاسع عشر سكن المرسلون اللعازريون فيها، والمرسلون البروتستنت في العام 1828، واليسوعيون في العام 1839، والقصاد الرسوليون منذ العام 1841 (8)... وهي وجهة دينية غربية، استكملها صدور "الخط الهمايوني" في العام 1856، الذي نص على الاعتراف القاطع بالمساواة بين جميع طوائف السلطنة، وعلى منح الحرية والحماية لجميع أفرادها، وعلى إلغاء ضرائب الفلاحين، وجعل الكل سواء أمام القانون. وهو ما جعل بيروت تتعدل سكانياً، وتصبح على مقادير واسعة من التخالط، مع الأجانب طبعاً، ومع انتقال وهجرات مزيدة، خاصة بعد العام 1840، من جبل لبنان إليها. يقول شيخو إن بيروت تحولت، بعد فتنتي 1840 و1860، "ملجأ" لبقايا الجبل ودمشق، وإن عدد المنكوبين فيها بلغ نحو ثلاثين ألفاً، وإن الإرساليات تنافست على إعانتهم؛ ويخلص إلى القول: "ومذ ذاك الحين استوطن كثيرون من اللبنانيين بيروت واتسعت دائرة أشغالها" (م. س.، ص 99-100). ويزيد على هذا الاختلاط السكاني إقامة عدد من القناصل فيها: يعدد "دليل" صادر في بيروت في العام 1888 الدول الممثلة فيها، وهي: فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا وبلجيكا والولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا والنمسا والدانمارك وأسوج ونروج وإسبانيا واليونان وهولندا وشاه العجم (أي بلاد فارس) والبرتغال (9). ولا يغيب عن انتباه الدارس سبباً عثمانياً في نمو بيروت، إذ نعمت أحياناً بولاة "تحديثيين"، مثل الضابط الأمير محمود نامي، بين العام 1833 والعام 1840، وغيره في عقود لاحقة (على ما هو معروف، ولا يحتاج إلى ذكر).

هكذا تحدث هنري غيز، في "تقريره"، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، عن منافسة بيروت لكبرى المدن (دمشق، حلب، طرابلس...)، وعن جدواها أكثر من دمشق، وعن صلاحيتها لأن تكون محور التجارة مع أوروبا. وهو ما قاله جون كارن بدوره في الفترة الزمنية عينها. هكذا يزورها فرنسيس المراش الحلبي (1835-1874)، في أيلول من العام 1866، في طريقه إلى باريس، فيقول عنها بعد أن يمضي فيها يومين اثنين: لا بد أن هذه المدينة قد "جلست الآن على المرتبة الأولى"، وفيها "جمع غفير من الأبنية الجميلة والشوارع الرحبة المستقيمة. وبالإجمال فوجهُها متجه على الدوام إلى آفاق التقدم والنجاح غصباً عن معارضة الظروف الساعية كل يوم بردع همم التمدن هناك" (10).


2 . الأدب "العصري"

يفيد بطرس البستاني في "الخطبة" المذكورة أعلاه، في العام 1858، أنه كان من الصعوبة بمكان إيجاد قارىء في بيروت "يفك" الحرف، فما الذي جرى فيها حتى يقول الأب شيخو عنها إن الآداب والعلوم كانت منحصرة "في نطاق ضيق" حتى السنة 1860، ثم "أخذت في الاتساع بعد ذلك حتى بلغت ما نراها اليوم من الرقي العجيب"؟ وما الذي جرى فيها حتى يقول فيها المراش في العام 1866: "لا بد أن هذه المدينة (...) أصبحت مبزغاً لكل نور يلوح في هذا الإقليم" (م. ن.، ص 16)؟ استدل المعلم البستاني على نهوض بيروت بكاتب وحيد جعله "الهلال" المبشر بولادة البدر، وهو خليل الخوري. فمن هو؟

هو كاتب مجهول تماماً (1836-1907)، لا تذكره أبداً كتب القرن العشرين المرجعية في درس الأدب العربي، سواء في العربية أو في غيرها (11). غير أن الأمر يختلف لو عاد الدارس إلى كتب سابقة، مثل "خطبة" البستاني المذكورة، أو ما يقول عنه الأب لويس شيخو في "تاريخ الآداب العربية": "هو أحد الشعراء القليلين الذين نبغوا في أواسط القرن التاسع عشر" (12)؛ أو جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، أو عيسى اسكندر المعلوف الذي قال فيه بعد وفاته: "من مؤسسي الشعر العصري، إن لم نقل إنه أول من نقله إلى الأسلوب المستحدث" (13). كما لن يتأخر أكثر من كاتب عن "استعارة" صورة بطرس البستاني، الواقعة بين الهلال والبدر، في كلامهم عن "الشعر العصري"، لتأكيدها وإبراز ريادية خليل الخوري (14). فمن هو هذا "المجهول" الذي أغدق عليه الكثيرون أعلى الصفات في تجديد الشعر وغيره؟

لو طلب الدارس اختصار رسم الخوري في مجموعة من الخطوط (15)، بعيداً عن أحداثها ووقائعها (16)، لوجد فيها خطوطاً ظاهرة لا تحتاج إلى تنقيب أو تبين؛ وتناسب هذه الخطوط تقاطيع الحقبة الانتقالية التي ورث بعض علاماتها ووفرت له انتقالاته، وأظهرت خلفيات أعماله التجديدية في أكثر من صعيد.

فأصول عائلته عرفت التنقل، في أكثر من جيل فيها، بين حوران وعكار (شمال لبنان) والشويفات (جبل لبنان) إلى أن توطنت مع جبرائيل، والد خليل، في بيروت. كما أن أصول اسمه عرفت التنقل بدورها: فعائلة "الخوري" (على ما هو معروف) اسم رتبة دينية جرى إطلاقها على أكثر من عائلة مسيحية، أما اسم عائلته الأبعد – المعروف، واقعاً – فهو "اليازجي"، وهو اسم مهنة بدوره، إذ يشير في العثمانية (التركية) إلى اسم "الكاتب"، ما هو علامة على اسم مهنة ورتبة بدوره. وهو في ذلك يشبه مسار اسم فارس "الشدياق" نفسه، لجهة الاسم ودلالاته الدينية أو الاجتماعية، أو عائلة "اليازجي" نفسها...

