الكتابة، الآن

خليل صويلح : شهوة الحكي
 
شهلا العجيلي : مكاشفات سرديّة لاستعادة الهويّة

 

 
محمود منير : نمتلك حياتنا بالكتابة عنها
 
ملحمة الرحيل والجسد ومغامرات الكتابة
 
هيثم حسين : بدل عن ضائع : في أعماق السواد
 
من النهضة إلى الاستنهاض
 
بدل عن ضائع
 
رامبو: الطبعة الثالثة
 
متعة تجريد اللوحة والنص
 
موريس أبوناضر : شربل داغر يضيء النص الشعري
 
أنطوان أبو زيد: عن سيادة منجزة شعراً
 
في المتوسط والتوسط والوساطة
 
لما زرتُ قصيدتي في برلين
 
ابراهيم الحجري : استنطاق السيرة الذاتية روائياً
 
تكوين القصيدة : بين الشعري والتاريخي
 
أنسي الحاج : غير مسبوق
 
رافع الناصري : المشهد النادر
 
على طرف لساني : من أفضل كتب العام
 
الياس فركوح : أيقونة رامبو
 
الحروفية : الطريق والأفق
 
عالم الفن، عالم الوجود
 
شاكر حسن آل سعيد : الأثر والحضور المشع
 
محمد المليحي : ينبوع المتعة المتجدد
 
جهاد هديب : الذات تعيد إنتاج العالم فيخرج منها
 
جهاد الترك : اللحظة مشروعاً كونياً للرؤية
 
Le théâtre arabe entre l’écrit et le parler
 
عبد العزيز المقالح : صباحية شعرية
 
ابراهيم السامرائي : كلمة في شربل داغر
 
لا يصل الكلام بل يسير
 
على طرف لساني
 
مع لامع الحر الكتابة تتيح لي حيوات مختلفة
 
أوراق طائرة
 
الترجمة، أو "جارية" الشعر العربي الحديث
 
مبشال فوكو : ما الأنوار؟

 

 
سامح المحاريق : تاريخ الفنون وتشكيل الشخصية الثقافية
 
شهرزاد الجديدة تروي لكي تنقذ حياتها
 
الفن الإسلامي بين المنهج الآثاري والمنهج التاريخي
 
ظلُّ السلطان
 
Avec Asma ABASSI : Les nécessaires choix artistiques et culturels
 
Charbel DAGHER à Beit al Hikma
 
الواسطي، ذلك المجهول
 
هيثم حسين : من البلاط إلى الكتاب
 
شربل داغر في دار الآثار الإسلامية
 
مع هيثم حسين : التجديد شاغلي
 
سلطان اللغة : بين الاستعمال والتقعيد
 
موسى حوامدة : شربل داغر والفن الإسلامي
 
مذاهب الحُّسن... مقدمة الطبعة الثانية
 
شجرة ظهورِ الفن
 
العربي ليس كائناً فقهياً

 

 
عين القصيدة
 
DISTANT, GLIMMERING STARS IN THE SKY OF ART
 
الصورة بين السلطان والأعيان
 
نجوم بعيدة في سماء الفن
 
الاعتداء على شربل داغر
 
اللحم العربي
 
الغريبان
 
التوأم: سرفنتس-الشدياق
 

 

Developed by:

 

         E. Chahine

 

 

 

PDF طباعة أرسل إلى صديق

القيم الجمالية في الفن العربي والإسلامي

 

لا يسع الدارس مباشرةَ درسِ «القيم الجمالية في الفن العربي والإسلامي» في صورة هينة وميسرة، إذ أن تتبعَ ألفاظ العنوان المقترح لهذه المحاضرة يثير في حد ذاته مشاكل مفهومية عديدة، أختصرها بالقول: إن الحمولات التعيينية التي تشتمل عليها هذه الألفاظ متأتية من خارج الثقافة التي أنتجتها. ويحتاج درسُ هذه المصاعب، بالتالي، إلى شيء من التحقيق، بل من التنقيب الأثري في استعمالات اللغة العربية وفي الاعتقادات المواكبة لها. فما المراد من القيم، بداية، وهو اللفظ-العماد في المطلوب من المحاضرة؟
العودة إلى اشتقاقات «ق و م» في العربية، ابتداء من «لسان العرب»، تعرض جداول وعلاقات بين معان ودلالات، تلتقي حول الأخلاقيات وتبتعد عنها، وفقاً لحمولات قائمة في الاعتقادات أو في المفاهيم. من هذه المعاني ما يجعل القيمة موصولة بثمن، أو بـ«استقامة»، «لا زيغ فيها»، و«لا مَيل عن الحق»؛ بل يفصل أحد معانيها بين الحق والباطل «على استواء وبرهان»... ولو شئتُ التوسع لذهبت صوب غيرها، مثل الألفاظ الاشتقاقية التالية: «قَوْم» (أي الجماعة من الناس)، فضلاً عن «القيام على أمر» (مثل التوافق على أحكام ومعايير وسلوكات وغيرها)، أو عن «الإقامة»، أي التوطن في مكان ما، بما يشتمل عليه من تعيينات في الوجود، وغيرها الكثير. وهذا ما لا يمكن الاكتفاء به (في نوع من الطمأنينة الراكنة إلى موروث لغوي واعتقادي)، إذ أن في تضاعيف حمولات عنوان هذه المحاضرة ما يشير إلى جداول فلسفية وفنية سارية في الخطاب العربي المعاصر، ابتداء من الخطاب الغربي، حول الفن والجمال.
هذا ما يمكن أن نجريه من نقد لغوي ومفهومي لألفاظ أخرى في العنوان، مثل الجمالية والفن، أو التحقق من معنى الصفة: عربي وإسلامي. وهي ألفاظ تشير في صريح استعمالها الحالي إلى منظور قد لا يناسب أو لا يصدر بالضرورة عن الثقافة التي يطلب معاينتها: هذا ما يتضح جلياً في دلالات الفن والجمال البينة في العنوان. كما لم تتعين الثقافة العربية أو الإسلامية وفق هذه الصفة وتلك إلا ابتداء من خطاب استشراقي عنها. هل يكون العنوان بذلك نوعاً من إعادة تأويل مسبقة لما هو موضوع تبين ودرس؟ هل يكون الأمر مسألة تأويل وحسب (لتصحيح أو لتعديل)، أم أنه إعادة إنتاج له؟ وكيف يكون العمل؟
القيمة صعبة التحديد، واقعاً، لأنها شرط إمكان أي تعليل، أي تشريع، استناداً إلى ما قاله ماكس فيبير، وهو أن القيمة «أفضلية أساسية غير قابلة لأي بلورة عقلانية». لهذا يتحدث عن «تعددية قيمية»، ويستعمل لهذا الغرض لفظاً فرنسياً (
polythéisme ) يشير إلى تعدد الآلهة، تعدد المرجعيات، ما يشير في حسابه إلى صعوبة حصول توافق أو تفاهم مؤديين إلى تراض أو تصالح بين خيارات «أكسيولوحية» (أي شاملة للقيم الأخلاقية، ومنها الجمالية)  لدى الأفراد أو الجماعات البشرية.
الحديث عن القيمة يقود، إذن، إلى اتجاهات متعددة، ومتباينة، في القراءة الجمالية والتشكيلية، ما أجمله في وجهتين: واحدة تجعل القيمة ماثلة في بنية العمل الفني، وتصدر عنها، من مواصفاتها، من صنعها؛ والأخرى تجعل القيمة ماثلة في خارج العمل الفني، قبل داخله، على أنه النظام الجامع للكون كما للعمل الفني؛ وهو نظام التعالي، السابق على العمل الفني والضامن له في آن. وهو ما أصوغه في تعيين مفهومي آخر: إن الحديث عن القيمة يشتبك في منظورين: إلهي وأخلاقي، من جهة، وذوقي وفردي، من جهة ثانية. ألا يقيم الدرسُ بذلك لبساً بين قيمة اعتقادية للفن وأخرى بصرية؟ وهو ما أتناوله سريعاً بإثارة المسألة التالية: حفلت الجدالات الكلامية والفلسفية، منذ القرن الثاني الهجري على الأقل، بنقاشات، منها ما اتصل بـ«صفات» الله، وما تعين في تسمية فرقة كلامية إسلامية، هي «الصفاتية». هذا الجدل تحدد قديماً في نقاش الإلهيات، فيما يندرج، اليوم، في نقاش الجماليات. فكيف يمكن توجيه القراءة؟