إلا أن تركز العائلة في بيروت أفاد منه خليل، إذ نعم بعدد من تقديمات الفترة التي "نهضت" فيها بيروت نفسها، وتحولت إلى مركز منفتح وجاذب، للأجانب كما للمحليين، ولا سيما لسكان جبل لبنان. فهو عرف في بيته مكتبة عامرة لا تقل عن مكتبة ناصيف اليازجي، كما دخل إلى المدارس "العصرية" ولم يعرف "الكتاتيب" مثل العديدين، بل وفر له والده أساتذة خاصون لتعلم اللغات الأجنبية. كما عرف الجاه، وتعاطي السياسة من والده، الذي شغل منصب عضو في "مجلس إيالة صيدا"؛ كما وفر له والده صلات ومناخات وعلاقات مع عدد من "رجالات" النهضة الذين تعاون معهم، ممن فتحوا أفقاً للتعليم والثقافة في بيروت، مثل كرنيليوس فان ديك، ووليم وطسن والمعلم بطرس البستاني وغيرهم (17). كما ورث خليل من جده لأبيه، حنا، نزعة التمرد الممتزجة بالعصيان، إذ شارك الجد في مقاومة عهد إبراهيم باشا، ولعب دوراً بارزاً في "الجمعية" التي انعقدت لإعلان العصيان، عدا أنه دفع من ماله الخاص لإعداد العصيان وتجنيد "فئة من البواسل" (على ما ذكر في "كتاب الفقيد")، فكان أن نفي إلى سنار، قبل أن يعود مكللاً بالعزة والمكانة.

هكذا أتقن الخوري العربية نثراً ونظماً، ودرس الفرنسية والتركية على أستاذ خاص، وكتب الشعر في وقت مبكر، إلا أن شعره المنشور اشتمل على ما كتبه بعد الثامنة عشرة من عمره فقط. فكتب ما هو معروف في زمنه، مثل المراثي والمدائح والتواريخ، ومع ذلك فهو يعد، في حساب كثير من مجايليه ودارسيه، "مؤسس" الشعر العصري، والذي اقتدى به عدد من الشعراء. فما يعني هذا "الشعر العصري"؟

ينقل أديب اسحق، في مقالة "شاعر الدولة" (18)، بعضاً مما قالته جريدة "الديبا" (Les débats) الفرنسية في شعر خليل الخوري، الشاعر "الجديد النزعة" و"العصري الأسلوب": "مع أن الشاعر الخليل لم يتجاوز الأربعين من السنين، فديوانه كبير يشتمل على قصائد لا تحصى، منها ما نظم على طريقة القدماء، ومنها ما مال به إلى الجديد. وهو وإن كان لا يتجرأ على قطع صلات التقليد بجملتها، فهو جدير بالثناء على اجتهاده. فقد رأيناه متجافياً عن استعمال المبتذل من التشبيه، مائلاً إلى استبدال مرثيات الأعصر الخالية بعجائب العصر الجديد" (م. ن.، ص 138). ويفيد إسحق أن الجريدة الفرنسية دللت على ذلك بقصيدتين من شعر الخوري: "جميلة"، انطلاقاً من حادثة جرت للشاعر، و"الرمان والعناب". إلا أن إسحق لا يستحسن خيار الجريدة، فيعلق على مقالتها بالقول: "إن اختصاص هاتين القصيدتين بالذكر والترجمة يوهم أنهما نخبة الديوان، وخلاصة ما تيسر فيه من الإجادة والإحسان، وليس الأمر كذلك. فإنهما من عادي شعر الشاعر الموصوف. لهما في دواوينه الأربعة نظائر ومثائل تكاد لا تحصر، بل الكثير من شعره فوقهما حسناً، وخير منهما مبنى ومعنى على أنه هو العذب من حيث يورد، والرشيق من حيث يقصد" (م. ن.، ص 139).

ترك الخوري مجموعات شعرية عديدة: "زهر الربا في شعر الصبا" (1857)، و"العصر الجديد" (1863)، و"النشائد الفؤادية" (1863)، و"السمير الأمين" (1867)، و"الشاديات" (1875)، و"النفحات" (1884) وغيرها. وإذا كانت مجموعة الخوري الأولى تدل على "فتوته" الشعرية، فإن جديده ظهر منذ مجموعته الثانية، الدالة منذ عنوانها، ("العصر الجديد")، على ما يطلبه ويقصده؛ وهي المجموعة التي استوقفت بطرس البستاني قبل غيره. فماذا فيها؟

ما يستوقف فيها هو أن القصائد حملت لأول مرة في العربية تواريخ نظمها، على ما يرد في غلافها: "وضع القصائد مرتبة بحسب أوقات نظمها". وهو ما أجده في تغير ثان، وهو اشتمال قصائده على عناوين دالة عليها، لأول مرة أيضاً في الشعر العربي، مثل: "معجزات العصر" و"العصر الجديد" وغيرها.

وهو ما يَظهر وما يكتمل في صنيع أبعد من هذه التغيرات، وهو أن الخوري بات يُصدر شعره في "مجموعات" (أو "نبذات"، حسب لغة ذلك الوقت)، ما له دلالات متعددة، تتعدى الجانب النشري لتشمل بنية المجموع الشعري ككل. وفي إمكان الدارس التوقف عند تغيرات بينة أخرى في "هيئة" القصيدة، ما يعزز "زمنيتها"، من جهة، وما يُظهر تأثرها بتقاليد ناشئة في الشعر الأوروبي، من جهة ثانية (وهو ما توقفت عنده في دراستي الموسومة: "تكوين الدواوين والمجموعات الشعرية"، المذكورة أعلاه). إلا أنه يستحسن – من دون الخوض، هنا، في تحليل "فني" لأوجه التجديد في مستويات القصيدة عند خليل الخوري – الوقوف عند "العصرية" التي طلبها. فما هي؟

ما وجب التنبه إليه، بداية، هو أن "العصرية" هذه عنت، في تعيينٍ أول لها، دلالة سياسية، تتمثل في مواكبة النزعة "العصرية"، التي انطلقت في استانبول نفسها، مع السلطان عبد العزيز (1830-1876)، وفي استكمالٍ وتسريعٍ لما شرعت به السياسات الإصلاحية الموسومة بـ"التنظيمات" منذ العام 1830 وما بعده. وهو ما ينبه إليه خليل الخوري، منذ الأبيات الأولى في مجموعته: "العصر الجديد"، ذاكراً عبد العزيز نفسه. إلا أن "العصرية" اكتسبت في هذه المجموعة أيضاً دلالات أخرى، أشد تعييناً، وتنهل من منظور مختلف، سواء للإنسان أو للطبيعة، أو للعلاقة بينهما، وهو منظور "العلمية" المعروف في أوروبا في القرن التاسع عشر. كما تبلغ "العصرية" – حتى في نطاق شعري تقليدي، مثل الغزل -، وجهة أخرى، يطالب الشاعر بموجبها بعلاقة بالحبيبة تقوم على "اللمس" و"الحس" (على ما يرد صراحة في قصيدة)، ما يشكل كذلك تنويعاً ظريفاً على المنظور "الاختباري" المذكور، حيث أن الشاعر يسخر في قصيدة "العصر الجديد" من أهل الشعر التقليديين، الذين أبدلوا "لذة الحس" بـ"كثر الهجس"، طالما أن "مقصد" العشق عندهم "لغير الملمس". ويمكن للدارس أن يعدد دلالات "العصرية" في هذه:

- التنبه إلى تغيرات العصر، والماثلة خصوصاً في اكتشافاته واختراعاته العلمية وغيرها؛

- الدعوة إلى الإصلاح بأوجهه المختلفة؛

- طلبُ مواكبة الأدب لـ"التمدن"، الذي يمكن اعتباره الطموحَ الأبعد لمثل هذا النهوض الجاري؛

- الخروج من الشعر "الديواني" (أي المرتبط بالدورة السلطانية)، ومن الشعر "الأخواني" (أي المنعقد بين العلماء والشعراء أنفسهم في حلقاتهم أو في مراسلاتهم)، كما انتهى إليه الشعر العثماني في عهوده الأخيرة (19).