يحتاج الدرسُ إلى أكثر من قراءة، وفي غير اتجاه، وهو ما أتوقف عنده وقفة لغوية ثانية، عند لفظ آخر، هو الجمال نفسه، اللصيق بالقيم المذكورة. فالوقوف عند الجمال في الثقافة الأوروبية بات ممكناً، ومعبد الخطوات، منذ كنط على الأقل، ويندرج في جداول وسبل واتجاهات، تتلاقى وتتخالف ولكن ضمن متن واحد يجعل للجمال خطاباً، متعيناً في إنتاجات الفن أكثر من توأمه السابق، وهو الطبيعة. وما يخفف من سطوة هذا الخطاب، ومن لزومه، هو أنه خطاب متبدل ومتغير في آن، بدليل أن الشاغل الجمالي بات يتقيد أكثر بالفنون التشكيلية منه بالفنون الجميلة، إذ قلما يعتني، على سبيل المثال، بدرس الرقص أو الغناء... وما وجبت ملاحظته أيضاً هو أن هذا الخطاب قام بعملية مزدوجة ومتداخلة في آن: معاينة الفن، من جهة، وإعادة النظر فيه، ولا سيما القديم منه، بما فيه الفن الإسلامي، من جهة ثانية.
إلا أن إعادة النظر في الفن الإسلامي والعربي لم تتم كفاية بما يمكِّن من الاندراج سلفاً في جدل قائم ومفتوح. ولا تزال تحول دون إجراء إعادة النظر هذه مصاعب متأتية من حاصل الدرس الأوروبي فالغربي للفن الإسلامي، حيث هو في إجماله - وفي كلام سريع عنه - توثيق إنتاجي لمواده، وتعريف وصفي لأعماله، ولأساليبه تبعاً لتحقيبات سلالية، فيما افتقر هذا الدرس إلى طروحات جمالية مناسبة. المصاعب عديدة، إذن، والورشة مفتوحة، ما يدعو إلى الحذر والحيطة، وإلى تجنب أي تسرع في نقل الخطى في ميدان بكر، في شقه الجمالي خصوصاً. فكيف السبيل؟
أقترح لذلك الوقوف عند إنتاج فني بعينه، وأتبين فيه ما هو محل عناية واهتمام وتركيز وتقدير بالتالي، ما يمكن تسميته بالقواعد التي يرتضيها ويطلبها هذا الإنتاج في صنعه كما في فنه. والوقوف عند هذه القواعد، والمعزز بتتبعها في إنتاجات فنية أخرى ومتنوعة، سيمكن الدارس من فحص هذه القواعد بوصفها «أفضليات» انتهى الفن إلى تمييزها عن غيرها، أي إلى تثمينها، وإلى اعتبارها العلامة الدالة على ما يرتئيه ويذيعه بوصفه الجميل. كما أنطلق من هذا التحقق العياني، وفي الصنع الفني، إلى معاينة ما يقوله الخطاب نفسه، في الجمال، في ما هو تعليل لهذه الأفضليات، سواء في الدين أو في الرأي، في التفسير أو في الحكم، لدى مجموعة أو أفراد ضمن الجماعة المعنية بتشريع هذه الأفضليات وبإقرارها ضمن القواعد «الأكسيولوجية» في مجتمعات وثقافات بعينها.  والابتداء بهذا المخطوط سيكون منطلقاً لدرسِ خطابات إسلامية (بلغة عربية) اعتنت بتعريف الجميل (أو الحَسَن)، وبمعاينته، والحُكم عليه، ما يتيح  التعرف على القيم كما تحددها وتطلبُها بالتالي هذه الخطابات المختلفة. وهو ما أعينه في التعريف التالي: القيمة هي ما يقره التذوق (أو الحُكم) الإنساني على أنه جميل، وهو ما يصدر عن أفراد أو أطراف أو مجموعات، في أقوال وسلوكات وأحكام وتشريعات وكتابات وغيرها؛ ويستند هذا التذوق (أو الحُكم) الإنساني في بنائه إلى استلهامات ومعايير وقواعد، بين مرغوبات وممنوعات، اتخذها من خطابات الدين أو العقل أو الذوق أو غيرها، ما يندرج في المثال الجمعي، التلقائي في مجتمعات قديمة. وهو ما أمتحنه في ثلاث وقفات: واحدة عند القرآن، وثانية عند خطاب صوفي، وثالثة عند خطاب فلسفي.

 

1 . المعراج فنياً
أنطلق لهذا الغرض من مخطوط نادر في «المكتبة الوطنية» في باريس، محفوظ في قسم المخطوطات (ملحق تركي: 190)، والموسوم بـ«المعراج نامه»، الذي يعود في إنتاجه إلى القرن الخامس عشر، في هرات، في خراسان (1). وتتيح دراسة هذا المخطوط الوقوفَ على وجوه مختلفة من هذا الفن القديم، بين صناعته وفنيته ومنظوره الجمالي.
يخالف هذا المخطوط بوجوده كثيراً من الاعتقادات والأحكام في ما كان عليه الفن الإسلامي لجهة التصوير الآدمي، ولا سيما الديني منه: في هذا المخطوط يمثل الرسول في أكثر من مزوقة، عدا أنه يصور شيئاً من عالم الجنة نفسه. إلا أنه يلتقي - على ندرته - بمخطوطات إسلامية أخرى، ذات صور دينية، ولا سيما للرسول، تعود في غالبها إلى قرون متأخرة، سواء لدى مزوقين عرب (مثل المخطوط الذي كشف عنه بشر فارس، ودرسه في العام 1949) (2)، أو غيرها مما تحدث عنه زكي محمد حسن (في إحدى مقالاته، التي بعنوان: «السيرة في الفن الإسلامي») (3). ويمكن الإشارة كذلك، وفي هذا السياق، إلى 25 مزوقة وردت في مخطوط لكتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» لأبي الريحان البيروني (4)، وتمثل واحدة منها مصرع الحلاج (يعود الكتاب في تأليفه إلى مطالع القرن الحادي عشر، وورد ذكر الحلاج في باب موسوم: «القول على تواريخ المتنبئين وأممهم المخدوعين عليهم لعنة رب العالمين»). وهو ما تناوله كذلك ثروت عكاشه في كتابه: «التصويرالإسلامي الديني والعربي» (5). فكيف ذلك؟
سبق لي في كتابي «مذاهب الحسن: قرءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية»، أن تناولت جوانب من هذه المسألة، وانتهيت فيه إلى لزوم تبين تاريخيتها، ما يعني وجود ممارسات تباينت بين حقبة تاريخية وأخرى، خاصة وأن التصوير نفسه لم يقع في أساسيات العبادة الإسلامية (كما في السلوكات العبادية المسيحية، على سبيل المثال). ويعني هذا، بداية، أن النص القرآني، والسلوكات العبادية المتصلة به، لم تدع إلى التصوير (وما يرافقه من ممارسات فنية مثل النحت وغيره)، بل نهت عنه بوصفه يحاكي الخالق في صنعه، في نقد صريح للاعتقادات والسلوكات الوثنية بوصفها تقوم على تمثيل الإله في عمل بشري، هو الصنم تحديداً أو ما يشابهه (6). وهو ما سبق أن أجملته في القول التالي: «لم يعرف (...) في أي مبنى ديني إسلامي، منذ سنوات الهجرة الأولى وحتى أيامنا هذه، أية صورة آدمية» (م. ن.، ص 247). وهو ما أجد قرينة أخرى له، في نطاق الخلافة أيضاً، منذ العهد الأموي، بين الأعوام 72 و74 و77 للهجرة، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي أصدر ثلاثة أنواع من الدنانير (بعد تخليه عن العملات الساسانية والبيزنطية): حمل الدينار الأول رسم ثلاثة أشخاص، وحمل الثاني رسم الخليفة (واقفاً بلباسه العربي، وعلى رأسه عمامة وتقبض يده اليمنى على سيف في غمده)، وحمل الدينار الثالث آيات قرآنية وحسب، من دون صورة أو شكل.
وإذا كان نطاقا المسجد والخلافة، في العلاقة العمومية التي تلزم هذا وذاك بالجماعة، حافظا على الامتناع التصويري التشبيهي هذا، فإن نطاقات أخرى، قد تخص الخلفاء، أو بعضهم، في نطاقات عيشهم، بين حمام وردهة وغيرها، لم تتقيد دوماً بالامتناع المذكور. هذا ما يصح في حمام أو استراحة أموية، أو في صور منحوتة على أعمدة عباسية وغيرها من العلامات الدالة على نطاق خصوصي، إذا جاز القول، في سكنى الخليفة. وهو ما يمكن قوله عن إنتاجات أخرى حاملة للصورة، في هذا النطاق الخليفي الخصوصي، والذي تمثل في تبلور تقاليد بلاطية، مستحسنة لأنواع وإنتاجات فنية، طلب بعضُها الصورة جزءاً مكوناً له.
لنعدْ إلى المخطوط: إن الوقوف عليه يفيد في التعرف على صناعته المخصوصة، أي على هذا الجمع، بداية، بين فنون وفنانين مختلفين لإنتاج عمل واحد، فيما يتم التمييز بينهم في دراسات اليوم وفي تقسيمات الفن والفنانين. فقد تعاون على إنتاجه الشاعر مير حيدر والخطاط مالك بخشي، ومزوقوق مختلفون (حسب دارسي المخطوط) عملوا على تصوير إحدى وستين مزوقة. والكتاب في أساسه مترجم عن العربية، ووضعه شعراً في التركية الشرقية الشاعر حيدر، وجرى تخطيط النص بالوريغية (وهي لغة في تركيا الوسطى، متحدرة من الآرامية القديمة)، فضلاً عن شروح مصاحبة له بالعربية والتركية، وتعليقات فارسية. والجمع بين فنانين وبين أصول مختلفة للعمل الفني، بين لغوية وكتابية واعتقادية وفنية وغيرها، يشير إلى التكوين التاريخي المتعدد، المتلاحق والمتنوع والمتباين، للفن الإسلامي، في إجماله أو في تجاربه المختلفة بين عربية وفارسية وعثمانية وغيرها. وهو ما يجعل مهمة الدارس لتاريخية الفن الإسلامي، ولجغرافيته أيضاً، شديدة الصعوبة والتبين والمعالجة.
وما يمكن ملاحظته، في هذا المخطوط كما في غيره، هو انتسابه إلى تقليد بلاطي أكيد، وإلى نشاطية مميزة عرفها بلاط الشاه روخ، في مطالع القرن الخامس عشر، في مقر حكمه، في هرات، عاصمة خراسان، طوال نصف قرن تقريباً (1404-1447). فقد أحاط نفسه بنخبة من الشعراء والفنانين والعلماء والموسيقيين وغيرهم، كما أنشأ مشاغل سلطانية عمل فيها مزوقون وخطاطون ومذهبون وغيرهم، مما كان يغني مكتبته الزاخرة والمتميزة بالمخطوطات النادرة والمزوقة في بعضها.
هذا ما كان يجتمع في «خزانة»، في مقتنيات الحاكم، لقيمته الكتابية كما الفنية. وهذا ما كان يلتقي مع عنايات أخرى، تظهر في متطلبات الفن السلطاني، أو البلاطي، مثل قصيدة المدح، والحلة الفاخرة، والسيف المحلى، والآنية النادرة وغيرها. الصورة والآية القرآنية تحيلان في هذا المخطوط على الدين، لكنهما تندرجان في صناعة كتاب، في علاقات تواكل قامت بين البلاط والفن. فلقد بلغ هذا الفن قيمته في البلاط وقبل أي نطاق تداولي آخر، ما أعلى من الطلب عليه، من التفنن فيه، ومن التباري بين صناعه، ولكن ضمن قواعد متبعة في إنتاج هذا المخطوط أو ذاك. وهو ما أسميه بـ«التقاليد»، وهي العمود، في الشعر العربي القديم، والفصاحة، في اللغة العربية...
المخطوط مطلوب لأنه محل اقتناء من الحاكم، ومحل تنافس ومباهاة بين الحكام (وغيرهم من أصحاب السلطة والنفوذ والقوة)، إلا أنه ينتسب في تحديد قيمته العالية هذه، قبل الطلبِ على الاقتناء والتميز، على الثقافة الكتابية التي ثبتها القرآن الكريم وأعلى من قيمتها الدينية والجمالية في آن.