يقول عيسى اسكندر المعلوف عن هذه المجموعة: "وعلى الجملة فـ"العصر الجديد"، مثل اسمه، عصر جديد للشعر العربي (...). وهو أول ديوان نقل فيه الشعر من النمط القديم إلى الأسلوب الجديد. ومن استقرى قصائده رأى فيها من المعاني الحديثة ما يشهد له بحبه للجديد، ومحاولته ترك القديم، وإن كان لم يستطع أن يتخلص من ربقته ويقطعها. ولقد ميز قصائده بعناوين تدل على أغراضها، وتابعه في ذلك نفر من شعرائنا، مثل فرنسيس المراش الحلبي في ديوانه "مرآة الحسناء"، وسليم (بك) العنحوري الدمشقي في ديوانه "سحر هاروت" وغيرهما" (م. س.، ص 112).

ما قام به الخوري يرقى إلى معرفته وتأثره المبكرين بآداب الفرنسية خصوصاً؛ إلا أنه وجهٌ وحسب مما قام به، على أن تجديداته شملت أكثر من نوع أدبي، ولا سيما الرواية، مع روايته الرائدة: "وَي. إذن لست بإفرنجي" (20)، والتي اقتدى بها أكثر من روائي عربي، في نسقها الجديد، الذي نقل السرد من الحكي والخبر؛ ويقع هذا النسق أبعد "فنياً" مما بلغه سردُ السيرة مع رفاعة الطهطاوي في "تخليص الإبريز..."، وأحمد فارس الشدياق في رائعته: "الساق على الساق..."..

كما كانت للخوري كتب في التاريخ و"الخرابات" (أي الآثار)، فضلاً عن كتاباته العديدة في "التمدن" وغيره، في الجريدة التي أنشأها في بيروت، أي "حديقة الأخبار"، وهي أول جريدة يؤسسها عربي في ولاية عربية؛ أو إسهاماته البينة في الطبع، بتأسيسه لأول مطبعة، "المطبعة السورية"، التي اعتنت بنشر الكتب العربية على خلافها، كما كانت له أعمال مع المعلم بطرس البستاني وغيره في "العمدة الأدبية"، التي قام دورها في بيروت على تنمية الكتاب وتشجيعه؛ فضلاً عن أدواره السياسية، بما فيها مسؤولية "نظارة" المطبوعات العثمانية.

يحتاج الكشف عن خليل الخوري، ودرسُ أوجه نشاطاته التجديدية المختلفة، إلى أكثر من دراسة مثل هذه، على أني سأكتفي – هنا – بالوقوف على الوجه الشعري تحديداً. وإذا كانت تجديدات الخوري الشعرية أملتْها مقتضيات التثاقف الشعري، فإن مقتضيات أخرى أوجبت تجديدات أخرى في بناء القصيدة ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي بيروت تحديداً. هذا يصح في موجبات الترجمة والنقل إلى العربية: يُعد خليل الخوري من أوائل مترجمي الشعر إلى العربية (ترجم شعراً للامارتين)، إلا أن ما قام به المعلم ناصيف اليازجي (ومعه، ومن بعده، كثيرون) في ترجمة "الترانيم" الدينية، لطلبة المدارس، أدى إلى إبراز شعر بالعربية، متعدد الأوزان والقوافي، ويختلف بناء البيت فيه عن البيت التناظري ذي الصدر والعجز (21). وهذا ما أملتْه أيضاً، في بيروت، منذ العام 1847، المسرحية الأولى بالعربية، "البخيل"، التي وضعها مارون النقاش (1817-1855)، إذ حملت أشعارها أوزاناً وقوافي مختلفة، في المقطع الواحد.

ففي هذه الأنواع الشعرية المختلفة، كما في كتابات شعراء عديدين، لن تعود القصيدة العربية كما كانت عليه، لا في هيئتها ولا في بنائها العروضي؛ بل سينتهي بعض الشعراء إلى التفكك أو التحلل من لزوم القافية في القصيدة... يقول رزق الله حسون في مقدمة "أشعر الشعر": "سنح لي (في قسم من كتابه) أن أنظم (...) على أسلوب الشعر القديم بلا قافية. لأن حد الشعر عندي نظم موزون، وليست القافية تشترط إلا لتحسينه، فقد كان الشعر شعراً قبل أن تعرف القافية، كما هو عند سائر الأمم، ولم يسمَع العرب بسبعة أبيات على قافية واحدة قبل امرىء القيس لأنه أول من أحكم قوافيها" (22).

ومن يعود إلى مأثرة سليمان البستاني في ترجمة "الإلياذة" سيتحقق من بروز نوع آخر للشعر - وإن في الترجمة -، يختلف عن بناء القصيدة العربية المتوارث. كما يقوى الدارس على التحقق من بروز "أنواع" جديدة للشعر، تمثلت في: الشعر السياسي (أو "الوطني")، والشعر الاجتماعي، والشعر الديني (المسيحي تخصيصاً) وغيرها. وهي أنواع طلبت خصوصاً "التمدد" النحوي بين أبيات القصيدة الواحدة، ما يُعدُّ إنهاءً لوحدة "البيت المفرد"، وما يُوفِّر موضوعاً واحداً للقصيدة يتخذ من السرد أو من الوصف أساساً للبناء الشعري.

إن ما بدأ به خليل الخوري، وما واكبه فيه رزق الله حسون وفرنسيس المراش، سيتأكد في تجارب شعراء آخرين، مثل: سليم العنحوري (في دمشق)، وأبي الثناء محمود قبادو (في تونس)، وجميل صدقي الزهاوي (في العراق) وغيرهم، فضلاً عن بروز قصائد "عصرية" عند شعراء، مثل: محمود سامي البارودي، وابرهيم اليازجي، وأمين الحداد ونقولا النقاش (أخ مارون)، وعيسى اسكندر المعلوف (23) وغيرهم الكثير.

هكذا حفلت قصائد عديدة بأبيات تفيد عن تطور الغرب، وعما "فات المشرق" منه (كما في قصيدة ابراهيم اليازجي، التي مدح فيها أوسكار الثاني، ملك أسوج ونروج، عند قدوم أحد أنجاله إلى الشرق في العام 1890)، أو ما قاله عبد الحميد الرافعي، أو هاشم عباس الموسوي، أو أحمد تقي الدين (في العام 1909، على إثر خلع السلطان عبد الحميد)... كما وصف الخوري بطرس البستاني، في قصيدة "الملاحة الجوية"، مشاهدته الطيار جول فدرين (1881-1919)، وهو يحلق لأول مرة في سماء بيروت، وهو ما فعله الشاعر سابا زريق أيضاً... وهو ما استوقف العديد من الشعراء، مثل عبد الحليم الحجار، الذي ذكر، في قصيدة "من الغرب إلى الشرق الأدنى"، بالإضافة إلي الطائرة: القاطرة والتمثال والمسرح والمتحف والبرق. كما احتلت الباخرة والقطار ثم السيارة والطائرة مكان الجمل والحصان والهودج وغيرها، حسب أنيس المقدسي (24).

إن هذا الشعر "العصري" سيقوى بعد عقود في أكثر من تجربة شعرية عربية، حتى أن عيسى اسكندر المعلوف خصه بكتاب منذ العام 1904 (25)؛ وهو ما يصح في تجارب نقدية أخرى تناولت هذا الشعر أو شعراءه أحياناً: هكذا نقع على كتاب لمحمد صبري بعنوان: "شعراء العصر" (المطبعة الهندية، الجزء الأول في العام 1910، والجزء الثاني في العام 1912)، وآخر للشيخ محمد سليمان في العام 1913 في القاهرة بعنوان: "الأدب العصري في مصر"، وكتاب رفائيل بطي: "الأدب العصري في العراق"... وقد تكون دراسة جرجي زيدان المبكرة، في جزئين، في "الهلال" (ج 6، السنة 13، آذار 1905، وج 9، السنة 13، حزيران 1905)، عن "الشعر العصري" - وهو عنوانها - من أفضل الدراسات؛ وقد قام فيها بمسعى تبويبي لأنواع هذا الشعر، وإن اقتصر في أمثلته على شعراء مزامنين لهم، من دون غيرهم، أي من دون سابقيهم.

غير أن هذا الشعر "العصري" لن يشكل – مع ذلك – الوجهة الوحيدة للشعر العربي، فقد صاحبته وواكبته دعوات أخرى، اتسمت – كما مع ابراهيم اليازجي – بنزعة مترددة منه، أو اتخذت – كما مع البارودي – وجهة أخرى، اجتمعت (لاحقاً) تحت اسم: "الإحياء" الشعري. ومن يعود إلى شعر الأخير يتحقق من تداخل الخطوط و"الخيارات" في متن القصيدة الواحدة: هكذا يقوى الدارس على تبين "زمنية" في شعر البارودي، بل قيام الشفافية والتعالق بين حياته وقصائده، ما لا نجده في شعر سابقيه، ما يَظهر في: قصائد الشباب، أو قصائد النشاطية المنغمسة في أحوال زمانها، ثم في قصائد الانكفاء والتذكر والحنين. بل يقوى الدارس على ملاحظة التعايش والتنازع في آن في مباني القصيدة الواحدة، أو في إجمالي الشعر على العموم. فالبارودي عاد إلى أنواع الشعر المعروفة والمعهودة (بما فيها "التواريخ" الشعرية)، إلا أنه عدل فيها وجدد. ويتنبه الدارس إلى أن إقباله على أنواع الشعر لم يكن إقبالاً اتباعياً، إذ لم يقل قصيدة رثائية إلا في من عرف من أهل وأصدقاء؛ كما مال بدوره – كما سبق الدرس – من المدح إلى الشعر السياسي، فقال الشعر في عدد من الولاة المصريين محمِّلاً قصائدهم مقادير عالية من مواقفه "الوطنية"، بما فيها نقده لفساد الحكام. وهو ما يمكن قوله في كتابته لأنواع شعرية أخرى، حيث أنها ما خلت من بصماته "الشخصية"... ويمكن القول أيضاً إنه وقف على الأطلال واستساغ التشابيه القديمة المحفوظة وطلب "المعارضات" تحديداً، إلا أنه جعل من الوصف نوعه الأثير، ما يعد جديداً في الشعر (وهو سمة غالبة في "الشعر العصري"): هكذا بات الوصف أداة فنية وجمالية في: المعارك، والطبيعة، والهيئة الإنسانية وغيرها؛ وهو ما جعل حسين هيكل يقول عنه في مقدمة ديوانه: إن شعر البارودي كان في عصره "جديداً كله"، إذ كانت محاكاته للأقدمين جديدة، ومعارضته إياهم جديدة.

ويمكن الاستدلال بمثل آخر، عن التباين في "وجهات" الشعر، بالوقوف عند تجربة الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي، الذي عاش غالب حياته في مصر: فقد عدَّه النقاد في مصر من الطبقة الأولى، بخلاف أقرانهم في العراق (على ما يقول بطي في كتابه المذكور أعلاه). وقد مال بطي إلى تفسير التباين بأسباب فنية، إذ غلبت على شعر الكاظمي نزعة "البداوة"، كما يسميها، وهو ما لم يكن مستساغاً في العراق. إلا ان منشأ هذا التباين قد يعود (من دون إغفال ما لبُعد الشاعر عن العراق، ولإقامته في مصر، من أثر، سلبي في البيئة الأولى، وإيجابي في البيئة الثانية) إلى تباين اللحظة الشعرية بين القاهرة وبغداد، وإلى ما تطلبه وتستحسنه كل بيئة من الشعر: ففيما كانت بغداد تستحسن وتطلب الشعر "العصري"، كانت القاهرة تستحسن وتطلب نزعة "إحيائية" في الشعر.