 

2 : الوقفة القرآنية
وجب التمييز، إذن، بين كتاب وكتاب، بل بين المخطوط والكتاب، على أن الصلات بينهما متباينة ومتداخلة في آن. فهذا المخطوط يستند في أساسه إلى كتاب ديني، القرآن الكريم، هو في أساس صناعة مخطوطات عديدة ذات صنع فني. وهي صلات تتعدى الموضوع نفسه لتشمل صناعة المخطوط نفسه، ذلك أن الدارس يتحقق من عناية أولاها الفنان (شاعراً أو مصوراً أو مزخرفاً أو مذهباً أو مورقاً وغيرهم) لموضوعه لا تختلف في بعضها عما هي عليه العناية بالقرآن. فماذا عن القرآن؟
عرفت الجزيرة العربية، قبل الإسلام، عنايات ومهارات ذات صلة بصناعة متقنة للكتاب، وهو ما تحفل به أشعار جاهلية عديدة، فضلاً عن معرفتنا التاريخية المستجدة التي أتاحت الوقوف على شيء من العنايات هذه: وهو ما بلغته التجربة الإسلامية في احتكاكاتها المختلفة، خارج الجزيرة العربية، في مدى الفتح، مع التجارب البيزنطية والفارسية والقبطية وغيرها. وهي أكثر من بداية تاريخية، إذ تشير إلى بداية تكوينية وجب البحث فيها عن سند أول في تعيين هذا الفن.
ذلك أن الفن الإسلامي يتعين في الدراسات الحالية في وجوده المتحفي، وتتعين جماليته في هذا الوجود المتحفي كذلك، فيما وجبت العودة إلى هذا الفن في سياقاته ما قبل المتحفية. وجبت العودة خصوصاً إلى القرآن، فهو بديل الوجود المادي الذي نقع عليه في المنظور الإغريقي-الروماني (لو طلبنا إجراء مقارنة ومقايسة في هذا الموضوع). ذلك أن الصلة بالكتاب، وبلفظه خصوصاً قبل معناه، شديدة في علاقة الإسلام بكتابه المقدس. وهي صلة تعدت النطاق الديني والشعائري نفسه، وتناولت بنية هذا الكتاب نفسه، أي طريقة مثوله للناظر إليه، أي للقارىء. هذا ما نعرفه عن معالجات طاولت هيئة القرآن منذ عهود مبكرة، وما أصابه في هيئته المادية من معالجات شكلية تناولت ترتيب السور، وتوزيع الآيات في فقرات، وما دخل إلى ألفاظه من حركات لتمييز بعض حروفه، فضلاً عن نظام الصفحة القرآنية، بين تنظيم للسور وتزيين لأطر الصفحة نفسها.
هذا ما ألتمسه، أو أتحقق منه كذلك في كتابية العمل الفني المادي، إذ يتبع العمل شكل الكتابة: يتبعها وفق نسق معروف، مسبوق، من اليمين الى الشمال، تبعاً لسيرورة الحروف وفق نسقها المقترح. كذلك في الزخرفة الكتابية أو الهندسية أو النباتية وغيرها، إذ يتبع رسمها شكلاً كتابياً مأخوذاً من اللغة، وإن تشابكت وتداخلت السطوح والعلامات والأشكال. هذا ما يقوله ابن عبد الله ابن المعتز:
فدونكه موشّى نمنمتْه               وحاكتْه الانامل أي حوكِ
بشكل يؤمن الاشكال فيه            أن سطوره أغصان شوكِ
هي علاقات تقوم على نسق أفقي أساساً، هو نظام تتابع الحروف والكلمات من اليمين إلى الشمال، وعلى نسق عامودي أيضاً، يتصل بانعقاد علاقات الحروف العربية بعضها ببعض بين أشكال حروفية أفقية (الباء، الياء...) وأشكال حروفية عامودية (الالف، الميم...). طلب الخطاط من الخط الحُسن قبل الوضوح، وهو ما ذهب إليه ابن مقلة حيث بحث في الحرف عن صفات لخصها في أمرين: «حسن التشكيل»، وذكر فيه: التوفية والإتمام والإكمال والإشباع والإرسال؛ و«حسن الوضع»، وذكر فيه: التوصيف والتأليف والتسطير والتنصيل. هذا ما نتبينه عيانياً في الأشكال الزخرفية، حيث طلب المزخرف إنشاء علاقات بين الوحدات التزويقية، مخضعاً ذلك كله لطراز قياسي تكراري، نجده ماثلاً في القطعة الزخرفية الواحدة، ومتكرراً على هذه الصورة في غير قطعة زخرفية على الجدار نفسه.
يقول أبو الحسين بن أبي البغل عن الأقلام:
يُخط بها سواد في بياض         فتحسبه بياضاً في سواد
أما المأمون فقد قال عن الجارية منصف، وقد رأى في يديها قلماً:
أصم سميع ساكن متحرك     ينال جسيمات المدى وهو أعجف
وهي معانٍ قريبة ايضاً مما قاله ابن المعتز:
أبله غير لبيب                     وهو في حال اللبيب
ساكن يردي حديثاً                 مثل أعراض الرقيب
نمقته الكف حتى                  هو كالوشي القشيب
الخط أصم إلاّ أنه سميع؛ هو ساكن غير أنه يروي حديثاً: إن هذه الثنائية تصف مفارقة الخط، بين حضوره المادي «الأبله» حتى، حسب ابن المعتز، وبين معناه القدسي، الديني، الفائق القيمة. وما يستوقف كذلك هو مفارقة اخرى، تشكيلية صرفة، تقوم في علاقة الساكن بالمتحرك، كما يشير إليها المأمون، أو السواد بالبياض كما يتحدث عنها أبو الحسين أعلاه. الخط لا يستدعي القراءة وحسب، بل «يخاطب اللحظ» أيضاً.
هكذا اتخذ المخطوط الفني من القرآن مثالاً له، ومن الخط نسقاً ناظماً ومشتركاً، بما يجمعه ويفرعه في زخارف وأشكال وصور وغيرها. هذا ما ينطلق من كتاب، من آية، من قصة، لكي يتعين في إنتاج ذي مواصفات فنية: لا ينطلق من وجود مادي، إذن، بل من وجود نصي، إذا جاز القول. وهذا يجتمع في يدين، كما في خزانة، بما يتيح للعين أن ترى فيما تقرأ، وأن تقرأ فيما ترى؛ وهي إذ تقرأ أو ترى تقوم بعمل متصل، لا لحظوي، وإن تستوقفها صورة أو استطالة في حرف. هذا ما يجتمع في متعة الجلوس لكتاب، أو الوقوف المتصل لرؤية زخارف جدارية... هكذا يقوم العمل الفني على تمثل لا على تمثيل، على تصور ما يمكن أن يكون عليه، لا على ما هو عليه. إلا أن في التمثل ما يساعد، ما يحرض، ما يشجع على الارتقاء، على الارتفاع إلى ما يليق بما هو خلف الحروف، خلف الاسم. ذلك أن إنتاج العمل لا يتطلب المعاينة، أو المحاكاة، وإنما التطلع إلى بلوغٍ هو أشبه بالسفر، بالتوهم، ولكن من دون سفر، من دون انتقال، ما يمحض العمل الفني صفات تقع في كمال الموجودات، لا في حقيقتها (أو في حقيقتها المصفاة من العارض والزائل والمشوه، التي يمكن أن تقع فيها أية محاكاة لموجودات). وهو ما يتعين في صفات النقاء والدقة والوضوح التام. هو فن تمام الموجودات، وإن كانت خافية على العين الناظرة، ولا يصور ما يرى بل ما يقرأ ويرى فيه. والموجودات موجودة طالما أنها ملفوظة؛ وهي متعينة في الكتاب - أي كتاب - قبل أن تكون من هيولى أو من شكل-مادة.