 

3 . "روح العصر"

يخصص سليم البستاني اثنتين من "الجمل السياسية" (أي "الافتتاحيات"، بلغة اليوم)، في مجلة "الجنان"، لمعاينة أحوال بيروت (26)، وهما: "أسباب تقدم بيروت ونموها السريع" (م. ن.، ج 2، ص ص 725-727)، و"مدينة بيروت واحتياجاتها" (م. ن.، ج 2، ص ص 727-729). يتوقف، في الأولى، عند أسباب النمو، مميزاً بين أسباب "طبيعية"، وأخرى تقوم على جهد الناس. ويلحظ في الأسباب الأولى أن بيروت نعمت بالترقي لأنها من "الثغور"، "ولقربها من الأماكن التي يُقتدى بها"، بينما يحرص "أهل الداخلية على مألوفهم أكثر من الساحليين، الذين تعودوا الاختلاط بالأمم الأجنبية، واقتباسَ العادات حسنةً أو قبيحة، وأخذَ المعارف والصنائع عن الغرباء، كما يَأخذ غيرُهم عنهم". بل يخطِّىء البستاني من يعتقدون بأن نمو بيروت "خارجي"، أي "غير مبني على قاعدة صحيحة"، وهو ما يَستدل عليه بسرعةِ البناء فيها: "قد تحيَّر كثيرون بما يشاهدونه فيها من البناء المستمر الدال على غزارة الثروة التي يَستغني أهلها عنها، أو على اكتفائهم بتحصيل 4 بالمئة سنوياً ربحاً على ما ينفقونه في تشييد الأبنية. ولم يبالغ الذين قالوا، منذ سنتين، إنه يتم في بيروت يومياً بناء دار مؤلفة من نحو عشر غرف. وهذا نمو عظيم" (م. ن.، ج 2، ص 726).

إلا أن لنمو بيروت أسباباً ناشئة أيضاً، في حساب سليم البستاني: "على أن نمو بيروت ناشىء عن أسباب أخرى يحق لها الافتخار بها. فإن إقدام أهلها وموقعها وعكفهم على الاكتساب الأدبي والمادي مكَّنهم من أن يجعلوا مكاناً، كان منذ أقل من أربعين سنة قرية كبيرة، مدينةً ذات شأن، أصبحت مدرسة لجزء عظيم من قارة آسيا لتعلم المعارف والصنائع العصرية، فضلاً عن أنها صندوق سورية وفلسطين المالي، وندوتها التجارية. والسبب في نمو هذه المدينة نمواً يزيد عما يُنتظر من تجارتها، مع خلوِّها من المستغلات، إنما هو معارفها وصناعتها غير أهلها (أي فضلاً عن أهلها)" (ص 726- 727).

وينسب البستاني أسباب التقدم هذا، في "الجملة السياسية" الثانية، إلى المعارف: "إن الكد والجد والإقدام والعكف على اقتباس الآداب العصرية، وتعلُّمَ صناعات هذا الزمان، مع موافقة المكان لذلك، هي علة إدراكِ تلك المدينة ما أدركت في برهة قصيرة، والسببُ في دوام اتساعها وثرائها" (ص 727).

غير أن البستاني يذهب أبعد من ذلك، في ما يعاين ويدرس، إذ ينسب هذا التقدم إلى "العصرية"، وإلى "روح العصر". فهو يكتب في "الجنان" (1870)، (وردت في كتاب خوري: ج 1، ص ص 96-99) عن "روح العصر": "هذا الروح هو ما يُسمى بروح العصر. أي المبادىء التي تؤسس عليها أعمالها كل أمم العالم، أو بعضها، أو واحدة منها، بحسب الاجتماع والانفصال"؛ وإذا كانت أمة أو أكثر "مخالفة" لهذه المبادىء يُقال عنها "إن روحها مخالف لروح الزمان" (ص 96). ونتجت "روح العصر"، حسب البستاني، عن "اختراعات" القرن التاسع عشر، والتي نتجت بدورها عن "البحث المدقق في كل ما من شأنه ترقية أسباب المعارف والعلوم والزراعة والصناعة والتجارة"، ما كان له أثره البين عليها، إذ "سَهَّل أهلُ هذا القرن ما كان مستصعباً، وقرَّبوا ما كان شاسعاً، وخفضوا ما كان مرتفعاً، ورفعوا ما كان مخفوضاً، وساروا في البحار كما ساروا في القفار، وسابقوا النسر في طيرانه، وأذلُّوا المحيط في هيجانه، فأصبحت الدنيا، بنشاطهم وحذقهم وإقدامهم وأموالهم، كأنها سهلٌ واحد (...). فانضم الجنس البشري بعضه إلى بعض، وأضحى بعد اضطرابات القرون المتوسطة (أي القرون الوسطى) كأنه عيلة واحدة، غايتها واحدة، وهي ارتقاء درجات التقدم والنجاح أدبياً ومادياً. ولذلك كان لا بد من روح واحد لعصر واحد، اهتم أهلُه في نوالِ مقصودٍ واحد" (ص 96). ولقد تأسس روح العصر، حسب البستاني، على ثلاثة مبادىء، هي: المساواة، والحرية المطلقة، وترقية أسباب تقدم العلوم. كما اتخذت هذه المبادىء لبوساً خاصاً، إذ يشدد البستاني على أن "روح العصر قد أبدل العصبة الدينية بالعصبة الوطنية" (ص 97). ويخلص البستاني من عرضه إلى القول: "إنه من حسن التدبير الموافقةُ لروح العصر. لأن من لا يوافقه بالرضى يوافقه على رغم أنفه" (ص 98). فماذا عن "روح العصر" واقعاً؟

قامت بيروت على تكفل "الأهل"، بين جماعات وجمعيات وأفراد، بتدبر مصيرهم وعيشهم فيها، بينما قامت القاهرة – في نوع من المقارنة اللازمة - على تكفل الحاكم بذلك. وهو ما ينتبه سليم البستاني إلى جانب منه، إذ يكتب أن البلاد تشهد عهداً "انتقالياً": "فقوات الماضي تجذبه إلى ما كان عليه، والمؤثرات العصرية تسوقه إلى أن يحذو حذو أوربا، وينهج نهجها محاولاً بلوغ الشأو الذي بلغته أوربا بقرون بعشرات سنين". وهو ما يفسر المتاعب، وهو "أساس الاختلال": "فإنه عبارة عن ارتقاء سلم السياسة العصرية من فوق إلى تحت، والابتداء بتشييد البناء يكون بالتأسيس، وليس ببسط السقف على جدران لا أساس لها" (م. ن.، ج 2، ص 679). وهو ما كنت قد أَطلقتُ عليه تسمية مبسطة تقول بالتمييز بين "التمدن من تحت" و"التمدن من فوق". إلا أن لسياستَي التمدن هاتين حسناتهما وسيئاتهما.

يمكن القول، من جهة: إذ يتوقف الحاكم عن مسايرة ركب التمدن – وهو ما حصل في بعض سياسات أحفاد محمد علي، كما هو معروف – تتوقف سياسات التمدن نفسه، بينما لا يتوقف في بيروت حتى وإن كان واليها غير مشجع لسياسات التحديث العثمانية، هنا وهناك.

كما يمكن القول، من جهة أخرى: إن ما يقوم به الحاكم في مصر يطاول المجتمع كله (وإن حظي غير المصريين من العثمانيين في مصر بنعم التقدم أكثر من المصريين أنفسهم، في عهد محمد علي خصوصاً)، في بيئاته المختلفة، فضلاً عن قيام ذلك وفق سياسات واحدة وموحِّدة ما يُسهِّل بناء الدولة، بينما يصيب تمدن "الأهل" ما يصيب النافذين فيه من قوة أو تأخر وغيرها، أي ما يصيبهم بتفاوت ومن دون انسجام بالضرورة. وهو ما يمكن اختصاره وتبسيطه في صورة مزيدة بالقول: تعينت في مصر حينها تجربة بناء أجهزة السلطة وعلى أساس سلطاني، فيما كانت تتعين في بيروت تجربة بناء قوة الجماعات، وإن وفق مقادير تمدنية وتعاقدية.

ولهذه السياسات ما يوجبها ويكملها في التراكم الجديد، الذي يجتمع في "الصندوق"، في الخزنة الجديدة، وفي المصرف تالياً، ما يُعدُّ إمساكاً وحفظاً للثروة، من جهة، وتثميراً مزيداً لها، من جهة ثانية. وهو تراكمٌ يبتني "ندوة"، بيروت هي عينتها ومثالها في آن: الندوة التي تجذب إليها وتسحب أنوارها على غيرها، ما يجمع العملَ والطاقة والأمل في التداول، بما ينمي الفعالية الاجتماعية، ويمدُّ الإنسان بأسباب جديدة للترقي، ما يهز أركان الرتب المستقرة، الرمزية كما الاجتماعية.

إلا أن ما أَطلقَ عليه عدد من الكتاب تسميةَ "التمدن"، في نشاط المجتمع وسلوكياته وقيمه، كما في أدبه، بين شعر ونثر، يبقى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر رهينَ مبادرات فردية، وفق نمط تثاقفي، أي لا يصدر عن موجبات في الحراك الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن أن التمدن هذا عانى من مصاعب جمة، حتى أن التركيز عليه – من قبلي ومن غيري – لا يعدو كونه تكثيفاً لصورة متطايرة أو مبعثرة، عدا أنها مليئة بالآلام، مثل مصاعب التشرد والنفي فضلاً عن الهجرة (أحمد فارس الشدياق ورزق الله حسون وغيرهما)، أو التراجع عنها (على ما يعترف غير شاعر، ولا سيما في حلب، عن انقطاعهم عن الكتابة، ولا سيما عن الشعر).

 

يكتب رزق الله حسون في قصيدة بعنوان: "بيروت والرفاق":

ما رمقتُ الرياض إلا عرتني نحو بيروت هزةٌ إثر وجدِ

شوقَ ربعٍ وجنةٍ ذات حسن عبقتْ بالزهور في كل سعد

وحنيناً لصحبةٍ قدَّمتني من أولى عزة وأصحاب مجد

ظلُّ لطفِ الإله لي كان مغني مع خليل ومع حبيب بود

(27).

وهي التفاتة أخرى تُظهر ما كانت بيروت تحوزه، منذ ستينيات القرن التاسع عشر، من صورة المدينة الجاذبة والمنفتحة، فضلاً عن كونها صندوقاً وندوة تجارية ومدرسة وفندقاً ومستشفى ومطبعة "عصرية": فإذا كان حسون أتى، مثل عديدين، لتحصيل دراساته في جبل لبنان أو بيروت، فإن غيره أتى لطبع كتابه فيها، مثل حسون نفسه ومريانا المراش وسليم العنحوري و... رفاعة الطهطاوي نفسه من منفاه في السودان (28).

لهذا لا يسع الدارس فهم انطلاقة "الأدب العصري" من دون الابتداء ببيروت؛ وهو ما يكتسب دلالة أخرى تتعين في هجرة "فائض قوة" العمل العصري الجديد منها إلى غيرها، مثل القاهرة أو المهاجر الأوروبية والأميركية. وما يستوقف في بيروت-الحاضنة هذه هو أنها كانت تستقبل بينما كانت تودع، بدليل "التوطن" الأدبي الذي عرفته، منذ ذلك الوقت وبعده، مع: لويس شيخو، ويوسف الخال، ونزار قباني، وأدونيس وغيرهم الكثير. بل يمكن القول إن بيروت حافظت على هذه الصورة، بل على هذا الواقع الأدبي-الإنساني، المرتبط خصوصاً بنزعات التجديد فيها، حتى أيامنا هذه، ما يمثل دلالة قوية على معنى الأدب الجديد، وهو شدة ارتباطه بالإنسان والمكان، ما لم يكن ممكناً قديماً، في أدب موصول بتقاليد مرجعية واقعة في قيم الخاصة والبلاط والحلقة، بينما أصبح ممكناً في عهد جديد بات فيه الأدب موصولاً بالإنسان، وبعيشه وبما يطلبه منه.

هذا ما يُظهر البروز الأكيد لأدب جديد، مختلف، خارج على احتكام الثقافة العربية لذاتها، إذ بات الأدب الأوروبي أشبه بأفق لازم لها. إلا أنه بروز متباين ومتفاوت، قد تكون الصفة "العصرية" دلالة غير كافية عنه، إذ بات هذا الأدب يحتكم، أو يتوجه، إلى طرف جديد، هو "المطالع" (أو "القارىء"، بلغة اليوم)، على ما كانت الصحافة تستولده وتبنيه، قبل مقطوعات النثر والشعر. وما لا يخفى كذلك في هذا التعيين الجديد لـ"الأدب" (الذي اختلفت حمولاته عما كان عليه قديماً وتقليدياً) هو بروز خيارات ومقترحات مختلفة، بل متناقضة أحياناً، ما أدخل الشعر كما النثر في تواريخ، ووفق آفاق مختلفة.

(مؤتمر "بيروت رائدة الحريات في الشرق"، "الحركة الثقافية" (انطلياس-لبنان)، 5-7 تشرين الثاني 2009 ).

 

 

 

 

 


الهوامش

1 : بطرس البستاني: "خطبة في آداب العرب"، عدت إليها في كتاب ماجد فخري: "الحركات الفكرية وروادها اللبنانيون في عصر النهضة (1800-1922)"، دار النهار للنشر، 1992، ص ص 155-181.

2 : فؤاد افرام البستاني: "بيروت قبل مائة سنة"، الذي عرب الرسالة وقدم لها في: مجلة "المشرق"، المجلد 30، بيروت، ص 31-33 .

3 : نشر فيليب حتي، في سنة 1923، مقالة متتابعة بعنوان: "أسعد يعقوب الخياط: أعظم رحالة وأول مهذب سوري في القرن التاسع عشر"، وتعود في أصلها إلى كتاب موضوع بالإنكليزية، مطبوع في لندن، في سنة 1847، للخياط المذكور، وهو بعنوان: "صوت من لبنان" (A voice from Lebanon)، وترجم حتي مقاطع واسعة منه إلى العربية، بعد أن عثر على نسخة منه في "مكتبة نيويورك العمومية".