3 : الوقفة الصوفية
أعود إلى المخطوط من جديد: يشكل الكتاب في مساره رحلة دينية طبعاً، إلا أنها رمزية كذلك، أشبه بالمسارات التأسيسية لغير سلوك واعتقاد ومفهوم. وهو ما يمكن البحث عنه في التجربة الصوفية كذلك: طبعاً يوفر الدرس التاريخي معلومات ضافية تحدد التجربة الصوفية في سياقات وأطر، سابقة على الإسلام نفسه، سواء في التجربة الفارسية، أو في التجربة المسيحية وغيرها. إلا أن الدارس يتحقق كذلك من أن التجربة الصوفية، في مراتبها وتطلعها وبلوغها، تحاكي المعراج نفسه. فارتقاء المتصوف من حالة إلي حالة، بلوغاً إلى «الحضرة»، لا يختلف في مساره عن ارتقاء الرسول الكريم من سماء إلى سماء، بلوغاً إلى «العرش».
يقول ابن عربي: «العارف في هذا السفر النائم فيما يرى في نومه وهو يعرف أنه في النوم». وما يباشره المتصوف من ممارسات ومجاهدات، ومن أفعال التلاوة والصلاة والصيام والتأمل، وما يقوم به من كتابات بوصفها مكابدة المعنى وتكشفه، هذه كلها عمليات تؤدي إلى التعيين ولكن بالتسمية، وإلى التعبير ولكن من دون الصورة. فالحقيقة المدركة من عالم الغيب كشف يتحصل لهم في المجاهدة والخلوة والذكر، لا بالتدليل أو الحس أو البرهان. فهناك من «اقتدوا واتبعوا»، وهناك من تكشف لهم ما يخفيه الحجاب، أو الإدراك الخارق.
فما كان في معراج الرسول بات ممكناً بفعل التخيل، بفعل التأمل، بفعل التلاوة وغيرها من الأفعال المنتجة لهذا الارتقاء، لهذا التعالي. وهي القدرة التي يتوصل بها المتصوف، حسب السهروردي، إلى إدراك «عالم المثل المعلقة» الذي يتوسط بين العلوي والعقلي من الأنوار المحضة والعالم المحسوس. وتفيد «المعلقة» أنها ليست في حال قوام مادي، بل أن لها مظاهر تتجلى لها كما تظهر الصورة في المرآة.
وهو ما يمكن تبينه ودرسه انطلاقاً من «وحدة الوجود»، وهي تنهي الوجود في ابتدائه، أو منذ ابتدائه، لكنها تكثر الكلام. وهي وحدة جغرافية، متعينة في بنائها العام، في أحيازها، في التراتبية بين عوالمها المكونة لها. لهذا تحتاج معرفة هذه الوحدة إلى أدوات نقل، بل إلى أحوال جسمانية تنقل الإنسان إليها، حيث هي (فلا تجيء إليه، ولا يبلغها بسبره لها عن بعد أو بأدوات نافذة إليها)؛ بل للتنقل وقفات، مقامات، أشبه بحدود، وهي «الأحجبة». هذا ما يفعله المسافر قلبياً (من دون جسمه، بخلاف النبي في الإسراء والمعراج)، والنائم في نوم (وهو لا يصل إلى اللاوعي، بل إلى الوعي الأخير).
ولكن ما يتحقق منه، بمجرد بلوغه هذه الرتبة أو تلك، هو انكشاف أو تجل حقائق له. وما يتكشف له لا ينقله إلينا. وهو يتحقق من حدوثه وحسب، بل له لون وحسب في بعض الأحيان، ما يبقي الانتقالَ المكاني خارج التعين الوصفي، ومنزهاً بالتالي. وهو في ذلك - وإن لا يبلغ التوصيف، أو لا يرتكبه - يتعين في الحسي، في المادي، في التوصيف (النائم، المسافر...)، في الانتقالات المكانية.
فوحدة الوجود تعني واقعاً وحدة مكانية الكون، وانتفاء الزمن (مثل غفلة الحالم)؛ و«هو الذي لا بداية لوجوده ولا نهاية لبقائه»، حسب ابن عربي. كما قال أيضاً: «إنما الكون خيال»، والخيال كما يورد الأملي: «لا موجود ولا مصدق ولا مجهول ولا منفي ولا مثبت». هكذا قلما يقع الكلام في التوصيف، وإن وقع ففي إشارات قليلة، منها أن ما يتكشف في الحجاب هو لون، وهو الأبيض غالباً. وما يتكشف هو وجودات ومراتب متعينة عقلياً، مكانياً (من دون حدود ومقاسات)، لا حسياً، ولا «صفاتياً»، إذا جاز القول.
هكذا أصبح الكون خيالاً قبل أن يكون وجوداً، وانتفت في المكان مقاساته الوجودية، فهو قريب وبعيد في المكان عينه: هو الظاهر والمخفي في آن. كما انتفت في الزمان زمانيته التعاقبية، فهو سابق ولاحق وراهن في اللحظة عينها: هو الأول من دون ابتداء، والأخير من دون نهاية. وهو ما يقوى عليه المسافر من دون سفر، بلمحة بصر أو بغفلة عين، وبسعةِ ما تنشره وتكشفه أجنحةُ «براق» الخيال. هكذا تتعين الحركة في السكون، والوجود في الخيال، والجمال في التمثل؛ أي تتعين في رواح ومجيء متصلين، بل مشدودين بين قطبي هذا التوتر الدائم.
هكذا طلب المتصوف المعراج سبيلاً إلى الكشف، وبلوغاً إلى الحضرة حيث الحقيقة الأكيدة. وهو ما حفل، منذ ما قبل المتصوفة، في جدل علماء الكلام والمفسرين حول مسألة الرؤية، والتي لا تعدو كونها وجهاً آخر لمسألة «صفات» الله نفسها. يقول النفري في «المواقف»:
«أوقفني في الحجاب فرأيته قد احتجب عن طائفة بنفسه واحتجب عن طائفة بخلقه، وقال لي ما بقي حجاب، فرأيت العيون كلها تنظر إلى وجهه شاخصة فتراه في كل شيء احتجب به وإذا أطرقت رأته فيها.
وقال لي رأوني وحجبتهم برؤيتي إياي عني (...).
وقال لي هذا كله لا يرى إلا عندي» (7).
تمتنع الرؤية، إذن، وإن أتيحت، فهي ممكنة عندما «تطرق» الرؤوس. وهي الحركة التي أصابت موسى إذ رفع بصره إلى الله لرؤيته: «ولما جاء موسى لِمِيقَتنا وكلمَه ربُه قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تريني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تريني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صَعِقاً فلما أفاق قال سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنين» (سورة الأعراف، 143). وهو ما سيقوله غير متصوف عن امتناع الرؤية - مثل الجنيد - حتى إن طلب الله منه ذلك. هكذا تم الكلام عن رؤية العين، وعن رؤية القلب. وهكذا توافر للمتصوفة «الكشف» ولكن من دون صور. هكذا تكون الصلة ممكنة بالله، ولكن عبر وسيط، هم الملائكة لدى إبراهيم، بخلاف موسى، «كليم الله» (الذي لا يقوى على رؤيته أبداً، كما سبق القول). وهو الوسيط عينه، أي جبريل بين الله ومحمد، وهو المتصوف بدوره بين الله والمؤمن. ذلك أن الرسول، في المعراج وصل إلى «العرش» ورأى، وهذا ما تطلع إليه المتصوف في بلوغ «الحضرة»: انتقال من دون انتقال، بلوغ من دون ملامسة، وموجودات من دون محسوسات.
هذا ما أطلقت عليه في أحد كتبي تسمية «المناسبة» و«التبعيد»، بعد أن لاحظت، منذ ما قبل القرآن، وجود أنساق فكرية واعتقادية طلبت التناسب، وفق مقادير ونسب، بين العلوي والسفلي، ما اجتمع في «وسائط» و«متقربات» عديدة. وهو ما بلغ في الملفوظ القرآني حداً تبعيدياً ما بلغه أي نسق فكري واعتقادي سابق عليه، وهو القطيعة - وإن أبقى المناسبة - بين العلوي والسفلي، بين الوجود والماوراء. وهو ما ألخصه في عبارة موجزة ولكن كافية: لم يعد الجمال صفة لله، بل أصبح هو الله عينه. ولكن ألا ينقطع بذلك سبيل التعيين، وسبيل الجمال، طالما أنه بات محدداً في ما لا يمكن بلوغه، ولا وصفه؟