4 : يمكن العودة إلى كتابه المنشور (من دون تحقيق): "القول الحق في بيروت ودمشق"، دار الرائد العربي، بيروت، 1981 .

5 : لويس شيخو : "بيروت: تاريخها وآثارها"، ظهر في مجلة "المشرق" بداية، ثم في كتاب مستقل، في سنة 1925، في بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيين، بعد زيادات عليه.

6 : أوردت المؤرخة الروسية سميليانسكايا إحصاءات تقريبية عن نمو السكان في بيروت: 6 آلاف نسمة في 1782، و27،5 ألف في 1847، و40 ألف في 1860، ومئة ألف في 1885، و200 ألف في 1915 .

7 : سبق لي أن أشرت في إحدى دراساتي، وفي أحد كتبي، إلى أن بعض أسباب الانتقال من مرفإ عكا إلى مرفإ بيروت تعود – في ما تعود إليه – إلى سياسات حاييم فرحي، القيِّم على مالية عكا، وإلى الزيادات التي طلبها من التجار الأوروبيين، ما جعلهم يبتعدون عنها ويتركزون في بيروت.

8 : تعود هذه الإقامات إلى سياق تاريخي سابق عليها، ويرقى – على ما درست في كتابي: "العربية والتمدن: في اشتباه العلاقات بين النهضة والمثاقفة والحداثة" (دار النهار للنشر، بيروت، 2009)، إلى سياسات دينية وتبشيرية تبعت "المجمع التريدنتيني" (1545-1563) عند الكاثوليك، واستدعت سياسات مقابلة لها عند المذاهب المسيحية الأخرى، ما أقام صلات منتظمة، منذ هذا التاريخ، بين رومية ولندن ومدن أميركية وروسية ويونانية متفرقة، وبين حلب والموصل والقدس وقنوبين وغيرها.

9 : أمين وخليل الخوري: "الجامعة"، وعدت إلى الكتاب في مقالة: هيام جورج ملاط: "قصة أول دليل مطبوع في العالم العربي دليل بيروت لعام 1888"، جريدة "النهار"، بيروت، 17 ايلول 2009 .

10 : فرنسيس فتح الله مراش : "كتاب رحلة باريس"، المطبعة الشرقية، حنا النجار، بيروت، 1867، ص 9-16 .

11 : هذا يدعو إلى التحقيق، فضلاً عن التدقيق، في صحة ما انبنى عليه الكثير من الدرس – حتى الأكاديمي – عن القرن التاسع عشر خصوصاً، في دراسات لبنانيين أو مصريين أو فرنسيين وغيرهم: يكفيني دليلاً على ذلك أن الكتاب الفرنسي المرجعي "تاريخ الأدب العربي الحديث" (Histoire de la littérature arabe moderne, tome 1, 1800-1945, sous la direction de: Boutros Hallaq et Heidi Toelle, Sindbad-Actes sud, Paris, 2007 )، في جزئه الأول، والذي اطلعت عليه عند إعداد هذه الدراسة (بعد صدوره في العام 2007)، لا يشتمل على ذكر خليل الخوري إلا في مرة واحدة، بوصفه مؤسس جريدة "حديقة الأخبار"، ولا على ذكر "الشعر العصري" بكامله.

وكنت قد تنبهت إلى مثل هذا الغياب-التغييب منذ "اكتشافي" لخليل الخوري في منتصف التسعينيات، وعملي على إنتاجه المتعدد، ما ظهرت أولى إشاراته في دراستي: "تكوين الدواوين والمجموعات الشعرية" (مجلة "نزوى"، مسقط، العدد 132، 1998، ص ص 16-32)؛ ثم في صورة أوضح في كتابي: "العربية والتمدن..."، المذكور أعلاه، وبلغ حداً أعلى، في العام عينه، إذ انتهيت إلى تحقيق روايته الرائدة: "وَي. إذن لست بإفرنجي" (دار الفارابي، بيروت، 2009).

12 : لويس شيخو: "تاريخ الآداب العربية"، (1800- 1925)، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثالثة، 1991، ص 334 .

13 : عيسى اسكندر المعلوف: يمكن العودة إلى هذه المقالة، في كتاب : "أعلام النهضة الحديثة" - الحلقة الثانية، إعداد: يوسف قزما خوري، دار الحمراء للطباعة والنشر، بيروت، 1991، ص ص 111- 121 .

14 : يقول ناصيف اليازجي في خليل الخوري:

يا هلالاً قد أرانا في الدجى وجهاً جميلا

سوف نلقى منك بدراً كاملاً يدعى خليلا

: ناصيف اليازجي: "نفحة الريحان"، 1889، المعاد نشره في: ناصيف اليازجي: "ديوان"، طبع بنففة ميخائيل ابرهيم رحمة، مصحح بقلم ابرهيم اليازجي، المطبعة الشرقية، الحدث (جبل لبنان)، 1904، ص 34 .

ويقول سليمان البستاني، في تقديم تعريبه لـ"الإلياذة"، وفي فقرة تحمل العنوان: "الشعر العصري": "لم يبقَ للشعر بعد تلك الرقدة الطويلة إلا أن يهب هبة جديدة بطور جديد وروح حية. وفي الأمة – والحمد لله – بقية متأهبة لولوج ذلك الباب الرحب، وهي شاعرة منذ نصف قرن بوجوب مجاراة الزمان، وعالمة أن التصدي لمصادمة تيار الترقي غرورٌ عاقبته الزيغ والخذلان. ولهذا شرع النوابغ من أبناء هذا العصر في تعديل الخطة، فكانت لهم اليد البيضاء، وأسفر جهدهم عن إبراز الشعر الرقيق بالثوب الأنيق"؛ ثم يختمها بالقول: "وما هو إلا قبسٌ فاض من غرة هلال سيتكامل بفضلهم بدراً إن شاء الله" (سليمان البستاني: "إلياذة هوميروس"، دار المعرفة، بيروت، ص 162).

15 : يمكن العودة، للتعرف على سيرة خليل الخوري، إلى كتاب: "خليل الخوري: فقيد الشعر والصحافة والسياسة"، من إعداد: "حديقة الأخبار"، بيروت، 1910، الذي تضمن أيضاً "ترجمة" جرجي زيدان له؛ ويمكن العودة أيضاً إلى ما كتبه عنه عيسى اسكندر المعلوف بعد وفاته؛ وإلى ما ورد عنه في: "تاريخ الصحافة العربية" لفيليب دو طرازي، فضلاً عن مصادر أخرى سيتم التعرض إليها أدناه.

16 : وقد عدت إليها في تقديم تحقيق روايته: "وَي..."، م. س.، ص ص 15-41 .