 

4 : الوقفة الفلسفية
أعود مرة أخرى إلى المخطوط عينه، وأتساءل: ما صلة المعراج بالارتقاء، بالترقية، بتصعيد الوجود إلى مآله، إلى الماوراء، إلى حقيقة متعالية؟ يقول الأشعري: «إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا جوهر ولا عرض (...) ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم (...) لم يزل أولاً سابقاً متقدماً للحادثات، موجوداً قبل المخلوقات، ولم يزل عالماً قادراً حياً، ولا يزال كذلك» (8).
هكذا يكون الله اللاتعينَ عينه، على أنه سبب التعيينات ومُوجدها. هكذا تنتفي الصفات الدالة عليه، وهو عين الموجودات. هذا ما جعل الله أبعد من أن تطاله عين، أو وصف، فلا يتجسم في صورة. وهو بالتالي أبعد من أن يكون في صفة (أو صفات) قابلة لأن تكون قيمة بعينها، ومنها القيم الجمالية. مثل هذا المنظور أتاح لأن يكون هناك نطاق للتفكر الجمالي، ولكن بوصفه نطاق الإلهيات قبل أن يكون نطاق الأخلاقيات، أو عالم الموجودات نفسه أو المصنوعات، بين مستقبحة أو جميلة. فكيف يتعين الجميل في ما هو غير إلهي؟ وهو ما يمكن تناوله عبر أسئلة أخرى: كيف يتعين جمال المصنوعات أو الأقوال أو السلوكات وغيرها؟ وهل يقع الجميل في أمر من دون آخر، أم في كل ما يصدر عن الإنسان ويعتبره جديراً بتثمين وتشريع؟
التفلسف الإغريقي جعل من المحاكاة أساس كل تعيين للجمال، فوجد في الطبيعة تمام الجمال. بل أقام هذا التفلسف، مثل أنساق اعتقادية أخرى، نوعاً من المناسبة، كما سبق القول، بين العلوي والسفلي، بين المثالي والحسي. وإذا كان أفلاطون وجد في الغائب، في ما لا يمكن معاينته، أي في «عالم المثل»، مصدراً ومثالاً للجمال، فإن غيره من الفلاسفة اكتفى بالطبيعة موضوعاً لإمكان معاينة الجميل، والتوفق بصورة عنه. وهذا ما بلغ في القرآن حداً تبعيدياً قاطعاً، إذ فصل بين العلوي والسفلي، وإن أبقى على العلوي مصدراً للسفلي. هذا ما قطع إمكان التوسط، أو التقرب، إلا أنه جعل المعراج ممكناً، أي السفر من دون سفر. هذا ما أبقى الجمال في نطاق محكم الإغلاق، لا يبلغه أحد، ولا يتعين في ما هو قابل للنقل أو المحاكاة. وهو ما يمكن معاينته في صورة الجنة تحديداً: فقد حفل القرآن بسوره وآياته بمشهدية واسعة عن الجنة، شديدة التعيين بل محسوسة، تعينها كمكان، وتصيب المتنعمين فيها. وهي مشهدية إخبارية ذات أبعاد زمانية ومكانية وعمائر وشخوص وعلاقات سردية، نجد عرضاً وشرحاً لها في الأحاديث والتفاسير، وما يبلغ في القَّصص الإسلامي، ولا سيما بين العامة، سرداً ساحر التخييل أحياناً. إلا أن ما تضمنه القرآن لم يكن موضوعاً لمحاكاة، ولا لمعاينة، إلا في نصوص قليلة، مثل «كتاب التوهم» للمحاسبي، أو «رسالة الغفران» للمعري، أو عند بعض المتصوفة وفي بعض أحوالهم. الجنة ظلت، مثل مفهوم الجمال الإلهي، ممتنعة الوصف، ممتنعة التأليف، على أنها مما يعرف: و«ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر». فكيف يتعين جمال المصنوعات وغيرها، كما سبق الطرح؟
تحدث غير فيلسوف، مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما، عن المحاكاة أساساً لغير صنيع فني، فاحتفظوا بهذا المبدأ المستقى من التفلسف الإغريقي لتعيين أنواع فنية، إلا أنهم ابتعدوا عنه كذلك في تعيين غيرها: تحدث الفارابي، في «كتاب الموسيقي الكبير»، عن الألحان فوجد بعضها شبيهاً بالمحاكاة التي تصيب التماثيل والتزاويق، كما وجد ألحاناً أخرى لا توافق مبدأ المحاكاة، فإن منها «ما يحصل عنها في اليصر منظر أنيق فقط» (9).
هناك، إذن، «منظر أنيق»، لا بفعل المحاكاة، وإنما بفعل آخر. ألا يعود تأليف المنظر الأنيق إلى ما قاله عبد القاهر الجرجاني عن جمال «النظم»، أي عن بناء الجُّمل في الكتابة، إذ شبَّه الجملة الجميلة بعمل «التنضيد» (كما يسميه)، أي التي تجمع أشياء بعضها على بعض، فلا يجيء له من عمله «هيئة أو صورة»، بل أن تكون «مجموعة في رأي (أي: ما تراه) العين»؟ وهو الذي يتحدث عن «الإسناد» في الجملة الذي يفيد في أمرِ غيرها من عمليات التأليف النظمي، إذ يشدد الجرجاني على «أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة» (10). وهو ما يجريه الحسن بن علي بن أحمد الكاتب من مقارنة بين الموسيقى والخط، إذ يجد أن عمل المغني يشبه عمل الخطاط حين يعمد إلى «إحكام عيون الخط وبعض الحروف دون بعض فيصرف إليها عنايته، مثل العينات والصادات والحاءات والنونات» (11). ألا يعين هذا الكاتب أو الجرجاني قبله عمل كثيرين في الفن الإسلامي، مثل المزخرفين وغيرهم، ممن جمعوا أشكالاً فنية، لم يطلبوا منها «أن تجيء له منه هيئة أو صورة»، أي انتفاء مبدأ المحاكاة الطبيعية؟
ذلك أن الفارابي مثل الجرجاني قصرا، بعد فلاسفة إغريق عديدين، مبدأ المحاكاة على الطبيعة نفسها، أي تصوير هيئتها، فيما يمكن الحديث عن صناعة أخرى، لا تتأتى من هيئة أو صورة، وإنما تجتمع وحسب في «رأي العين»، ويحدث منها «منظر أنيق». وهو منظر يتحقق الدارس منه، سواء أكان مستمعاً أو ناظراً، على أن في ما يتلقاه موضوعاً لـ«التذاذ»، لـ«طرب». وهو عملٌ على بناء المنظر يستند إلى مقومات لا تقع في الشبه، وإنما في «النظم»، كما قال الجرجاني، أي في توافر علاقات مختلفة من التقديم والتأخير وغيرها. ولقد وجدت في هذا القول تأكيداً مبكراً لما سيقوله بول كلي بعد قرون عديدة، وهو التعويل على جمالية «التقديم»، (
présentation )، أي ما تعرضه للعين العلاقات بين أشكال وألوان، بدل جمالية «التمثيل» (représentation )، أي ما تعرضه للعين من إعادة تصوير لما يقع خارجها.
هكذا يتحقق العائد إلى المخطوط موضوع الدرس، وإلى أعمال فنية مشمولة بهذا الدرس، من أن نظم العلاقات بين مواد العمل الفني هو الذي يوجه عمل الفنان في مخطوطه: يعتني المزوق، على سبيل المثال، برسم جانب من مسجد، إلا أنه يرسمه فوق الورقة، إذا جاز القول، أي بما يناسب موضعته مع غيره من العناصر المؤلفة لمشهد المزوقة... وهو الجهد عينه الذي يبذله الخطاط إذ يتبع الآنية في شكلها الدائري، أشبه بورقة، لكي يبسط عليها حروفه المتتابعة.
هكذا يتعين العمل الفني فوق ورقة، فوق جدار، فوق معدن، فوق خشبة، على أن يتكفل الفنان بتدبير الأسباب الفنية التي لها أن تجمع عناصر العمل فوق السطح المادي. هذا ما جعل الصيغ الهندسية الدقيقة قوالب أو أشكالاً ثابتة لبناء الأشكال والمساحات، أشبه بالعروض للشعر العربي القديم. وهو ما يفسر كذلك التنوع الهائل، والشديد التمايز، الذي بلغته الزخرفة الإسلامية، والتي أفاد غير فن إسلامي من تخريجاتها وتوصلاتها الشديدة التعقيد.
***

بهذه الكلمات يخاطب سقراط السفسطائي جورجياس (في الحوار الحامل اسمه): «في استطاعتك، كيفما شئت، أن تتمثل المصورين، أو المعماريين، أو بناة السفن، أو غيرهم من أهل المهن (...): إن كل واحد منهم يقيد نفسه بنظام ما، ويجعل فيه لكل شيء مكانه الذي له، ويلزم هذا الشيء بأن يوافق الشيء الآخر، وأن ينضبط هذا بذاك بما يجعل المجموع (الأشياء) عملاً يحقق نظاماً وترتيباً». وهو كلام يمكن سوقه وجعله مناسباً للكلام عن النظام الجمالي الإسلامي وما اقتضاه من ترتيب لعناصر العمل الفني وفق مقتضيات هذا النظام. هذا النظـام تعين في صفات، مثل الحسن والجودة والحذاقة وغيرها، على أنها تندرج في ترتيب يطلب الكمال والتناغم والنقاوة بين عناصره. وهو ترتيب، بالتالي، ينطلق من أولوية النظام المتعالي على غيره، فيما يتعين النظام الجمالي الحالي في نظام آخر، بات يطلب من الذوق الفردي مرجعاً له. وهو ما جعل القيم التشكيلية تتمثل في العمل الفني نفسه، لا في جمال متعال، في ماوراء، يحيل عليه ويتمثله ويستوعبه في آن. وهو ما يسميه لوك فيري بـ«فردانية الجميل» (12)؛ وهو يعني في حسابي أن الذوق بات رهن التداول الاجتماعي، المفتوح على الخصام والتنافس، وإن يتعين في أفراد.
مثل هذه التداولية الجمالية انتقلت في مرجعيتها إلى الثقافة بدل الدين، وهو ما يتمثل - في ما يتمثل - في التعيينات التي باتت تصيب الفن القديم نفسه، في صفاته اللاحقة والمحددة له: ألا يمكن نسبة الفن، بوصفه إسلامياً أو عربياً، إلى هذا النظام الثقافي تحديداً، الذي بات يكفل أكثر من الدين قيم هذا الفن؟
إن الجمال في الله، وفق القرآن، إلا أنه يعيش بالبشر بأنفسهم ولهم كذلك، بما يتدبرونه تاريخياً، وبما يناسبهم وفق حاجاتهم وأذواقهم، على أن لا يعارض صراحة - في مناخات الاعتقاد القديمة - القواعد الصريحة في الدين. وهو ما تعين في فن المصحف وما تبعه من تقاليد في البلاط، وفي تجارب المتصوفة، وفي جدل الكلاميين والفلاسفة، على مقادير من الاجتهاد، ضمن نطاق التمثل، كما سبق القول. لهذا فإن الحديث عن الجمال القديم يتعين في الحديث عن الإلهيات، عن مكانة شديدة التمايز، منزهة عن أي ماهية أو وصف أو صفات تجعلها ملتبسة مع غيرها أو ذات صلة بها. كما يتعين هذا الجمال القديم في مبحث واقع في «الصناعات»، في صفات بعينها تطلب التناسب والتمام والكمال والدقة والتناغم بين عناصرها. ذلك أن العمل الإنساني يبتغي بلوغ تمام الحقيقة في ما يعتني به ويعمله: فهو إن صوَّر طلب أن تكون صورته تامة، بما يغلِّب دوماً الصورة العقلية على الصورة البصرية. وهو ما يميز، عند التوحيدي في «المقابسات»، بين من «ينظر إلى الأشياء»، فــ«يحار» في ما يبلغه منها من صور لحسيتها المليئة بالتشوه والسقم، وبين من «ينظر في الأشياء»، الذي «يتأنى في نظره، وتأنيه يبعث على التصفح البالغ، والتصفح البالغ يؤديه إلى الصحيح من السقيم». هكذا يمتنع الناظر عن «عكس» (وفق لفظ التوحيدي)، أي عن نقل ما يراه «عما هو به»، إذ أن في ذلك ما يشوه حقيقة المنظور إليه. ذلك أن الحس مضلل، ومنه ما يتأتى من الصورة وبها، وللصناعة أن تنأى عن ظاهر الأشياء وتعلو به إلى ما يمكن أن تكون عليه «حقيقتها». لهذا فإن صفات مثل الحذق والتوفية وحسن الوضع والتأنق وغيرها، أو الانفعالات النفسية الجالبة للذة أو للطرب، لا تتعين في الصنع، في العمل، إلا بالقدر الذي يسعي فيه الصانع إلى «إصابة المقادير» (13). وهو سعي يقوم على «نظر» مزدوج، كما سبق القول، ما جعل الفن يتعدى الصنع أو الحذق، ويتخطى المطابقة مع سابق أو معلوم أو معروض، للناظر أو للناقل، ليطاول بعداً مكوناً له، غائباً عنه فيما يتمثله. وهو كلام في أن يكون للفن ما يتعداه ويشمله في آن، ما يحفزه ويبقيه مفتوح الاحتمالات، على حقيقته الغائبة أبداً.

 

الهوامش
1 : عدت إلى هذا المخطوط مطبوعاً طباعة جيدة وملونة في :
Mirâj Nâmeh : le voyage miraculeux du prophète, présenté et commenté par: Marie-Rose Séguy, Draeger éditeur, 1977.
2 : بشر فارس : «منمنمة دينية تمثل الرسول من أسلوب التصوير العربي البغدادي»،  منشورات المجمع العلمي المصري، الجزء 51، مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1949.
3 :  زكي محمد حسن : «السيرة في الفن الإسلامي»، مجلة «المقتطف»، أيار/مايو 1940، القاهرة، صص 488-491: يتحدث حسن عن تصوير للنبي وللسيرة النبوية، عارضاًًً لعدد من المزوقات، التي تعود خصوصاً إلى القرن السابع الهجري، مشيراً إلى مزوقات خاصة بالمعراج لدى مصورين فرس مثل التي أتناولها في هذه المحاضرة.
4 : المخطوط محفوظ في مكتبة أدنبرغ، ويعود إلى العام 1307.
5 : ثروت عكاشه : «التصويرالإسلامي الديني والعربي»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1977، صص 133-193 .
6 : شربل داغر : «مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية»، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء بالتعاون مع «الجمعية الملكية للفنون الجميلة»، عَمان، 1998.
7 : محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري: «كتاب المواقف، ويليه كتاب المخاطبات»، تحقيق : أرثر يوحنا أربري، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1934، نسخة عن الطبعة الأولى، مكتبة المثنى، بغداد، ص 76 .
8 : «مقالات الإسلاميين»، ص 155 .
9 : الفارابي: «كتاب المويسقى الكبير»، تحقيق وشرح : غطاس عبد الملك خشبة، مراجعة وتصدير: محمود أحمد الحنفي، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، د. ت.، القاهرة، ص 62 .
10 : عبد القاهر الجرجاني : «دلائل الإعجاز»، تحقيق: محمد عبده ومحمد محمود التركزي الشنقيطي ومحمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1978، ص 79 .
11 : الحسن بن أحمد بن علي الكاتب : «كتاب كمال وأدب الغناء»، تحقيق : غطاس عبد الملك خشبة، مراجعة : محمود أحمد الحنفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975، ص 78 .
12 :
Luc Ferry : Homo Aestheticus, l'invention du goût à l'âge démocratique, éd. Grasset et Fasquelle, Paris, 1990, p. 20. 
13 : وهو تركيب لفظي وجدته مستعملاً، وفق هذا المعنى، عند الجاحظ كما عند التوحيدي.

(محاضرة في الأونيسكو، باريس، بدعوة مشتركة مع الألكسو،  في 18 أيار-مايو 2005).