17 : يقول هنري لورانس: "بعد حوادث 1860، يتحقق المسلمون السوريون من الفارق الثقافي الذي يفصلهم عن المسيحيين. الأعيان الجدد، الواعون لمسؤولياتهم، يشاركون برضاهم في تمويل (وتأسيس) مدارس خاصة بالمسلمين. إن إقامة هذه الشبكة التربوية ستجعل من سوريا في مجموعها (أي بلاد الشام) على الأرجح البلد الذي يعرف الأمية أقل من غيره في السلطنة العثمانية، وأحسن من أناطوليا بكثير. ففي العام 1800 ما كانت تتعدى نسبة التعليم في مجموع السلطنة واحداً في المائة؛ وبلغت النسبة في العام 1914 خمسة أو عشرة في المائة، فيما كانت تبلغ في لبنان خمسين في المائة، و25 في المائة في سوريا".

Henry Laurens: Le royaume impossible, la France et la genèse du monde arabe, éd. Armand Colin, Paris, 1990, P. 128-129 .

18 : وردت في منتخبات "الدرر"، التي عني بجمعها واختيارها من آثاره: جرجس ميخائيل نحاس، وطبعت بنفقة جامعها وخليل (أفندي) النقاش، في مطبعة جريدة المحروسة، الإسكندرية، 1886، ص 137-139 .

19 : يقول الخوري في إحدى قصائد هذه المجموعة (خليل الخوري: "العصر الجديد"، طبعة أولى، 1863، المطبعة السورية، بيروت):

قوموا انظروا الكون بالترتيب ينتظمُ وشاهدوا العصر بالتهذيب يبتسمُ

عصرٌ تجدَّدَ فيه العلم منبسطاً والعدلُ والأمنُ والإحسانُ والكرمُ

(...)

في عصر دولتك الزهراء طابَ لنا عيشٌ رغيد وظلٌّ باسط شيم

ذقنا به لذة العصر الجديد كما من جودك العذب قد سحَّتْ لنا ديم

(...)

أجدادنا سلفوا في أعصر كَدُرتْ راحوا وما نظروا الدنيا وما علموا"

(ص 6-7).

كما يقول في قصيدة "معجزات العصر" من المجموعة عينها:

أرى إنما الإنسان صار مملكاً على كل أجناد الطبيعة يحكمُ

فلا شيء إلا الموت يعصاه أمره وكل له في الكائنات مسلم

لقد كشف الأسرار فانكشف الغطا وأصبح في سر الخفيات يفهم

له خضعت كل العناصر غلبة فمنها له أعداه بالأمن تخدم

لذلك لا تؤذي العواصف سفنه وتهرب عنه الصاعقات فيسلم

إذا أُرسلتْ في طرقها مركبات تُفتت أحشاء الجبال وتهجم

نعم هي تلك الصاعقاتُ تسارعت على خطها تدوي ولا ضرَّ ينجم

يحمل جنح البرق منه رسائلا فيسبق لحظ العين حيث ييمم

(...)

سرى بين أبحار السماء بمركب فلا صخرة غير الكواكب تلطم

أراه مشى فوق المياه كما سرت سفينته تحت المياه تكتم

(...)

أرى قدرة العقل العظيم تسلطت على سدة للجد الرفيع تكرم

تزين هذا العصر كلُّ غريبة لها في مدار الاختراعات موسم

له الكون داراً صار والشخص معشرا وخفف ثقل الحمل فالطن درهم

يسمونه عصر البخار فقل لهم أساءتم فذا عصر العجائب يبسم

به اكتسب الغرب افتخاراً وزينة فتاه على الشرق البهيج يعظم

ألا يا بني الشرق استفزوا حماسة فقطركم ربعٌ إلى العلم أقدم

(م. ن.، ص 28-29).

20 : عمدت إلى تحقيق هذه الرواية، بالعودة إلى صيغتها المنشورة، متسلسلة في "حديقة الأخبار"، ابتداء من العام 1859، وإلى طبعتها الأولى في كتاب، في العام 1860، وانتهيت بعد دراسة الرواية إلى التحقق، ليس من كونها "الأولى"، بل من أنها "الرائدة" في هذا النوع من السرد.

21 : يمكن العودة إلى أكثر من كتاب في هذا النوع الشعري، منها: "القيثارة الشجية في التسابيح الإلهية" للكاهن الكاثوليكي السرياني تاوفيلس انطون قندلفت (1863-1898)، وكتاب "روضة الألحان" و"الكنارة الصهيونية" (في الموصل)، و"اللذة الحقيقية في الترانيم الروحانية"، ومنها كتاب ناصيف اليازجي: "مزامير وتواشيح وأغاني روحية" وغيرها.

22 : رزق الله حسون: "أشعر الشعر"، بيروت، 1870، ص 3 .

وهو ما جرَّبه، في هذه المجموعة الشعرية، في تعريب الفصل الثامن عشر من "سفر أيوب"، حيث عربه نظماً من دون قافية.

23 : ضمَّن المعلوف كتابه المذكور أدناه، "لمحة في الشعر والعصر"، فصلاً اشتمل على قصائد عصرية منتخبة من مجموعته الموسومة بـ"بنات الأفكار"، وهي قصائد في: النارجيلة، والكهربائية، والبخار، والمغنطيس، وكأس نبيذ، وبرج آفل، والكيمياء، والفلسفة، والفونغراف، والتلغراف، والعدسية المحرقة، والطبيعيات، والمقص، والازدهار، والظلال، وصناعة التصوير الشمسي، ص ص 23-38 .

24 : يمكن اعتبار كتاب أنيس المقدسي، "الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث"، من أقرب الكتب التي حفظت وعاينت ودرست هذه الفترة "المغيبة" من الشعر العربي؛ وقد عدد فيه قصائد كثيرة مما قيل في الباخرة والقطار والسيارة والطائرة وغيرها: عدت إليه في طبعة دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثامنة، 1988، ص ص 210-215 .

25 : عيسى اسكندر المعلوف: "لمحة في الشعر والعصر"، المطبعة العثمانية، بعبدا (جبل لبنان)، 1898 .

26 : سليم البستاني : "افتتاحيات مجلة الجنان البيروتية، 1870-1884"، إعداد وتحقيق: يوسف قزما خوري، (جزءان)، دار الحمراء للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.

27 : رزق الله حسون : "النفثات"، م. س.، ص ص 75-76 :

أيشير حسون في هذه القصيدة إلى بعض أسماء رفاقه، مثل: لطف الله وخليل (الخوري) وحبيب (اليازجي)؟

28 : نشر خليل الخوري كتاب رفاعة الطهطاوي، "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" (الذي قام بتعريبه أثناء نفيه في السودان)، وعرَّف به في "حديقة الأخبار" (العدد 174، 3-15 آب 1861).